انت هنا: الرئيسية جميع المقالاتتقرير خاصالفرصة متاحة أمام السعودية لتأسيس علاقات قوية مع تركمانستان لإضعاف الدور الإيراني

الفرصة متاحة أمام السعودية لتأسيس علاقات قوية مع تركمانستان لإضعاف الدور الإيراني

انشأ بتاريخ: الثلاثاء، 08 تشرين1/أكتوير 2019

بينما يظل الشرق الأوسط أحد الشواغل الرئيسية لصناع السياسة الأمريكيين، لا يتم إيلاء الكثير من الاهتمام إلى آسيا الوسطى، وذلك على الرغم من الحرب الدائرة في أفغانستان. بيد أن ثمة إشارات بأن آسيا الوسطى سيكون لها أهمية متزايدة بالنسبة لصناع السياسة نظرًا لأن المنطقة آخذة في التشابك بشكل متزايد مع المشاحنات في الشرق الأوسط. ولعل روسيا وإيران هما أبرز البلاد المنخرطة في تلك العملية. وتتخطى القضايا الدائرة مجال الطاقة وبرامج البنية التحتية الرئيسية لتشمل أيضًا القضايا المستعصية كالعداوة بين السنة والشيعة؛ إذ من الممكن أن تؤدي الأخيرة إلى إشعال المزيد من العنف إلى ما هو أبعد من الشرق الأوسط بسبب هذه التوجهات. ومنذ أن وسعت الولايات المتحدة من مشاركتها في أفغانستان، عمل ذلك على ضرورة مراقبة صناع السياسة في أمريكا لتلك التوجهات عن كثب.

وعلى الرغم من التعاون الظاهر بين كل من طهران وموسكو في أفغانستان، كما هو حالهما في الشرق الأوسط ودعمهما لطالبان، فبالكاد تبدأ هذه الشراكة في استنفاذ الروابط الجديدة بين آسيا الوسطى والشرق الأوسط، فعلى سبيل المثال: نقضت طاجكستان عضوية إيران في منظمة شنغهاي للتعاون نظرًا للدعم الإيراني المقدم إلى حزب النهضة الإسلامي في طاجكستان، التي حظرته دوشانبي لاعتباره جماعة متطرفة عام 2015م. لكن وبعيدًا عن ذلك، فلقد ساعد الدعم السعودي لطاجكستان بشكل واضح على إثارة الشكوك الطاجكية إزاء دعم إيران للأحزاب الإسلامية الدينية. ولهذا تسعى إيران الآن إلى تهدئة طاجكستان وكسب الانضمام الكامل إلى منظمة شنغهاي للتعاون. وبعيدًا عن ذلك، تعمل الشراكة بين موسكو وطهران على توطيد نفسها في حوض بحر قزوين، إذ تسعى كلتا الدولتين إلى عقد صفقات كبرى مع طاجكستان على صعيدي البنى التحتية والطاقة، من خلال ربط كل هذه الصفقات ببعضها البعض، كما يبدو أنهما على وشك إتمام صفقة ترسيم حوض بحر قزوين، التي من شأنها جعله تحت حكم مشترك بين روسيا وإيران. وتشهد العلاقات الإيرانية-الأذربيجانية التي كانت متضاربة في السابق تحسنًا ملحوظًا، كما هو الحال بالنسبة للعلاقات الروسية-الأذربيجانية.

وبالنظر إلى العمل الروسي-الإيراني المشترك في كل من أفغانستان والقوقاز، فمن الطبيعي أن يكون خصوم إيران في حالة تأهب، فعلى سبيل المثال: من الضروري أن تحاول المملكة العربية السعودية الاستفادة من انهيار العلاقات الإيرانية مع تركمنستان في وقت سابق ويجب على المملكة أن تسعى لذلك، حيث أدت الأزمة بين إيران وتركمانستان إلى توقف إمدادات الغاز التركمانية إلى إيران. والمملكة العربية السعودية اليوم هي المستثمر الأكبر في صناعة غاز تركمانستان وذلك عقب طلب عشق أباد من الرياض الاستثمار في خطوط أنابيب (تركمانستان وأفغانستان وباكستان والهند). ومن المرجح هنا أيضًا أن توسع الاستثمارات السعودية من تنافسها مع إيران وصولاً إلى جنوب آسيا، نظرًا للمشاركة الهندية-الإيرانية في إنشاء ميناء شاه بهار والبنى التحتية المحيطة. كما دخلت موسكو كذلك في محادثات مع تركمانستان، حيث استأنفت نقاشاتها مع عشق أباد من أجل بيع الغاز التركماني لأوروبا. وفي حال أدت تلك المفاوضات إلى اتفاق، فعندئذ ستستعيد موسكو ما خسرته عام 2009م، كما ستعزز من سيطرتها على طاقة بحر قزوين إلى جانب التأثير على إيران.

آثار ذلك على موقف الولايات المتحدة

وفي هذه الأحيان لن يسبب الضغط والتهديدات من جانب الولايات المتحدة إزعاجًا كبيرًا لإيران كونها تعمل مع شركائها الجدد، فطالما بقي حلفاؤنا غير منقادين بصورة كبيرة نحو اتباع سياسة إدارة ترامب تجاه إيران، فمن شأن تلك المكائد بقيادة كل من طهران وموسكو أن تضعف من مواقف السياسة الأمريكية في آسيا الوسطى. إن الحماس الذي تمضي به كل من روسيا وإيران من أجل توطيد وتوسيع شراكاتهما-ما لم يكن تحالف عمل-وراء الشرق الأوسط، يُظهر تقييمهما لأهمية القوقاز إلى جانب آسيا الوسطى وجنوب آسيا فيما يتعلق بالجغرافيا الاقتصادية والجغرافيا السياسية على حد سواء. فعلى الجانب الاقتصادي، تعتبر هذه المناطق الآن من بين الأهداف الرئيسية للتنافس الدولي من أجل إنشاء مشاريع البنية التحتية الرئيسية في كل من النقل والاتصالات والطاقة (مثال: مبادرة الحزام والطريق الصينية، والممر الشمالي الجنوبي المتوقع الذي سيربط بين روسيا وإيران والهند). ومن الواضح أن القوى القارية الرئيسية تسعى لسبب استراتيجي واقتصادي على حد سواء من أجل الاضطلاع بهذه المشاريع العملاقة التي من شأنها أن تفتح المناطق الداخلية من آسيا على الاتصالات والبنى التحتية الحديثة، وفي نفس الوقت من أجل التخلص من مشكلات الطاقة طويلة الأمد في مناطق مثل جنوب آسيا.

وعلى الجانب الاستراتيجي، تسمح تلك المشكلات للعناصر القارية، مثل: روسيا وإيران والصين بتوسيع حضورهم وصورتهم الاستراتيجية عبر آسيا، وبالتالي، تقويض السياسة الأمريكية من أجل عزلها وتهميشها. وبمساعدة روسيا، تعمل إيران على توسيع نفوذها عبر الشرق الأوسط. وعلى الرغم من أن هذا التوسع يخلق تنافسًا مع المملكة العربية السعودية والذي امتد الآن إلى آسيا الوسطى، يبدو جليًا أن هذا التوسع يعمل على إزالة مناطق التوترـ مثل أذربيجان، كما سيحاول بلا شك استعادة الحلول المؤقتة مع طاجكستان وتركمانستان. وينبغي ألا نتعجب إذا لعبت موسكو دورًا في مثل هذه الاستعادة، حيث أن هاتين الدولتين تقفان بالفعل على حافة انقلابات إقليمية رئيسية، وترسيم بحر قزوين على طول حدودهما المفضلة، وعلاقات قوية مع أذربيجان، واستعادة محتملة للدور الروسي السابق في ضمان تصدير الغاز التركماني إلى أوروبا. وبعيدًا عن ذلك، تتعاون هاتان الحكومتان في أفغانستان من أجل تقويض السياسة الأمريكية وضمان حضور طالبان في أي حكومة مرتقبة، كما تسمح هذه السياسة بتعاون روسي وتعاون إيراني محتمل بحيث يكون موسعًا مع باكستان. ولهذا تفرض العوامل الاستراتيجية والاقتصادية سياسات وتحالفات مشابهة ضد واشنطن.

التغيرات المطلوبة في استجابة واشنطن

تستحق هذه التطورات اهتمامًا أكبر من واشنطن إذ أنها تبينعلى الأرجح فشل سياساتنا المعادية لإيران في الشرق الأوسط. وتمتلك إيران الآن البدائل للولايات المتحدة، والذين بدورهم يشعرون بسعادة كبيرة بإبرام الصفقات مع طهران وسد احتياجاتهم الخاصة. إضافة إلى ذلك، ونظرًا لغياب سياسة أمريكية متسقة بخصوص كل من آسيا الوسطى والقوقاز، وهي الحالة التي امتدت لحوالي عقد من الزمان، لم يكن أمام الدول الصغيرة في تلك البقعة خيارات كثيرة غير اللجوء إلى مواكبة إيران والاستفادة من الفرص الاقتصادية المحتملة في مجالات مثل: الطاقة والبنية التحتية.

وتشير هذه التداعيات إلى أنه لن يكون من الكافي عرض سياسة دبلوماسية خالصة أو سياسة ذات أساس عسكري من أجل مجابهة هذه التحديات في تلك المناطق، ذلك على الرغم من حتمية لعب هذه الأدوات دورًا مهمًا في السياسة الغربية والأمريكية. ففي أفغانستان على سبيل المثال، لن يكون كافيًا على الأرجح إرسال المزيد من القوات، والقيام بالعمليات العسكرية المركزة والقوية مع القوات المسلحة الأفغانية المطورة المأمولة، والمساعدة على تحسين حكم الدولة الأفغانية. فمن أجل التغلب على التعاون الروسي-الإيراني، سنحتاج إلى أدوات دبلوماسية واقتصادية بهدف زيادة الحضور الأمريكي في آسيا الوسطى، وهو ما تأمله حكومات هذه المنطقة.

ومن المؤكد أن هناك بعض العلامات -وإن جاءت متعثرة ومتقطعة -التي تدل على بدء واشنطن بمعالجة القضايا الأمنية في القوقاز وآسيا الوسطى، حيث تحدث مسؤولون أمريكيون رفيعو المستوى بشكل إيجابي عن تصادف المواقف الأمريكية مع إصلاحات الحكومة الأوزبكية الجديدة والبحث عن الاستثمارات الأمريكية. ويشير ذلك إلى القابلية المحتملة للإصلاحات الأوزبكية التي تعد سياسة مرغوبة في حد ذاتها، وسياسة من شأنها فتح الآفاق أمام المزيد من التعاون الإقليمي بين دول آسيا الوسطى بخلاف موسكو وبكين وطهران. ولقد تم الآن تقديم مقترحات الشكل الأخير من التعاون من قبل كل من كازاخستان وأوزباكستان، وتستحق هذه المقترحات الدراسة والتشكيل بصورة إيجابية إلى جانب تواجد النفوذ الأمريكي المناسب.

ولهذا، فمن الضروري زيادة تركيز سياسة الولايات المتحدة من أجل النظر إلى آسيا الوسطى في حد ذاتها، وليس لمجرد كونها منطقة قريبة من منطقة أكثر إشكالية، مثل: أفغانستان والصين وإيران وروسيا. ويعني ذلك أيضًا إيلاء المزيد من الاهتمام للعثور على طرق لحكومات آسيا الوسطى من أجل تنويع عملائها في الأعمال التجارية المتعلقة بالطاقة بهدف منع روسيا من احتكار هذه الأداة واستخدامها للإبقاء على هذه الدول في علاقة شبه استعمارية معها.

وفي جنوب القوقاز، بدأت واشنطن في تحسين مساعدتها العسكرية المقدمة إلى تبليسي كما وافقت على تحويل صواريخ "جافلين" المضادة للدبابات إلى جورجيا، الأمر الذي يبين تعزيز الالتزام نحو شعب جورجيا ضد التعديات الروسية التي أعقبت إدارة أوباما. وربما يدل هذا القرار، إلى جانب الدعم المقدم إلى أوزباكستان، على إعادة تقييم الأهمية المتزايدة للقوقاز وآسيا الوسطى بالنسبة للولايات المتحدة، ولا سيما أن الروابط بين هذه المناطق والشرق الأوسط باتت ذات أهمية متزايدة.

ولقد شاهدنا بالفعل كيف أن هذه المناطق مرتبطة بأوروبا، لا سيما بفضل أمن الطاقة، وكذلك بآسيا. لكن المسائل تتجاوز أمن الطاقة، حيث تشمل هذه المسائل: الانقسام بين السنة والشيعة، ودعم الإرهاب في أفغانستان وفي الشرق الأوسط، والجغرافيا السياسية الكبيرة لأبرز القوى في آسيا، والتي تشمل: التعاون الروسي-الإيراني والتعاون الروسي-الصيني. وفي ظل هذه الظروف، فإن تجاهل الروابط بين الشرق الأوسط وتلك المناطق لا يمكن اعتباره ضئيلاً بأي حال من الأحوال. ولقد أدركت حكومات أخرى هذا الأمر، وينبغي لواشنطن الاستجابة من هذا المنطلق.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كبير باحثين بمجلس السياسة الخارجية الأمريكي ـ كاتب للمقالات المتعلقة بالسياسة الخارجية، والتقارير الحكومية ترتكز على الجغرافيا السياسية والجغرافيا الاستراتيجية للاتحاد السوفيتي السابق وروسيا والمنطقة الأوروبية الآسيوية. عضو سابق في ماك آرثر الكلية بالعسكرية الأمريكية.

كلمات دليلية

الشركات المعلنة