انت هنا: الرئيسية جميع المقالاتتقرير خاصالبحـث العلمـي في ميزان العلاقات الدولية: دبلوماسـية العلـوم للتطوير العلمي

البحـث العلمـي في ميزان العلاقات الدولية: دبلوماسـية العلـوم للتطوير العلمي

انشأ بتاريخ: الخميس، 11 تموز/يوليو 2019

تعد السياسة الخارجية واحدة من أهم الأدوات التي تستخدمها الدول المختلفة لتحقيق وخدمة مصالحها الوطنية ومع التطور العلمي والتكنولوجي أضحت الأبعاد المرتبطة بالبحث العلمي جانبًا مهمًا من مكونات السياسة الخارجية للدول سواء فيما يتعلق بالأهداف التي تسعى السياسة الخارجية لتحقيقها أو الأدوات التي تستخدمها في هذا السياق، ومن ثم أصبح التعاون الدولي في المجالات العلمية والبحث العلمي ملمحًا رئيسًا من ملامح العلاقات التعاونية فيما بين الدول سواء في السياقات الثنائية أو الإقليمية أو الدولية. في هذا السياق شهد المجتمع الدولي بزوغًا متسارعًا لمصطلح الدبلوماسية العلمية أو دبلوماسية العلوم الذي غالبًا ما يستخدم للإشارة إلى توظيف التعاون العلمي بين الدول لمعالجة المشكلات المشتركة، وإن كانت للمفهوم أبعاد وجوانب أخرى.

وعلى مستوى الدول العربية يمكن رصد مجموعة واسعة من التحديات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والأمنية التي يمكن القول إن التعاون الدولي في المجال العلمي خاصة البحث العلمي يمكن أن يشكل أداة فعالة في التغلب عليها. ومع الاعتراف بأن العلم وحده ربما يكون غير قادر على إيجاد حلول لهذه التحديات، بيد أن دبلوماسية العلوم تلعب دورًا مهمًا فى مواجهة التحديات الصحية والبيئية والطاقة والمياه والغذاء، هو ما يسهم فى دعم الاستقرار الداخلي لتلك الدول فضلاً عن الاستقرار الإقليمي.

"دبلوماسية العلوم":

تعريف المفهوم وأبرز المحطات الدولية

اُبتكر مصطلح "دبلوماسية العلوم" مع ظهور أول كتاب في هذا المجال من مؤتمر معاهدة القطب الجنوبي 2009م، ويشير التعريف الشائع أو بالأحرى المتداول له إلى استخدام التعاون العلمي بين الدول لمعالجة المشاكل المشتركة التي تواجه البشرية في القرن الواحد والعشرين وذلك عبر إقامة شركات دولية بناءة. هذا التعريف تبنته الجمعية الملكية البريطانية في التقرير الذي أصدرته في عام 2010م، تحت عنوان "حدود جديدة لدبلوماسية العلوم"، وتحدث التقرير عن أبعاد ثلاثة لمفهوم دبلوماسية العلوم، هي:

  • العلم في الدبلوماسية، بمعنى تقدبم المشورة العلمية لخدمة أهداف السياسة الخارجية.
  • الدبلوماسية من أجل العلم، يقصد بها تسهيل التعاون العلمي الدولي باستخدام الوسائل الدلوماسية.
  • العلم من أجل الدبلوماسية، استخدام العلم في تعزيز العلاقات بين الدول.

ومع الاعتراف الكامل بأن الهدف الأسمى لدبلوماسية العلوم كأحد أدوات السياسة الخارجية هو تعزيز المصالح القومية لدولة ما أو المصالح المشتركة بين الدول. تتبدى أهمية هذا النوع من الدبلوماسية في عدد من الجوانب، لعل أبرزها:[1]

  • الإسهام في إيجاد حلول للتحديات الملحة للعولمة مثل التغيير المناخي والأوبئة والكوارث الطبيعية والمشاكل النووية والأمن الإلكتروني بالاعتماد على المعرفة العلمية والتكنولوجيا المتجددة.
  • تحقيق التنمية المستدامة للدول على المدى البعيد، فضلاً عن تطوير حلول جذرية لتحسين الأمن الغذائي وتنقية وتعبئة المياه وصحة وسلامة المجتمع وانعدام ونقص الطاقة إلى آخره.
  • تعزيز التعاون والانسجام في العلاقات الدولية، إذ تتيح فرص عمل بشكل تضامني بين مختلف الدول في إطار مشاريع كبيرة أو المشاركة في البنى التحتية الكبيرة للبحوث، من جهة أخرى فان التعاون العلمي يستخدم بمثابة قناة اتصال عندما تكون العلاقات الدبلوماسية معطلة.
  • تمثل دبلوماسية العلوم لغة مشتركة وغير سياسية، تجمع الحلفاء والخصوم معًا لمعالجة التحديات العابرة للحدود مثل المناخ، والأمراض والأوبئة والتجارة الدولية والتي ليس بمقدور دولة أن تعالجها بمفردها. 

وتشير الممارسات الفعلية على أرض الواقع إلى أن غالبية دول العالم استخدمت آليات دبلوماسية العلوم بشكل جلي قبل صك المفهوم وبروزه على الساحة السياسية بسنوات كثيرة، فعلى سبيل المثال عيّنت سويسرا اوّل ملحق علمي لها بإحدى سفاراتها في الخارج في سنة 1958م، وكانت مهمة هذا الملحق تنحصر في التعرف بدقة على التقدم العلمي في البلد المضيف، وجمع المعلومات حول برامجها في مجال التسلح، ومع منتصف الثمانينات من القرن الماضي انحسرت أهمية الدور الذي يقوم به الملحق العلمي، خاصة مع انتهاء الحرب الباردة، وتحوّل انخراط سويسرا في مسيرة الاندماج الأوروبي، من ساحة للتنافس إلى مجال للتعاون بين الجامعات والمراكز البحثية. في المقابل تضاعف اهتمام القطاع الخاص بهؤلاء الملحقين والمستشارين، وأعطيت الأولوية للعلوم التطبيقية بدلاً من الاهتمام بالعلوم النظرية. ومن ثم بدأ الحديث منذ منتصف الثمانينات عن "المبعوث الصناعي والتكنولوجي"، وأصبح هؤلاء يتبعون وزارة الإقتصاد بدلا من وزارة الخارجية،كما أصبح هذا القطاع ينزع إلى المأسسة، وبدلا من الأفراد بدأ الحديث عن شبكات ومؤسسات، وفرق عمل مشتركة. [2]

كما يبرز اهتمام الدول المتقدمة بدبلوماسية العلوم عبر العديد من الملامح، فعلى سبيل المثال استثمرت ألمانيا عبر وزارة خارجيتها جهودًا كثيرة في التعاون الدولي في مجال التعليم والعلم، فعلى سبيل المثال منذ عام 2009م، تتبنى ألمانيا ما يطلق عليه بيوت العلم في بلدان أخرى وهي مكرسة للتعريف بالابتكار والعلم الألماني. ويوجد في وزارة التعليم والعلم الألمانية قسمًا خاصًا مكرسًا لعولمة العلم منذ عام 2008م، وقد استثمرت الوزارة بين عامي 2009 و2013م، ما يقارب 3.400 مليار يورو في مشاريع البحوث الدولية، وتعد الوكالة الألمانية للتبادل الأكاديمي أكبر السفراء في مادة العلم إذ تقدم منح لما يقارب 120000 شخص وباحث في كل العالم. في السياق الأوروبي أيضًا يوجد في الهيكلية الحالية لوزارة الخارجية والتعاون في إسبانيا قسمًا للعلاقات الثقافية والعلمية تابعًا للوكالة الإسبانية للتعاون الإنمائي الدولي، والذي أنيطت إليه مسؤولية متابعة العلاقات والاتفاقيات الدولية ذات الصلة في المجال العلمي وتعزيز وتطوير العلاقات العلمية مع الدول الأخرى وبالتنسيق مع وزارة الدولة للبحوث والتطوير والابتكار.

فيما يشكل التعاون العلمي والتكنولوجي جانبًا أساسيا في السياسة الخارجية للولايات المتحدة، حيث إن وزارة الخارجية الأمريكية لديها مستشارًا علميًا يُعين من قبل وزير الخارجية، وبذلك تكون أمريكا واحدة من أربع دول في العالم تتميز بهذه الميزة. أما اليابان فقد حددت محاور سياستها العلمية استنادًا إلى وثيقة وضعت من قبل مجموعة من الخبراء في مجال الدبلوماسية العلمية في مايو 2015م، وتضمنت الوثيقة 15 عنوانًا وخطًا عريضًا لتطوير الدبلوماسية العلمية.[3]

ومن اللافت للنظر إن آليات دبلوماسية العلوم ظهرت أيضًا في العلاقات بين قطبي السياسة الدولية خلال فترة الحرب الباردة على الرغم من التوتر السياسي والأمني الذي صبغ العلاقة بينهما لسنوات عديدة، فمنذ خمسينات القرن الماضي، تتعاون الولايات المتحدة وروسيا باستمرار في أربع مجالات دولية محددة (أعالي البحار، والقارة القطبية الجنوبية، والفضاء الخارجي والبحار العميقة)، وعلى سبيل المثال، تتعاونان حول معاهدة القطب الشمالي لعام 1959م، التي تحفظ القارة للأغراض السلمية، باعتبار تلك المعاهدة أول اتفاقية للأسلحة النووية، التي يشكل فيها البحث العلمي أساس التعاون الدولي. وبالمثل، أدّى التعاون بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، حول مشروع اختبار «أبوللو-سيوز» عام 1975م، إلى تصميم نظام للرسوّ، ممّا أوجد جسراً مادياً للعمليات اللاحقة والتجارب المشتركة التي نرى أمثلتها في محطة الفضاء الدولية اليوم. ومنذ عام 2009م، وعلى الرغم من التوترات الدبلوماسية المستمرة، اشتركت الولايات المتحدة وروسيا في رئاسة ثلاث فرق عمل تحت إشراف «مجلس القطب الشمالي»، وهو المنتدى الحكومي الدولي للمنطقة، المعني بالتنمية المستدامة وحماية البيئة. وقد أدت بنجاح إلى ثلاث اتفاقيات قانونية ملزمة بين الدول الثماني ذات العلاقة بالقطب الشمالي: كندا، الدنمارك، فنلندا، آيسلندا، النرويج والسويد، إلى جانب روسيا والولايات المتحدة.  أما أحدث الاتفاقيات في هذا السياق فهي اتفاقية دخلت حيّز التنفيذ في مايو 2018م، لتعزيز التعاون العلمي الدولي في منطقة القطب الشمالي. وهي تعكس تفاهمًا بين هذه الدول: فالتعاون العلمي الدولي ضروري للسعي إلى حلول مستدامة، تتجاوز المصالح الوطنية للحفاظ على السلام، والاستقرار والتعاون البناء في منطقة القطب الشمالي. وفي وقائع مشابهة برزت نجاحات دبلوماسية العلومفي أعقاب تخفيف حدة العلاقات بين الولايات المتحدة وكوبا في ديسمبر 2014، حيث بدأ العلماء من البلدين التعاون في أبحاث السرطان. [4]

إجمالا، يمكن القول بقدر كبير من الثقة إن دبلوماسية العلوم ساعدت المجتمع الدولي على بناء أرضية مشتركة بين أفراده، وإدارة مجالات دولية عدة بطريقة سلمية، بالإضافة إلى تحقيق اختراقات تكنولوجية ذات طابع عالمي، من الرعاية الصحية إلى الثورة الرقمية والتلوث البيئي وتغير المناخ والأمن والهجرة والطاقة وأمن محطات الطاقة النووية وغيرها من الأمور ذات السياق المشترك.

 

قراءة في واقع التعاون الدولي في مجال البحث العلمي

في العالم العربي

يثمن المعنيون بشؤون المنطقة العربية أهمية التعاون في مجال البحث العلمي بين الدول العربية بما يعزز العلاقات الدبلوماسية بين هذه الدول وبعضها البعض من ناحية، وبينها وبين غيرهم من الفاعلين الدوليين سواء من دول الجوار أو الفاعلين الدوليين على نحو يسمح لتلك الدول ببناء قاعدة من الخبرات والموارد العلمية المشتركة لدمج العلم فى صنع القرار الإقليمى لمعالجة الأزمات. وفي حقيقة الأمر يمكن التمييز بين مستويين من مستويات التعاون الدولي في مجال البحث العلمي على مستوى الدول العربية في إطار ما يعرف بدبلوماسية العلوم.

-          المستوى الأول: يعني بالتعاون البيني (العربي-العربي) في مجال البحث العلمي:

إذ يرى كثيرون أن العالم العربي لم يكن بعيدًا عن دبلوماسية العلوم، ورغم أن هذا النوع من الدبلوماسية لم يصبح ممارسة قياسية في الدول العربية بعد، إلا أن هناك علامات بارزة تجدر الإشارة إليها في معرض التعاون العربي العربي في مجال البحث العلمي، ومن الأمثلة البارزة للدبلوماسية العلمية التى تشمل المنطقة جمعية الشراكة بين الأكاديميات (ايى ايه بى) وهى شبكة دولية من أكاديميات العلوم الوطنية التى تضم مصر والمغرب والسودان والأردن، وتهدف إلى بناء القدرات فى العلوم وتقديم الأدلة العلمية لدعم قرارات صانعى السياسات الوطنية والدولية، وتشمل الأمثلة الأخرى شبكة الصحة العامة لشرق المتوسط التى تربط العاملين فى مجال الصحة العامة فى 7 دول عربية وتقدم تدريبًا لمكافحة الأوبئة، ومركز أبحاث تحلية المياه فى الشرق الأوسط، الذى يدعم الأبحاث والتدريب حول تحلية المياه والقضايا المتعلقة بالمياه. [5]

وهناك كذلك مشروع ’سيزامي‘، الذي انطلق رسميًّا في عام 2002م، تحت رعاية منظمة اليونسكو، ويسعى لإنتاج أشعة السنكروترون التي يمكن استخدامها في تطبيقات مختلفة تخدم حقول الطبّ والطاقة والبيئة وغيرها.

كما عقدت بعض الدول العربية فعاليات علمية لدعم البحث العلمي على المستوى الإقليمي، مثل ما شهدته العاصمة الأردنية عمان من تنظيم المنتدى الإقليمي لدبلوماسية العلوم والتكنولوجيا تحت عنوان: "نحو شراكة تحويلية وشاملة من أجل مستقبل مستدام"، استضافته الجمعية العلمية الملكية الأردنية بالشراكة مع لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا في ديسمبر 2015م.[6]

وهناك كذلك برامج مثل برنامج «نجوم العلوم» القطرى لتشجيع العلماء العرب من الشباب ورجال الأعمال العرب، مما يدفع الآلاف إلى الاهتمام بالقدرات غير المحدودة للعلوم والتكنولوجيا.

-          المستوى الثاني، التعاون العربي مع العالم في مجال البحث العلمي

وفي إطار هذا المستوى تبرز أدوار مؤسسات أكاديمية مثل الجامعة المصرية ــ اليابانية للعلوم والتكنولوجيا في مصر، والجامعة الأردنية ــ الألمانية في الأردن ما يمنح لاتفاقيات التعاون البحثي والتبادل للطلاب وأعضاء هيئة التدريس والباحثين بين الجامعات ومراكز الأبحاث العربية ومثيلاتها الأجنبية. [7]

وفي مصر ، تبرز أنشطة التبادل العلمي والثقافي لأكاديمية البحث العلمي على نحو لافت خلال السنوات الماضية، والتي شملت دوائر عدة منها آسيا مع تبلور عدد من المنح والبرامج التعليمية المشتركة بالتعاون مع المركز الدولى للهندسة الوراثية والتكنولوجيا الحيوية، من برامج المنح الدولية بالتعاون مع وزارة العلوم والتكنولوجيا بالصين (International Fellowship Program(IFP.ومنها كذلك القارة الأفريقية، حيث أطلقت الأكاديمية البحث العلمي برنامج Intra- Africa Academic Mobility Call for 2019، المعنى بمؤسسات التعليم العالى فى أفريقيا، في إطار تعاونها مع الاتحاد الأفريقى بهدف تعزيز تنمية رأس المال البشرى فى أفريقيا.

أما على مستوى التعاون مع أوروبا فتتعدد مشروعات التعاةن العلمي بين مصر والدول الاوروبية حيث ترعى الأكاديمية مشاريع الطاقة الجديدة والمتجددة منذ عام 2009م، بالتعاون مع الجهات المانحة من الاتحاد الأوروبى وغيرها كما أنشأت الأكاديمية المركز الإقليمى للبحوث والتطوير فى مجال الطاقة الجديدة والمتجددة، وهو الأول من نوعه فى جنوب المتوسط ويشمل محطات بحوث وتطوير لمراكز الطاقة الشمسية وتحلية المياه ببرج العرب وبلبيس، والمعمل المصرى الصينى للخلايا الفوتوفولطية بجزيرة قرمان بسوهاج، ويسعى المركز حاليا ليكون أحد الكيانات المؤسسة لأكاديمية البحر المتوسط للطاقة ومقرها إيطاليا. [8]

على المسار الأوروبي أيضًا تجدر الإشارة إلى أنه في أكتوبر 2017م، اتخذ الاتحاد الأوروبي ومصر خطوة نحو تعزيز تعاونهما في مجال البحث والابتكار، حيث وقع الجانبان اتفاقية للتعاون العلمي والتكنولوجي تضع الشروط والأحكام لمشاركة مصر في "الشراكة للبحث والابتكار بمنطقة المتوسط (بريما). وتهدف مبادرة "بريما" إلى تطوير حلول مبتكرة لاستدامة المياه وأنظمة الزراعة الغذائية. وتتألف الشراكة حاليًا من 19 دولة مشاركة تضم: الجزائر، وكرواتيا، وقبرص، ومصر، وفرنسا، وألمانيا، واليونان، وإسرائيل، وإيطاليا، والأردن، ولبنان، ولوكسمبورج، ومالطا، والمغرب، والبرتغال، وسلوفينيا، وإسبانيا، وتونس، وتركيا.[9]

أما فيما يتعلق بدول مجلس التعاون الخليجي، فهناك العديد من الأمثلة في هذا السياق، تتبلور مثلا عبر الالتزام الاستراتيجي لحكومة المملكة المتحدة بتعزيز الشراكات مع الجهات البحثية ومؤسسات التعليم العالي في منطقة الخليج من خلال مجموعة جديدة من البرامج تسمى برامج الخليج للابتكار العلمي و اقتصاد المعرفة (GSIKE)، في إطارها موّلت الحكومة البريطانية منتدى التعاون العلمي لتعزيز العلاقات العلمية بين الباحثين في المملكة المتحدة والبحرين بالتعاون بين المجلس الثقافي البريطاني وجامعة البحرين، حيث تضمن البرنامج الجديد ورش عمل بناء القدرات للباحثين، و ندوات التعاون العلمي، وتمويل مشاريع البحوث التعاونية، ودعم النساء في مجال العلوم الطبيعية والاجتماعية والإنسانية. في السياق ذاته عقد برنامج تواصل الباحث التدريبي في الجامعة الملكية للبنات في نوفمبر 2016م، يهدف إلى بناء المهارات اللازمة للباحثين للمشاركة بانسيابية أكثر في المجتمع الأكاديمي الدولي. [10]

ومن الجدير بالذكر أن الاستراتيجيات التنموية في المنطقة الخليجية تشهد توظيفًا واضحًا لأدوات دبلوماسية العلوم، يتجلى ذلك مثلا في حالة سلطنة عمان حيث تركّز الاستراتيجية الوطنية للابتكار (2040م) التي يقودها مجلس البحث العلمي؛ على تحقيق اقتصاد وطني قائم على الابتكار، يضع السلطنة في مكانة متقدمة ضمن الدول العشرين الأولى عالميًا في هذا المجال، ولتحقيق هذا الغرض اتخذت السلطنة خطواتٍ ملموسةٍ مكنتها من التقدم في مؤشر الابتكار العالمي؛ إذ حصلت في عام ٢٠١٨م، على المركز التاسع والستين، مقارنةً بالمركز السابع والسبعين في ٢٠١٧م، وتعتمد الاستراتيجية كذلك على تسويق المعرفة، كركيزة داعمة وممكنة لبيئة الابتكار؛ عبر تعزيز المجتمع المعرفي، وتطبيق نظام فعّال لحماية حقوق الملكية الفكرية ومحفّز لإنتاج الأفكار والسلع والخدمات المبتكرة على الصعيد الوطني والدولي وجذب الاستثمار الأجنبي المباشر في كافة قطاعات الاقتصاد العُماني. وتعزيز برامج التعاون الدولية والثنائية مع عدد من الدول للتطوير العلمي والتكنولوجي وفقًا لمفهوم (الابتكار الدولي المفتوح) ضمن سلسلة برامج دبلوماسية العلوم والتكنولوجيا؛ فإن السلطنة تدعم البرامج المحلية وتربطها بالمنظومة العالمية. [11]

رؤية تقييمية وتوصيات ختامية

وعلى الرغم من تلك النجاحات، هناك العديد من المعوقات التي تعكس تعثر الدول العربية في توظيف واستغلال دبلوماسية العلوم على نحو فعال، فمن ناحية أولى لا تزال العوامل والمتغيرات السياسية تلعب دورًا مهمًا في استمرارية التعاون الدولي في مجالات البحث العلمي في الدول العربية، فعلى سبيل المثال أطلق الاتحاد الأوروبي مبادرة لتعزيز برنامج للمساعدات في مصر عام 2012م، إلا أن أحداث منتصف عام 2013م، والفترة التي تبعتها، وما شهدته من تحول سياسي ومؤسسي، أدت إلى وقف العمل وأثرت على البرنامج وعلى تنفيذ معظم أوجه التعاون المقدم من الدول المانحة في الاتحاد الأوروبي. بالإضافة إلى ذلك، كانت هناك حاجة لتعديل جداول أعمال المساعدات الدولية لتواكب السياق الجديد.[12]

ومن ناحية ثانية لا تزال بعض الدول العربية تشهد وجود فجوة بين العلماء وصانعي القرار، وهو ما ظهر في أمثلة عدة منها أزمة النفايات التي شهدها لبنان منذ سنوات قليلة، وإجمالا يمكن الجزم بأن السياسيين لا يستطيعون العمل على حل كل المشكلات بمفردهم، وفي ضوء حقيقة أن معظم التوترات التي تشهدها بلدان الإقليم تعود لأسباب تنموية، فيمكن الدفع بأن العلماء بإمكانهم إيجاد حلول لها بالتشارك مع السياسيين، وهو ما يتطلب إدماج ثقافة دبلوماسية العلوم كجزء أصيل في عملية صنع القرارفي الدول العربية. فضلاً عن بناء بيئة مواتية للتفاعل بين العلوم والسياسات بما فى ذلك توعية العلماء والسياسيين وتوظيف المستشارين العلميين للعمل مع صناع القرار.

من ناحية ثالثة، فعلى الرغم من سعى الكثير من المؤسسات العلمية والجامعات ومؤسسات المجتمع المدني، للتشبيك مع الجهات الدولية في مجال البحث العلمي، ما يزال التشبيك ضعيفًا على المستوى المحلي والإقليمي العربي، وهو ما يُفقد التشبيك الدولي معناه لكونه لا يستند إلى وجود قاعدة متينة من الشراكات الحقيقية محليًا وعربيًا، وهو ما يرتبط بعدد من أوجه القصور الأخرى مثل عدم وجود جمعيات علمية لتعزيز التعاون الإقليمى والدولى، فضلاً عن القيود على التأشيرات التى تحد من سفر العلماء العرب حتى داخل المنطقة العربية.

ويرى البعض ضرورة وضع برنامج متكامل يستفيد بمزية كل دولة فدول الخليج تمتلك الثروة الهائلة لتمويل الأبحاث وبناء المعامل المجهزة بينما دول مثل مصر والأردن ولبنان لديها العقول البحثية النابهة خصوصًا فى بعض القضايا العلمية. وتفرض الضرورة العمل على تطوير تحالفات بحثية ومخططات إرشادية، فضلا عن وإنشاء منصات علمية لمشاركة المعرفة مثل قاعدة بيانات للعلماء والبحث للتعاون وتبادل المعلومات فى المنطقة. ووضع برامج لتعزيز تبادل الأدمغة العربية وحركة شباب الباحثين عبر المنطقة.

أما أبرز مجالات البحث العلمي المرشحة للتعاون العربي–العربي فتشمل عددًا من التحديات الإقليمية المشتركة، هي إدارة النفايات والطاقة الشمسية بالإضافة إلى مشكلات ملوحة التربة والأمن الغذائي وإدارة المياه، والصحة، والزراعة، والتنوع البيولوجى.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*أستاذ العلوم السياسية المساعد ــ المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية ــ مصر

 

[1]أ.د. يعرب قحطان الدُّوري ، دبلوماسية العلوم، مجلة فكر الثقافية، 2018-10-11

[2]عبد الحفيظ العبدلي، "محطات من تاريخ الدبلوماسية العلمية في سويسرا"،سويس إنفو، 14 ديسمبر, 2008

[3]يعرب قحطان الدُّوري ، دبلوماسية العلوم"، م س ذ.

[4]بول ارثور بيركمان، "دبلوماسية العلوم.. منصة للحوار"، الخليج، 18/06/2018

[5]دبلوماسية العلوم العربية.. الحدود تراب،  15مارس, 2018

[6]يعرب قحطان الدُّوري ، دبلوماسية العلوم"، م س ذ.

[7] المرجع السابق

[8] https://www.elbalad.news/list/2065

[9]مصر والاتحاد الأوروبي،الموقع الرسمي للاتحاد الاوروبي، 11/05/2016

https://eeas.europa.eu/delegations/egypt/8717/%D9%85%D8%B5%D8%B1-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AA%D8%AD%D8%A7%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D9%8A_ar

[10] برامج علمية لتعزيز البحث التعاوني بين بريطانيا و البحرين،  http://www.universitiesuk.ac.uk/policy-and-analysis/reports/Pages/international-facts-and-figures-2016.aspx 20 نوفمبر 2016

[11]تسخير دبلوماسية العلوم والتكنولوجيا في السلطنة لخدمة البحث العلمي والابتكار، المنتدى الدولي لدبلوماسية العلوم والتكنولوجيا، 13/02/2019http://ifstd.om/ar/

[12]مصر والاتحاد الأوروبي، الموقع الرسمي للاتحاد الأوروبي، م س ذ.

كلمات دليلية

الشركات المعلنة