انت هنا: الرئيسية جميع المقالاتالعدد 118تقرير خاصتغيرت هياكل الإرهاب من عمودية إلى أفقية تخضع لأوامر أقل ومرونة أكثر مجلس وزراء الداخلية العرب: قرارات تتطلب تضافر الجهود وبلورة السياسات

تغيرت هياكل الإرهاب من عمودية إلى أفقية تخضع لأوامر أقل ومرونة أكثر مجلس وزراء الداخلية العرب: قرارات تتطلب تضافر الجهود وبلورة السياسات

انشأ بتاريخ: الخميس، 30 آذار/مارس 2017

يشهد الوطن العربي تحديات إرهابية جديدة بظهور جماعات متطرفة تستخدم التقنيات في مرحلة التخطيط، الإعداد، التنسيق، التمويل، والتنفيذ. وتفاقمت هذه التحديات نتيجة لعدم الاستقرار السياسي الذي تُعانيه بعض الدول العربية في الوقت الحالي، والأمر الذي لا شك فيه أن الدول العربية تأثرت بمجموعة من الأحداث منذ بداية الألفية الثالثة ومنها: هجمات 11 سبتمبر وتداعياتها، الأزمة المالية العالمية، تصاعد التهديدات الإيرانية ومؤامراتها، الوضع في الصومال ومالي، بالإضافة إلى أحداث ما يسمى بالربيع العربي وتداعياتها؛ حيث عزز فقدان الأمن صعود ظاهرة الإرهاب، الأمر الذي ضاعف من تحديات مجلس وزراء الداخلية العرب.


وهنا نطرح عدة أسئلة منها: ماهي اتجاهات الإرهاب؟ وأنماطه وخصائصه؟ وما هي إنجازات مجلس وزراء الداخلية العرب في مواجهته؟ وما هي التحديات التي تواجه تنفيذ هذه القرارات؟

تطور الإرهاب واتجاهاته

الإرهاب ظاهرة عالمية قديمة ظهرت في ظل الحضارات السابقة بصور مختلفة، وتم توثيق أول حالات الإرهاب في القرن الأول قبل الميلاد عندما قاد اليهودي زيالوتس سيكاري بالتحريض على الحكم الروماني، وسميت مجموعته بالمتعصبين الذين قاموا بقتل ضحاياهم بالخناجر، وفي القرن الحادي عشر ظهرت مجموعة السفاكون في الشرق الأوسط، وهي مجموعة إرهابية استخدمت العنف وشكلت جزءًاًمن تاريخ الإرهاب، وتسببت في بروز ظاهرة الحشاشين الذين نفذوا عمليات إرهابية آنذاك.
ثم تطورت هذه الظاهرة، وفي الوقت الحالي يتم تصنيف المنظمات الإرهابية بحسب دوافعها إلى: يسارية، يمينية، انفصالية، والتي تستخدم الدين لتحقيق أهدافها، والنوع الأخير هو الأخطر، لأنها تعتقد أن غير المنضم لها شيطاناً ينبغي محاربته إرضاءً للذات الإلهية، ويُظهِر أعضاؤها شعور بالاغتراب عن النظام الاجتماعي، ومن ثم يحاولون التخلص منه ليحل محله النظام الذي يرونه أكثر عدالة.
لقد شهدت ظاهرة الإرهاب عدة تحولات، كما مرت بعدة أجيال لكل منها سماته التي جاءت إلى حد كبير انعكاسًا لظروف البيئة الدولية، ومنها الجيل الأول، الذي انبثق من الطابع القومي المتطرف الذي عم أوروبا نهاية القرن التاسع عشر واستمر حتى ثلاثينيات القرن العشرين. الجيل الثاني، برز خلال الحرب الباردة وكان عبارة عن موجات ذات طابع إيديولوجي ومن ذلك الألوية الحمراء الإيطالية، والجيش الحر الياباني، أما الطابع الحالي فيختلف بشكل جذري حيث جعلت هجمات 11 سبتمبر الإرهاب بديلاً للحروب التقليدية.
ويرجع تاريخ استخدام مدلول مصطلح الإرهاب إلى حقب تاريخية قديمة، ففي حين يرجعه البعض إلى محاكم التفتيش الإسبانية ضد الأقليات المسلمة، يُرجعه بعض آخر إلى نوع الحكم الذي مارسته الثورة الفرنسية ضد تحالف الملكيين والبرجوازيين المناهضين للثورة، ويُرجعه بعض ثالث إلى حضارة فارس وأصله كلمة (ترساندن) ومن هناك انتقل إلى أوروبا.
أما مصطلح الإرهاب فتم استخدامه للمرة الأولى إبان الثورة الفرنسية عام 1795م، للدلالة على الرعب من الحكومة الثورية، وتمت صياغته للإشارة إلى السياسة التنظيمية المستخدمة لحماية حكومة الجمهورية الفرنسية الوليدة ضد أعداء الثورة. كما انقلب الفوضويون الروس على القيصر الإسكندر الثاني عام 1881م، معتقدين أن قتل الأرستقراطي سيدمر الحكومة، ما ساعد على تطوير الإرهاب واستخدامه في تغيير السياسات.
وعلى المستوى القانوني استقر مصطلح الإرهاب عام 1930م في المؤتمر الأول لتوحيد القانون العقابي في وارسو/ بولندا. وفي عام 1934م، أقدمت منظمة الأستادا المقدونية الانفصالية على اغتيال ملك يوغسلافيا، فاجتمعت عصبة الأمم بناء على طلب فرنسا التي حدثت على أرضها الجريمة الإرهابية وتقرر إنشاء لجنة خاصة لإعداد مشروع ميثاق دولي حول الإرهاب، نتج عنها اعتماد ميثاق جنيف عام 1937م، وضم اتفاقيتين: واحدة لقمع الإرهاب الدولي، وأخرى للمحاكمة عن الجرائم الإرهابية أمام محكمة جنائية دولية، ولكن الميثاق لم يدخل حيز التنفيذ. وفي عام 1972م، وقع هجوم على مطار اللد داخل فلسطين المحتلة من قبل الجيش الأحمر الياباني، وهجوم على الفريق الرياضي الإسرائيلي بقرية الألعاب الرياضية في ميونخ، فسارعت الجمعية العامة للأمم المتحدة للانعقاد وأصدرت القرار رقم (3034/72) القاضي بإنشاء لجنة لتعريف الإرهاب، لكن العالم عجز عن الوصول إلى تعريف موحد للإرهاب.
شكلت هجمات 11 سبتمبر منعطفًا تاريخيًا حيث أصبح الإرهاب على قمة الأجندة الدولية، عبر قرارات مجلس الأمن رقم 1269 بتاريخ 19/10/2000م، بشأن الحرب الدولية على الإرهاب، ورقم 1372 بتاريخ 28/9/2001م، بشأن تشكيل لجنة مكافحة الإرهاب. وفي 7/10/2001م، بدأت الحرب على أفغانستان. ولكن ضيق أفق السياسة الأمريكية في الحرب على العراق أجج حمى الإرهاب بحسب مسؤولين أمريكيين؛ ففي شهادته أمام الكونجرس قال جورج تينت مدير جهاز الاستخبارات الأمريكي السي آي إيه الأسبق: "كان من السهل علينا لو أن تنظيمًا مركزيًا مثل القاعدة ظل داخل أفغانستان، فنحن الآن بدلاً من مواجهة هدف كبير وثابت، أصبح لدينا أهداف صغيرة متحركة في شتى أنحاء العالم، وكلها مسلحة وخطيرة، وبهذه الطريقة أصبحت حربًا أكثر صعوبة". واعتبر خبراء التحقيقات الفيدرالية أف بي آي، أن الحرب على أفغانستان قلصت قدرة القاعدة بنسبة (30%) فقط، لأن قادتها ونشطائها إما فروا إلى إيران أو عادوا إلى بلادهم. ورجح ضباط الاستخبارات العسكرية في قوات التحالف أن نحو (%80) من المعتقلين العراقيين اعتقلوا خطأً، فضلاً عن اختفاء نحو 8 آلاف عراقي، الأمر الذي أجج مشاعر الغضب وخاصةً بعد الفظائع التي ارتكبت في سجن أبو غريب.
في ذات السياق يقول ريتشارد كلارك الرئيس السابق لقسم مكافحة الإرهاب في البيت الأبيض: "توقعت في 12 سبتمبر 2001م، أن أعود إلى جولة من الاجتماعات التي نناقش فيها أين سيكون الهجوم، وما هي نقاط ضعفنا، وما الذي يمكننا فعله بشأنها على المدى القصير. ولكنني بدلاً من ذلك وجدت نفسي أسير إلى سلسلة من النقاشات حول شيء يختلف تمامًا عن إنهاء تنظيم القاعدة. بعد ذلك أدركت أن وزير الدفاع دونالد رامسفيلد ونائب وزير الدفاع بول ولفويتر كانا يحاولان استغلال هذه المأساة للترويج لأجندتهما المرتبطة بالعراق فقد كانا يلحان على شن حرب في العراق منذ بداية إدارة الرئيس بوش".
وما تزال السياسة الأمريكية تشكل تحديًا مهمًا لأمن الدول العربية وعاملاً مؤثرًا في تطور ظاهرة الإرهاب اتجاهاته، وقد تجلى ذلك في الاتفاق الذي أبرمته واشنطن مع إيران، ثم في الموقف الأمريكي حيال الخطوات السعودية التي جاءت ردًا على اعتداء إيران على سفارة خادم الحرمين الشريفين في طهران، إذ لم ترق خطوات الإدارة الأمريكية إلى المستوى المقبول. ولعل المقال الذي كتبه الأمير تركي الفيصل ونشرته مئات الصحف العربية والأجنبية في 14 مارس 2016م، يعبر بوضوح عن غموض وتناقض السياسة الأمريكية حيال الأمن العربي وتحديدًا أمن الخليج، وحيال قضايا إيران والإرهاب والطائفية على وجه التحديد، فقد كشف المقال بما لا يدع مجالاً للشك عن رؤية الخبراء لدور السياسة الأمريكية في هذه القضايا.
على المستوى العربي، لا توجد بيانات دقيقة حول الإرهاب، ولمثل هذه الحالة خطورة بالغة في زيادة الإرهاب، وعدم وضع الخطط والبرامج الإصلاحية المناسبة لمعالجته، خاصة وأن مثل هذه الخطط تتطلب رصدًا للمصادر الاجتماعية والاقتصادية والمعلوماتية.
شهدت الدول العربية بعض حالات الإرهاب بداية سبعينيات القرن الماضي، ولكنها لم ترق لمستوى الظاهرة إلا عقب غزو الكويت. وتنامي ظاهرة الإرهاب تؤكده تقارير الخارجية الأمريكية في الفترة منذ عام 1969م، حتى عام 2011م، حيث سجلت الحوادث الإرهابية ارتفاعًا كبيرًا عام 2005م (11023) حادثًا، ثم سجلت عام 2007م، أكبر عدد حوادث الإرهاب فبلغت (14414) حادثًا، كما سجل العام نفسه أكبر عدد من القتلى حيث بلغ (22719) قتيلاً، وكذلك أكبر عدد من المصابين حيث بلغ عددهم (44095) فردًا. أي أن عدد الحوادث الإرهابية والقتلى في تصاعد بالرغم من الجهود المبذولة لمكافحة الإرهاب، وإذا كان عدد الحوادث الإرهابية انخفض أعوام 2008م، 2010م، إلا أنه تزايد خلال العقد الحالي، وما زال أكبر بكثير من عدد الحوادث التي وقعت في الأعوام السابقة وفق التقرير السنوي لوزارة الخارجية الأمريكية عن الإرهاب في دول العالم لعام (2013م)، ويلاحظ وجود أربع دول عربية بين أكبر عشرة دول في العالم شهدت هجمات إرهابية، فقد حلت العراق في الترتيب الأول، واليمن وسوريا والصومال في الترتيب الثامن والتاسع والعاشر تباعًا. ويبين الجدول نفسه أن الهجمات في الدول الأربع مثّلت نحو (40%) من إجمالي الهجمات في الدول العشر، وأن عدد ضحايا الإرهاب في الدول الأربعة هو نصف إجمالي عدد الضحايا في الدول العشرة.
أما مؤشر الإرهاب العالمي لعام (2012م) الذي يهدف إلى ترتيب الدول وفقاً للتأثير السلبي للإرهاب، ويقيس العمليات الإرهابية على مدار عشرة سنوات (2002-2011م)، جاءت فيه العراق في الترتيب الأول، وحلّت ثلاث دول عربية بين أكبر عشر دول من حيث انتشار الإرهاب هي: العراق، اليمن، والصومال في الترتيب الأول والخامس والسادس تباعاً. ووفقاً للبيانات المستخدمة في حساب المؤشر فقد شهدت الدول العربية نحو (36%) من إجمالي الهجمات الإرهابية التي شهدها العالم، وترتب على تلك الهجمات نحو (40%) من ضحايا الإرهاب على مستوى العالم ونحو (45%) من المصابين على مستوى العالم.
وكشفت تطورات الأحداث خلال العام 2015م، ثم الربع الأول للعام الحالي 2016م، عن تصاعد الهجمات في دول المجلس وتحديداً في السعودية والكويت، وهو أمر طبيعي في ظل حالة العداء التي يعلنها تنظيم داعش وحلفاؤه لدول المجلس وتحديدًا السعودية.

خصائص وأنماط الإرهاب

نجحت الدول العربية في تسديد ضربات موجعة للإرهاب، ولتنظيم القاعدة على وجه التحديد الذي تصدر مشهد الإرهاب في الفترة المشار إليها سابقًا، ولكن بالانتقال إلى الفترة ما بعد 2008م، وحتى العام الحالي 2016م، نجد تغيرًا في خصائص الإرهاب عكسته طبيعة التحديات الأمنية وخاصة بعد ظهور تنظيم داعش الذي ولد من رحم الفوضى الخلاقة وتداعيات مع عرف بالربيع العربي. وكشفت دراسة حديثة لجامعة نايف العربية للعلوم الأمنية أن تنظيم داعش يمارس أسلوب إرهاب الذئب الأوحد (الذئاب المنفردة) وإرهاب الخلايا الصغيرة يساعده على ذلك الاستخدام العالي للتقنيات الحديثة وشبكة الانترنت.
والمقصود بالذئب الأوحد أن يقوم بالعمل الإرهابي شخص واحد يستمد أيديولوجيته وكيفية صناعة المتفجرات من الإنترنت دون الحاجة إلى الانتقال لمخيمات جهادية للتدريب، وهو ما يجعل من الصعب القبض عليه إلا بعد قيامه بالعملية الإرهابية. ولا يوجد للذئب الأوحد أعداء محددين مما يصعب مسألة التأمين، والأكثر من ذلك أن المواطنين العاديين أكثر استهدافًا من قبل إرهابيو الذئب الأوحد. ويختلف مفهوم إرهاب الذئب الأوحد عن مفهوم الإرهاب الفردي ويُقصد بالأخير الأفراد الذين يقومون أيضًا بأعمال إرهابية منفردين ولكنهم تابعين لتنظيمات وينفذون بذلك تعليماتها، وهناك عدة أنماط لإرهاب الذئب الأوحد أهمها: المنتقم، والمقتص، وحرب العصابات.
أما إرهاب الخلايا الصغيرة فيتألف من عدد محدود من الأشخاص تربطهم علاقات ثقة وتجمعهم أيديولوجية خاصة بهم تستند لأساس ديني أو إثني أو أيديولوجية محددة أو الإيمان بقضية ما، ولا يلجأ هذا النمط لاستخدام الإعلام من أجل الانتشار أو كسب التعاطف كما كانت تفعل القاعدة، وتكون عملية صنع القرار فيها عملية جماعية.
فالتنظيم الخاص بالجماعات الإرهابية تغير من كونه كان هياكل تنظيمية هرمية عمودية إلى مجموعات أفقية يخضع لأوامر أقل وأصبحت أكثر مرونة حتى تسهل مهمتها وتسرعها، وينتشر هذا النمط بشكل كبير في مصر حيث يكشف كل فترة وأخرى عن خلايا إرهابية صغيرة، لكن المشكلة أنه غالباً ما يتم اكتشافها بعد قيامها بالعمل. والإرهاب الحالي هو إرهاب بلا قيادة، حيث لا توفر عملية تجنيد منظمة، فالإرهابيين لم ينالوا تعليمهم في مدارس دينية، أو مخيمات للتدريب، كما كان الحال مع الإرهابيين في القاعدة، بل تم التجنيد من خلال المدونات الجهادية، والمواقع الإرهابية، وعبر الدورات التدريبية المتاحة على الإنترنت حول كيفية تنفيذ العمليات الإرهابية محدودة النطاق، ولذلك لا تتمتع هذه العناصر بمهارة كافية لتنظيم أو تخطيط العمليات الإرهابية. وتختلف خصائص الإرهاب بلا قيادة عن خصائص الإرهاب الذي كان يمارسه تنظيم القاعدة، فأغلب القائمين على استراتيجية المقاومة بلا قيادة لا يكون لديهم سجل جنائي، وقليل منهم لديه جرائم بسيطة لم يتم الحكم فيها وبالتالي يصعب تعقبهم أو تعقب نشاطاتهم، كما أن أعضاء هذه الجماعات الإرهابية غير منعزلين عن مجتمعاتهم، وذلك مقارنة بالطبيعة الانعزالية للجماعات الإرهابية التقليدية. ويلاحظ عدم ارتباط هذه الأنماط الجديدة من الإرهاب بدول تُعانى من مشكلات اقتصادية، حيث أن وجوده أصبح ممكنًا أيضًا في دول ترتفع فيها معدلات التنمية، إضافة لدخول نمط جديد من استقطاب النساء والاندماج بين الأنماط المختلفة لجماعات الإرهاب.
وتكشف أنماط وخصائص الإرهاب عن حجم التحديات التي تواجهها الأجهزة الأمنية، ومنها: استخدام التواصل الاجتماعي في التنظيم والتجنيد والتمويل وبث الدعاية النفسية، واستخدام الأحزمة الناسفة لتفادي الإجراءات الأمنية وإحداث أكبر قدر من الخسائر البشرية، واستغلال صغار السن الذين لا يتوافر لهم سوابق أمنية ولم يسبق لهم السفر، إدراكاً منهم أن هذه الحالات يصعب اكتشافها؛ وقد يكون هذا التحدي الأخير من أخطر التحديات الراهنة، حيث تكشف الدراسات أن أهم العوامل الجاذبة إلى التنظيم: كون الشباب والناشئة المغرر بهم قابلين للإيحاء ويعانون أزمات في الثقة والهوية والانتماء، وكثير منهم تربوا في أسر مضطربة. وقد فسر بعض الخبراء أسباب انجذابية الشباب العربي نحو داعش، في: القصور العملية التربوية التعليمية، والإخفاق في غرس قيم المواطنة، وضعف نظم الرعاية الاجتماعية، وارتفاع نسبة البطالة والفقر، والشعور بالظلم، وقمع الحراك الشعبي الذي اصطبغ أحيانًا بصبغة إيديولوجية أو طائفية أجج الاستقطاب الاجتماعي والتوترات الطائفية، هذا بالإضافة إلى التدخلات الإيرانية وانعدام الثقة في الغرب.

 

إنجازات مجلس وزراء الداخلية العرب في مواجهة الإرهاب

يوجد اتفاق على تجريم مجموعة من الأنماط الإرهابية الإجرامية من خلال ستة عشر صكاً قانونيًّا عالميًّا من بينها إحدى عشرة اتفاقية، وأربعة بروتوكولات، وتعديل واحد، وتكملها قرارات صادرة عن الجمعية العامة للأمم لتوفر الإطار القانوني لاتخاذ إجراءات متعددة الأطراف ضد الإرهاب ولتجريم أعمال إرهابية محددة، تشمل اختطاف الطائرات، وأخذ الرهائن، وتفجيرات القنابل الإرهابية، وتمويل الإرهاب والإرهاب النووي وغيرها. ولقد تكللت هذه الصكوك بأهم ميثاق دولي لمكافحة الإرهاب وهو استراتيجية الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب التي اعتمدت في الدورة 61 للجمعية العامة بموافقة (192) دولة. والواقع أن الجهود الدولية ما زالت خجولة وأسيرة لأهواء ومصالح القوى الكبرى، فليس هناك اتفاق على تعريف الإرهاب ولا الجريمة الإرهابية. لكن ثمة تجمعات إقليمية قد حددت ماهية الإرهاب وماهية الجريمة الإرهابية، وبينها جامعة الدول العربية التي استطاعت عبر جهود مجلسي وزراء الداخلية والعدل العرب أن تضع الاتفاقية العربية لمكافحة الإرهاب.
يقود مجلس وزراء الداخلية العرب الجهود العربية الاستراتيجية في مواجهة الإرهاب، وتعد الاستراتيجية الأمنية العربية التي أقرها المجلس عام 1983م، وطورها عام 2000م، بمثابة الإطار الناظم لكافة الاستراتيجيات الأمنية العربية وضمنها استراتيجية مكافحة الإرهاب. وتتميز هذه الجهود باعتمادها على المنهج العلمي الرصين عبر البرامج العلمية؛ البحثية والأكاديمية والتدريبية، التي تنفذها جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية في سياق تنفيذ الاستراتيجيات والخطط الأمنية العربية، فضلاً عن اضطلاعها بالجانب العلمي في بناء هذه الاستراتيجيات والخطط.
وتحقيقًا لرسالته المتمثلة في إرساء الأمن العربي بمفهومه الشامل اتخذ المجلس خطوات مهمة على صعيد مكافحة الإرهاب، وكانت جهوده سباقة على الجهود العالمية، وفق ما أكده المغفور له بإذن الله الأمير نايف بن عبد العزيز في خطاب افتتاح الدورة 25 للمجلس: ".. كان التعاون الدولي غاية.. وبهذا المفهوم أبرم مجلس وزراء الداخلية العرب اتفاقية مكافحة الإرهاب وكان ذلك قبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001م، التي تعالت الأصوات حينها مرددة ما سبق وأن دعونا إليه من تعاون دولي صادق لمواجهة الإرهاب أيا كان نوعه أو مصدره".
ففي الدورة 15 عام 1998م، أقر المجلس الاتفاقية العربية لمكافحة الإرهاب، ثم اعتمدت في اجتماع مشترك لمجلسي وزراء الداخلية والعدل العرب. وعلى خلاف الموقف الدولي اجتمع العرب على تعريف الإرهاب في المادة الأولى من الاتفاقية: "الإرهاب هو كل فعل من أفعال العنف أو التهديد به أيا كانت بواعثه أو أغراضه يقع تنفيذًا لمشروع إجرامي فردي أو جماعي ويهدف إلى إلقاء الرعب بين الناس أو ترويعهم بإيذائهم أو تعريض حياتهم أو حريتهم أو أنفسهم للخطر أو إلحاق الضرر بالبيئة أو بأحد المرافق أو الأملاك العامة أو الخاصة أو باحتلالها أو الاستيلاء عليها أو تعريض أحد الموارد الوطنية للخطر". وقررت قمة بيروت العربية عام 2002م، تعديل تعريف الجريمة الإرهابية لتساير توصيات منظمة فاتف بتجريم تمويل الإرهاب، فاعتبرتها: "أي جريمة أو شروع فيها ترتكب تنفيذًا لغرض إرهابي في أي دولة متعاقدة، أو على ممتلكاتها أو مصالحها أو رعاياها أو ممتلكاتهم يعاقب عليها قانونها الداخلي، وكذلك التحريض على الجرائم الإرهابية أو الترويج لها أو تحبيذها، وطبع ونشر أو حيازة محررات أو مطبوعات أو تسجيلات أيا كان نوعها إذا كانت معدة للتوزيع أو لاطلاع الغير عليها وكانت تتضمن ترويجًا أو تحبيذًا لتلك الجرائم ويعد جريمة إرهابية، تقديم أو جمع الأموال أيا كان نوعها لتمويل الجرائم الإرهابية مع العلم بذلك".
وجدير بالذكر أن الاتفاقية استثنت حالات الكفاح المسلح من الجريمة الإرهابية حيث ورد في الفقرة (أ) من المادة الثانية ما يلي: "لا تعد جريمة حالات الكفاح بمختلف الوسائل، بما في ذلك الكفاح المسلح ضد الاحتلال الأجنبي والعدوان من أجل التحرر وتقرير المصير".
وكان المجلس قد أصدر في الدورة 13 عام 1996م، مدونة سلوك طوعية لمكافحة الإرهاب؛ عبرت فيها الدول العربية عن قلقها العميق من الجرائم الإرهابية وضرورة مكافحتها والتمييز بينها وبين المقاومة المشروعة للاحتلال الأجنبي. وأقر المجلس في الدورة 14 عام 1997م، الاستراتيجية العربية لمكافحة الإرهاب وتضمنت الدفاع عن الصورة الحقيقية للعروبة والإسلام والحفاظ على أمن واستقرار الوطن العربي ودعم أسس الشرعية وسيادة القانون والنظام وتعزيز التعاون العربي ــ العربي والعربي الدولي، واتخاذ تدابير وقائية وتحديث التشريعات وتحديث أجهزة الأمن واعتماد المنهج العلمي وتشجيع عقد اتفاقيات ثنائية، وتنفيذًا لها حرص المجلس كذلك على تنظيم اجتماع سنوي للمسؤولين عن مكافحة الإرهاب في الدول العربية، كما قام المجلس بإنجازات جبارة في ميدان مكافحة الإرهاب، لعل أهمها:
 القائمة السوداء العربية لمنفذي ومدبري وممولي الأعمال الإرهابية 1999م.
 الخطة الإعلامية العربية النموذجية الشاملة لتوعية المواطن العربي ضد أخطار الإرهاب وتحصينه بالقيم الروحية والخلقية والتربوية.
 القانون العربي النموذجي الاسترشادي لمكافحة غسل الأموال 2003م.
 قانون الإمارات العربي الاسترشادي لمكافحة جرائم تقنية أنظمة المعلومات وما في حكمها 2004م.
 الاتفاقية العربية لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب 2010م.
 الاتفاقية العربية لمكافحة جرائم تقنية المعلومات 2010م.
 الاستراتيجية العربية للأمن الفكري 2013م.
 الاستراتيجية العربية لمكافحة جرائم تقنية المعلومات 2014م.
 الاستراتيجية العربية الاسترشادية لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب 2014م.
 الخطة العربية النموذجية لتطوير أداء الأجهزة الأمنية في ظل المتغيرات العربية والدولية 2015م.
 قاعدة البيانات الخاصة بالمقاتلين الأجانب 2016م.
 الاستراتيجية العربية لمكافحة الانتشار غير المشروع للسلاح في المنطقة العربية 2016م.
 18 مؤتمرًا عربيًا للمسؤولين عن أجهزة مكافحة الإرهاب في الدول العربية.
وإضافة إلى إسهامها الفاعل في تلك الجهود العربية؛ بلورت دول مجلس التعاون العديد من الاستراتيجيات والاتفاقيات الأمنية الخاصة بها ومنها: الاتفاقية الأمنية الشاملة عام 1987م، واتفاقية الدفاع المشترك عام 2000م، والاستراتيجية الأمنية لمكافحة التطرف المصحوب بالإرهاب عام 2002م، واتفاقية التعاون لمكافحة الإرهاب عام 2006م. وقامت دول المجلس بإنشاء جهاز شرطي لجمع المعلومات بالأساليب العلمية وتحليها وتقييمها، ودراسة الحوادث الإرهابية واستخلاص الدروس المستفادة منها، ويعتمد الجهاز على وحدة للتدخل والمداهمة مكونة من عنصر بشري يتسم بكفاءة قتالية. وتسعى دول المجلس لتطوير الأنظمة المتصلة بالكشف عن حركة الأسلحة والذخائر والمتفجرات ومراقبتها خاصة عبر الجمارك والحدود، كما تلتزم بتطوير وتعزيز إجراءات المراقبة وتأمين الحدود والمنافذ الشرعية لمنع حالات التسلل أو الدخول بوثائق مزورة، وبإنشاء قاعدة للبيانات الخاصة بالإرهاب والإرهابيين وتحديث هذه القاعدة باستمرار.

تحديات مواجهة الإرهاب

إن التحديات الإرهابية التي يشهدها الوطن العربي تتطلب تضافر الجهود العربية في مواجهتها، وقد نجح مجلس وزراء الداخلية العرب في بلورة العديد من السياسات والاستراتيجيات والاتفاقيات والخطط والقوانين النموذجية التي ساعدت في مواجهة الظاهرة الإرهابية، لكن هناك قرارات وتوصيات تتطلب التضافر والتعاون لتنفيذها. ولقد أكد المجلس نفسه أن وظيفة مكافحة الإرهاب غير قاصرة على الأجهزة الأمنية فقط، بل إن المؤسسات الحكومية وغير الحكومية وحتى القطاع الخاص مسؤولين جميعًا عن مكافحة الإرهاب انطلاقًا من نظرية الأمن بمفهومه الشامل التي ارستها جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية. ويُعد القضاء على الفساد والبطالة، والأزمات الداخلية إحدى أدوات محاربة الإرهاب. وعلى المستويين السياسي والاقتصادي يلاحظ وجود ارتباط بين انتشار الإرهاب في المنطقة وتدهور مؤشرات التنمية كافة.
وقد أظهرت نتائج دراسة علمية في جامعة جورج تاون حول الكيفية التي انتهت فيها المجموعات الإرهابية ومن خلال دراسة 648 جماعة إرهابية كانت موجودة بين عامي 1968م وعام 2006م ، وانتهت لسببين رئيسيين: وجود أعضاء ضمن المجموعة قررت اعتماد اللاعنف والانضمام إلى العملية السياسية (43%)، أو أن الأجهزة الأمية اعتقلت أو قتلت أعضاء بارزين في الجماعة (40%)، ونادرًا ما كانت القوة العسكرية السبب الرئيسي في إنهاء وجود الجماعات الإرهابية بنسبة (10%)، أما في مجال انتهاء الجماعات الدينية التي ترتبط بالإرهاب فإن 16% فقط انتهت بسبب القوة العسكرية، و 11% قد انتهت لأنه انخرط بعض أعضاء التنظيم في العملية السياسية، وكان استخدام الشرطة المحلية وأجهزة الاستخبارات إلى حد بعيد الأكثر فعالية وكانت مسؤولة عن نهاية أكثر من 73%من الجماعات منذ عام 1968م.
فعلى المستوى الأمني فهناك حاجة للتعاون والتنسيق بين الأجهزة المختصة في الدول العربية لتبادل المعلومات بشأن تحركات الجماعات الإرهابية وملاحقتها وضبطها. وكذلك الإسهام بدور فعال في تدريب وبناء الأجهزة الأمنية للدول التي تحتاج إلى ذلك ومنها: ليبيا واليمن، وذلك لمساعدتها على ضبط حدودها ومواجهة الجماعات المتطرفة. كما أن هناك حاجة لتعزيز التعاون بين الدول العربية في رصد الحركات الإرهابية التي تتخذ من شبكات التواصل الاجتماعي وسيلة أساسية لتعبئة الشباب للانضمام إليها، ومحاولة تتبع نشاط الأفراد المنضمين إليها.
وعلى المستوى الوقائي ينبغي الاهتمام بالجانب الفكري، والبعد الإنساني، والاستمرار في إعادة المضللين إلى جادة الصواب، ويعد مركز الأمير محمد بن نايف للمناصحة والرعاية من أهم النماذج التي ينبغي الاستفادة منها. هذا بالإضافة لأهمية التعرف على العوامل المؤثرة في تكوين شخصية الإرهابي من تفكك أسري وعوامل اجتماعية واقتصادية وشخصية، وتساهل مؤسسات الضبط الاجتماعي، والظروف الدولية المشحونة بالأزمات والتوترات. وتبدو الحاجة الماسة إلى اعتماد نهج الإصلاح والحوكمة، والعناية باحتواء الشباب وحل مشكلاتهم الاجتماعية والاقتصادية، وتحصين فكرهم. ومن الضرورة تطوير العمل الإعلامي وبلورة مواثيق أخلاقية والالتزام فيها، وخاصة الإعلام الفضائي والإلكتروني، وتحسين الصورة الأمنية لمواجهة حملات التشويه للأجهزة الأمنية. بالإضافة إلى إشراك المواطن ومؤسسات المجتمع المدني في مواجهة التطرف والانحراف الفكري.
إننا اليوم بحاجة إلى وعي المواطنين العرب بحجم المؤامرات الدولية والإقليمية التي تحاك ضد أمنهم واستقرارهم، وترسيخ قناعاتهم بأهمية الدولة العربية والدفاع عنها وتجنب الشائعات والفتن الطائفية. فمن اليمن إلى الكويت مرورًا بالبحرين يتناثر الإرهاب الإيراني الذي استوطن في سوريا والعراق ولبنان واليمن وفى الكثير من الدول العربية والإسلامية من خلال أذرعته الإرهابية التي تنثر عصاباتها في تلك الدول، وبالذات في دول الخليج العربي؛ إذ لم تسلم دولة خليجية عربية من إجرامها الإرهابي.
لقد أعادت عاصفة الحزم الروح والأمل للمواطن العربي الذي عاش سنوات اليأس والإحباط، وبحسب ما يرى الأستاذ الدكتور علي بن فايز الجحني بعثت هذه الوقفة الحازمة الكثير من الرسائل التي تستحق الوقوف عندها كثيرًا، ومنها أن على إيران الكف عن العبث في أمن الدول العربية، والرسالة الأخرى أن العالم يحترم الدول التي تمتلك القوة والرؤى والمواقف المتطابقة التي مثلتها عاصفة الحزم. فضلاً أن التلويح بالقوة أو استخدامها كلما كانت القضية تتطلب ذلك يخدم المصلحة العامة العليا في زمن لا يحترم إلا الأقوياء. والمقصودة بالقوة قوة الحق المسنود بالسيف وليس قوة السيف السالب للحق.
وأخيرًا إن الإسلام الحنيف الذي جاء ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، ومن العبودية إلى الحرية، بريء من هؤلاء المارقين الذين يستخدمونه لتحقيق مآربهم وأجنداتهم الشخصية والأجنبية، وإن دُعاة الفكر المنحرف الذين تحالفوا من كل حد وصوب لن يستطيعوا النيل من عزيمة الأمة وثوابتها، وينبغي على جميع القوى العالمية أن تعي جيدًا أن الإرهاب بحاجة لمعالجة جذوره الحقيقية.

كلمات دليلية

الشركات المعلنة