انت هنا: الرئيسية جميع المقالاتإفتتاحيةاليمن .. المعضلة والحل

اليمن .. المعضلة والحل

انشأ بتاريخ: الثلاثاء، 29 آب/أغسطس 2017

من المؤكد أن المشكلة اليمنية معقدة، ومتشابكة، يختلط فيها السياسي بالاقتصادي والأمني بالعسكري، والحزبي بالطائفي، والمصالح مع مستقبل الوطن، وكذلك أطماع خارجية ممتدة التأثير ليس كالاستعمار التقليدي القديم الطامع في الخيرات، بل تصدير أزمات فكرية طائفية عقائدية ممتدة المفعول وزارعة للنفوذ والهيمنة كما تفعله إيران في اليمن ضمن أجندتها التي تتجاوز حدود اليمن وشعبه ومصالحه، لتكون محطة في هذه الأجندة ومنصة للانطلاق إلى الجوار الجغرافي في آسيا وإفريقيا، مستفيدة من موقع اليمن في جزيرة العرب وعلى الحدود الإفريقية عند بوابة البحر الأحمر الجنوبية،  هذه الدولة التي  تئن من  تحديات كثيرة تبدو عصية على الحلول السريعة  أو الترقيعية، بل تتطلب استراتيجية طويلة المدى بمشاركة أبناء اليمن، والدول الخليجية، والعربية، ودول العالم، حيث الأمر يتطلب إنهاء الانقلاب وإعادة تأهيل دولة مزقتها صراعات متعددة بدأت مع نظام حكم استمر لأكثر من 35 سنة، اعتمد في بقائه على التوازنات والمواءمات بعيدًا عن أسس إدارة الدولة الحديثة، فزادت رقعة الفقر ، وانتشر الفساد، وظهر الإرهاب، وتحولت اليمن إلى ساحة لجذب الجماعات الإرهابية العائدة من أفغانستان وغيرها، وزاد من ذلك ظهور ميليشيا مسلحة عقائدية تابعة لدولة أجنبية استولت على الحكم بالقوة ونصبت نفسها حكومة رغم أنف اليمن واليمنيين ودول الجوار. 

وإذا سلمنا بهذه الأزمات وانعكاسها على الشعب اليمني، فإن مواجهتها ليست مسؤولية أبناء اليمن فقط، بل الأمر يتطلب مشاركة جماعية عربية / خليجية، ودولية مع وضع خطط استراتيجية عبر ورش عمل تضع تصورًا متكاملاً لمشاكل اليمن، وكيفية حلولها وفقًا للأولويات، وعلى ضوء الإمكانيات التي يمكن توفيرها من الدول المانحة والمجتمع الدولي تحت إشراف الأمم المتحدة , وجامعة الدول العربية , ومجلس التعاون الخليجي.

على أن يكون البدء في قيام المجتمع الدولي بمبادرة ملزمة لإقرار السلام في اليمن على ضوء ما تم الاتفاق عليه سابقًا ضمن المبادرة الخليجية، ومخرجات الحوار الوطني اليمني، وقرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي ذات الصلة على أن يتبنى مجلس الأمن فرض عقوبات ملزمة تحت بند الفصل السابع في حال اتباع سياسة التسويف التي يتبعها الانقلاب في صنعاء، علمًا أن تراخي المجتمع الدولي يعطي الانقلاب فرصة أكبر في تبديد مقدرات الشعب اليمني ونشر ثقافته الطائفية العنصرية.

الإبطاء في حل المعضلة اليمنية وإطالة بقاء الانقلاب يدفع ثمنه الشعب اليمني بمفرده، هذا الشعب الذي يعاني من الفقر، وقلة الغذاء والدواء، وانتشار الأوبئة والأمراض الفتاكة، والتدمير الممنهج الذي تقوم به قوى الانقلاب بما يكرس الطائفية المقيتة التي لا يقرها الدين الإسلامي الحنيف ولا يرتضيها الشعب اليمني، بل فتنة طائفية كبرى تصدرها إيران للمنطقة والعالم عبر اليمن.

والمطلوب تحرك سريع وجاد من المجتمع الدولي لإيجاد الحل السياسي المناسب خاصة أن الحكومة الشرعية ترغب في إنهاء الوضع القائم، وترحب بالحل السياسي وعدم استبعاد أي فصيل أو حزب من العملية السياسية السلمية، وتؤكد على أن اليمن يتسع لجميع اليمنيين، شريطة أن يكون الوطن هو هدف الجميع ورفض التدخل الخارجي بأجنداته الطائفية. ومن ثم على طرفي الانقلاب أن ينتهزوا الفرصة وينخرطوا في مصالحة سياسية تضمن العيش للجميع في وطن واحد يتسع لكل ألوان الطيف السياسي، والتيقن من أن الدعم الخارجي المربوط بالطائفية لن يدوم لأنه مرتبط بمصالح وأجندات فاشلة لم تحقق شيئًا في كثير من الدول التي استهدفتها سوى الخراب والدمار.

وعلى الحكومة الشرعية التخطيط لإعادة بناء يمن ما بعد الانقلاب ، وإعادة البناء هنا بمعناها الشامل الذي يشمل الإنسان والمكان وعجلة الإنتاج والمرافق وغير ذلك، ومن ثم الشروع في تأهيل الكوادر التي تبني وتعيد تأهيل اليمن في كل المجالات.

وعلى المجتمع الدولي، والمنظمات والدول المانحة أن تساند هذه الجهود الرامية إلى تحديث اليمن وليس مجرد إعادة الإعمار فقط، بما يتناسب مع أهمية وتاريخ وعراقة وموقع هذه الدولة المهمة في الشرق الأوسط ، وبما يحقق توعية المواطن وإبعاده عن ثقافة الطائفية والحزبية وإعلاء شأن المواطنة والدولة الوطنية، وبما يحقق الاستقرار الإقليمي ويحاصر الإرهاب وتصدير الفتن الطائفية وقطع دابر الجماعات الإرهابية التي تسكن اليمن وسط هذا الفراغ السياسي والأمني والتناحر المذهبي وتعدد الولاءات.

ودول مجلس التعاون الخليجي لن تتردد في تقديم العون والمساندة والتمويل لليمن الشقيق من أجل إقامة دولة آمنة مطمئنة تتسع لجميع أبنائها وتلم شتاتهم بعد أن انتشرت كفاءات يمنية وشخصيات ذات قيمة في مختلف أصقاع الأرض، كما أن دول مجلس التعاون التي قدمت دماء أبنائها فداءً لليمن في عاصفة الحزم بدعم وقرار من خادم الحرمين  الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز ـ حفظه الله ورعاه ـ ومن ولي العهد نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز، والمملكة  بما قدمته في هذا العهد الزاهر من مساعدات إغاثية وإنسانية للأشقاء في اليمن في إطار عملية إعادة الأمل، لن تتردد في تقديم كافة أنواع المساعدات في عملية إعادة الإعمار من أجل عودة اليمن الآمن المستقر كونه الجار الشقيق الذي تجمعه مع المملكة أطول حدود برية بين دولتين في جزيرة العرب.

ختامًا، من جانبه، يقدم مركز الخليج للأبحاث ومجلته الشهرية (آراء حول الخليج) هذا العدد من المجلة كعدد متميز عن اليمن استكتب فيه كبار الشخصيات اليمنية من المسؤولين، والمفكرين والكتاب من مختلف ألوان الطيف لتقديم رؤية متكاملة، ومتوازنة، وشاملة بغية الوقوف على الحقائق ومناقشة الأزمة اليمنية من كل جوانبها، ومن ثم تقديم رؤية متكاملة للحل من أجل عودة اليمن السعيد إلى سعادته المأمولة.

كما أن مركز الخليج للأبحاث ينظم عددًا من ورش العمل حول الأوضاع في اليمن ومستقبله في عدد من المدن والعواصم العالمية مثل واشنطن، ونيويورك، ولندن، وبرلين، وباريس، وبروكسل، وجنيف، وطوكيو، وبكين، والقاهرة لطرح ومناقشة  واقع اليمن ومستقبله. 

كلمات دليلية

الشركات المعلنة