انت هنا: الرئيسية جميع المقالاتتقرير خاصالبحث العلمي بالقطاع الصحي في المنطقة العربية: الواقع وآليات التطوير

البحث العلمي بالقطاع الصحي في المنطقة العربية: الواقع وآليات التطوير

انشأ بتاريخ: الخميس، 11 تموز/يوليو 2019

ُولي الحكومات حول العالم أهمية خاصة بتوفير الخدمات الصحية لمواطنيها، حيث يُعتبر تطور القطاع الصحي أحد المؤشرات الرئيسية لتقدم البلد ورفاهية مواطنيه. تنبع أهمية هذا القطاع من كون الحالة الصحية للمواطنين تشكل عاملاً أساسيًا في الرخاء والراحة النفسية على الصعيد الفردي، وهو ما ينعكس بدوره على الإنتاجية والتنمية على المستوى الوطني.

يُعتبر البحث العلمي أداة فعالة للارتقاء بكافة قطاعات المجتمع وذلك من خلال ابتكار حلول خلاقة للمشكلات المختلفة وتطوير خدمات ومنتجات جديدة. وفي القطاع الصحي، يُشكّل البحث العلمي المفتاح في تحديد أسباب الأمراض واقتراح طرق لتشخيصها، واكتشاف وتطوير أدوية وعلاجات جديدة، كما أنه يوفر القاعدة التي يمكن أن تُبنى عليها السياسات والبرامج الصحية. تشمل البحوث في المجال الصحي كلاً من البحوث الطبية الحيوية، وبحوث تطوير معالجات وأدوية جديدة وما يتبعها من تجارب سريرية لاختبار الفعالية والأمان، والدراسات الوبائية، وبحوث الخدمات الصحية والصحة العامة، بالإضافة إلى الدراسات المتعلقة بالعوامل السلوكية والاجتماعية والاقتصادية التي تؤثر على الصحة.

يهدف هذا المقال إلى تسليط الضوء على الأهمية الجوهرية للبحث العلمي في النهوض المأمول بالقطاع الصحي في المنطقة العربية، من خلال توضيح دور البحث العلمي الصحي في تطوير المجتمع والاقتصاد، والوقوف على ملامح الواقع الحالي للقطاع الصحي وأنشطة البحث العلمي في هذا القطاع، وصولاً إلى اقتراح آليات متكاملة من شأنها تعزيز البحث العلمي الصحي في بلدان المنطقة.

أهمية البحوث العلمية في القطاع الصحي على المجتمع والاقتصاد

صنفت مؤسسة العلوم الأوروبية (ESF) أهم الإنجازات التي أحدثتها البحوث الصحية خلال العقود الأربعة الماضية كالتالي [1]:

  • انخفاضات جوهرية في معدلات وفيات الرضع كنتيجة للتقدم الحاصل في الصحة الاجتماعية والعامة، بما في ذلك التمنيع (اللقاحات).
  • تطوير أدوية فعالة حققت تحسنًا ملحوظًا في معالجة الأزمات القلبية وارتفاع ضغط الدم والشيزوفرينيا (انفصام الشخصية)، ومؤخرًا الإيدز والسرطان.
  • التطورات التقنية كما هو الحال في الأمواج فوق الصوتية والتصوير بالرنين المغناطيسي مما سمح بالوصول إلى تشخيص أكثر دقة للأمراض، وتطبيق خيارات علاجية أفضل.
  • تطورات كبيرة في التقنيات الجراحية وتقنيات التخدير.
  • التطورات في المفاصل الاصطناعية وزرع الأعضاء.

حتى أن هناك أدلة تشير إلى أن المرضى الذين يتلقون الرعاية في المستشفيات الناشطة بحثيًا يحصلون على نتائج علاجية أفضل [2]. وإلى جانب الفوائد الصحية والاجتماعية، فإن البحوث الصحية تقدم قيمة اقتصادية كبيرة، فهي تعزز القدرة التنافسية والقدرة الإبداعية، ويمكن أن تؤدي إلى تأسيس شركات جديدة وخلق فرص عمل، وبالتالي فهي تسهم في النمو الاقتصادي. على سبيل المثال، ووفقًا لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD فإن التحسن في "العمر المتوقع" بنسبة 10٪ يؤدي إلى زيادة النمو الاقتصادي بنحو 0.3-0.4 نقطة مئوية سنويًا [3]. باختصار، يمكن القول بأن المواطنين الأصحاء يشكلون عنصرًا أساسيًا في التنمية، تبعًا للمبدأ المعرف "العقل السليم في الجسم السليم".

سلطت العديد من الدراسات الضوء على العائدات الاستثمارية الكبيرة التي تحققها البحوث الصحية. فقد أظهرت دراستان أجريتا في المملكة المتحدة (في عامي 2008، 2014) [4] أن مقابل كل جنيه استيرليني يستثمر في المملكة المتحدة لدعم الأمراض القلبية الوعائية، وأبحاث الصحة العقلية، والسرطان، فإن الفوائد الناتجة تعادل الحصول على 39 بنسًا، و37 بنسًا، و40 بنسًا، على التوالي، في كل عام وبشكل مستمر. وفي دراسة أخرى أجريت في 2013 [5] لتقييم عائدات استثمارات حكومة الولايات المتحدة في مشروع الجينوم البشري، والتي شملت بشكل رئيسي 3.8 مليار دولار بين عامي 1988 و2003م، خلصت الدراسة إلى أن هذا الاستثمار حقق بين العامين 1988-2012م، أثرًا اقتصاديًا كليًا (مباشرًا وغير مباشر) بلغ 965 مليار دولار، وخلق 4.3 مليون سنة عمل، مع إجمالي دخل شخصي شكل أكثر من 293 مليار دولار. بمعنى آخر، مقابل كل دولار واحد مستثمر، تم توليد 178 دولاراً في الاقتصاد الأمريكي.

تُنبئ الثورة التكنولوجية القائمة والابتكارات المتنامية في القطاع الصحي (الذكاء الصنعي، البيانات الضخمة، الطباعة ثلاثية الأبعاد... إلخ) بأن الاستثمارات في البحوث الصحية ستفتح الباب واسعًا أمام خروقات علمية غير مسبوقة على مستوى ابتكار طرق جديدة للوقاية والعلاج من الأمراض المستعصية، وتطوير طرق الكشف المبكر عن الأمراض وتشخيصها، وآفاق تصنيع الأنسجة والأعضاء، والتقنيات الحيوية ...إلخ، بحيث أن من المتوقع والمأمول أن تفضي هذه البحوث إلى آثار مستقبلية متعاظمة على الاقتصاد والصحة والمجتمع.

الواقع الصحي في البلدان العربية وتحدياته

بين عامي 1970 2010م، تحسنت المؤشرات الصحية في المنطقة العربية بشكل كبير وتجلت في ارتفاع متوسط العمر المتوقع من 51 إلى حوالي 70 سنة، أي بمقدار 19 عامًا (وهي أكبر زيادة بين مناطق العالم)، وانخفاض متوسط معدل وفيات الرضع إلى 60 وفاة لكل 1000 مولود حي، كما انخفض معدل وفيات البالغين بشكل عام في جميع أنحاء المنطقة (باستثناء الدول التي اندلعت فيها صراعات عسكرية كالعراق). ويمكن أن تعزى هذه التحسينات إلى زيادة الاستثمار الحكومي في القطاع الصحي. وقد صنفت خمس دول عربية (عُمان، المملكة العربية السعودية، تونس، الجزائر، المغرب) بين البلدان العشرة التي حققت أكبر مكاسب في التنمية، نتيجة منجزاتها في الصحة والتعليم على وجه الخصوص، منذ العام 1970 [6].

في عام 2015م، قُدّر حجم الاستهلاك الدوائي في البلدان العربية بحوالى 10 مليارات دولار، مشكلاً نسبة لا تتجاوز 2.5% من الاستهلاك العالمي، حيث أن إنفاق الفرد العربي من الاستهلاك الدوائي يبلغ نحو 40 دولارًا سنويًا فقط مقابل 600 دولار للفرد الأوروبي [7] ‏، وهو ما قد يشكل دلالة على قصور في العناية الصحية التي يحصل عليها الفرد في بعض البلدان العربية، ويعكس خللاً في أنظمة التأمين الصحي فيها.

أما على مستوى الصناعة الدوائية، ورغم نمو حجم الإنتاج الدوائي في البلدان العربية بشكل ملحوظ من 150 مليون دولار سنة 1975م، ليبلغ 11 مليار دولار في سنة 2015م، فإن قيمته لا تشكل أكثر من 3% فقط من سوق الدواء في العالم. ولا بد من الإشارة إلى أن بعض البلدان العربية تعاني تراجعًا كبيرًا في صناعاتها الدوائية كالعراق، وسوريا، والسودان بسبب الأحداث السياسية. بينما لا يتجاوز عدد المصانع العاملة في إنتاج الأدوية البشرية في الدول العربية مجتمعة 326 مصنعًا، وهي في غالبيتها العظمى تنتج أدوية جنيسة (أي أدوية ليست مبتكرة وإنما منسوخة عن العلامات التجارية العالمية) [7]. وفي ظل غياب شبه تام للبحث والتطوير والابتكار في الأدوية الجديدة، تعاني المصانع الوطنية من غياب التشجيع والدعم وافتقار القدرة المالية لتمويل بحوث ضخمة، مع الأخذ بالاعتبار أن التكلفة العالمية لتطوير دواء جديد تتجاوز المليار دولار أمريكي. وقد بلغت نسبة تغطية الاستهلاك بالإنتاج المحلي حوالي 56%، بينما يتم تغطية الفجوة عبر الاستيراد من دول عربية أخرى (حيث تقدر نسبة التجارة البينية في الصناعة الدوائية بحوالى 11%) أو من دول العالم المختلفة. ينعكس هذا على ارتفاع أسعار الدواء في الأسواق المحلية ويخضعها لرحمة شركات الدواء متعددة الجنسيات. ولا يبدو أن اهتمام الشركات الدوائية العالمية ينحصر بالسوق الدوائية العربية فحسب، بل إنها بدأت في الآونة الأخيرة بالتوجه نحو إجراء التجارب السريرية على الأدوية الجديدة غير المرخصة بعد في بعض دول المنطقة، وخاصة في مصر التي أصبحت بعد عام 2011م، الوجهة الثانية في إفريقيا بعد جنوب إفريقيا [8]. وبالرغم من أن هذا النوع من التعاون بين شركات الدواء العالمية ومراكز بحثية محلية قد يشكل فرصة هامة لتعزيز الخبرات والأنشطة البحثية، إلا أن هناك خشية من أن هذه التجارب تتم بأساليب تتنافى مع المعايير الدولية، بحيث يجري فيها استغلال حاجة المتطوعين للمال (بمن فيهم اللاجئين العرب الهاربون من الأوضاع الأمنية في بلادهم، كما تحذر إحدى المقالات المنشورة في الأردن[9])وخداعهم عبر إخفاء المخاطر الصحية التي قد يتعرضون لها جراء الخضوع لهذه التجارب[8، 10].

لا بد أيضًا من الإشارة إلى الاختلافات الكبيرة في اقتصاديات دول المنطقة العربية والتي تضم فيما بينها بلدانًا تصنف ضمن الأعلى والأقل في العالم من حيث الناتج المحلي الإجمالي للفرد، وهو ما ينعكس على شكل تفاوت كبير في مؤشرات الصحة العامة والحالة الصحية للمواطنين بين هذه الدول. كما أن العديد من شعوب المنطقة تعاني من الحروب والنزاعات الأهلية، وانعدام الأمن، والاحتلال، والتي تعتبر عوامل رئيسية في تحديد الحالة الصحية ونجاح النظام الصحي (علمًا أن العديد من دول المنطقة العربية لا تمتلك قطاع خدمات صحية بالمعنى الصحيح للكلمة). علاوة على ذلك، تضم دول المنطقة أكبر عدد من اللاجئين والنازحين داخليًا في العالم.

ترسم الملامح سالفة الذكر خصوصية الواقع الصحي في البلدان العربية وتطرح تحديات عظيمة أمام مستقبل التنمية والرفاهية في ضوء ما تم توضيحه في الفقرة السابقة حول الارتباط الوثيق بين الصحة المجتمعية والاقتصاد. ومن هنا يبدو البحث العلمي في القطاع الصحي أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى بما يسهم في رفع المؤشرات الصحية لبلدان المنطقة، وتطوير الصناعة الدوائية الوطنية، في وقت تبدو فيه العديد من الشعوب العربية التي تعاني من أوضاع سياسية غير مستقرة في أمس الحاجة إلى تعزيز قطاعها الصحي وتوفير الرعاية الصحية المتكاملة سواء لمواطنيها أو للاجئين على أرضها. كما يسمح وجود بيئة بحثية متطورة بتعزيز التعاون مع الشركات متعددة الجنسيات بشكل ندي ومتكافئ، مع التنويه إلى ضرورة وجود ضوابط ومراقبة لهذا التعاون وخاصة فيما يتعلق بالتجارب السريرية على المواطنين.

البحث العلمي الصحي في البلدان العربية: ثمارٌ بحاجة إلى المزيد من الرعاية

بشكل عام، تتسم البحوث الصحية في البلدان العربية بتدني إنتاجيتها سواءً من حيث العدد أو الجودة، ويمكن أن يعزا ذلك إلى الأوضاع السياسية غير المستقرة والنزاعات القائمة في العديد من هذه البلدان، وهجرة الأدمغة، ونقص التمويل، والافتقار إلى البنية التحتية المناسبة من حيث الأجهزة والمعدات.

على مستوى أعداد الباحثين (بشكل عام وليس فقط في المجال الصحي) فإن البلدان العربية لا تمتلك أكثر من 2% من المخزون العالمي للباحثين مقارنة بـ 6.4% في الدول ذات الدخل المتوسط الأدنى، و28% في الدول ذات الدخل المتوسط الأعلى و64.4% في الدول ذات الدخل العالي [11]. وبالمقابل لا بد من التأكيد هنا بأن البلدان العربية تملك مخزوناً بشرياً متراكماً من الكفاءات العلمية المنتشرة في الخارج. حيث تشير إحصاءات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD إلى أن غالبية الكفاءات المهاجرة إلى دولها هم من قطاعي الصحة والتعليم (والبحث العلمي) – على سبيل المثال يقدر عدد الأطباء العرب بحوالي 30 ألفطبيب، أي ما يقارب8% منالأطباء في دولالمنظمة [12]. أما على مستوى الإنفاق على البحث العلمي، بما في ذلك البحوث الصحية، تعاني دول المنطقة من نقص الاهتمام حيث بلغ متوسط الإنفاق المحلي الإجمالي على البحث والتطوير في المنطقة 0.2% من الناتج الإجمالي، وهذا يعادل خُمس متوسط إنفاق البلدان النامية و12% من المتوسط العالمي.

تشير إحدى الدراسات إلى أن عدد منشورات المنطقة العربية (22 دولة) في المجال الصحي بين عامي 1996 و2012م، بلغ 76417 مقالاً، أي ما يعادل حوالي نصف ما تنتجه تركيا و4٪ فقط من المنشورات الصادرة عن المعاهد والمراكز البحثية في الولايات المتحدة الأمريكية[13]. كما بينت دراسة أخرى بأنه بين العامين 2007–2016م، كان نتاج العالم العربي 189 ورقة بحثية لكل مليون شخص، وهو ما يشكل حوالي ربع المتوسط (695 ورقة لكل مليون) لأفضل 25 دولة في العالم من حيث النشر في المجال الطبي[14]. أما بالمقارنة مع مجموع ما تنشره دول الشرق الأوسط الثلاثة الأخرى (تركيا، إيران، الكيان الصهيوني)، فإن العالم العربي مجتمعًا ينتج عددًا أقل من المنشورات الصحية وبجودة أخفض [15].

بالمقابل هناك بعض المؤشرات المشجعة. فقد ازدادت إنتاجية الباحثين في المجال الصحي في البلدان العربية 3 أضعاف بين عامي 2007 و2016م، حيث توزعت المؤسسات العشر الأكثر إنتاجية في المنطقة بين كلٍ من مصر (4)، المملكة العربية السعودية (3)، لبنان (1)، الكويت (1)، وتونس (1). ومن الجدير ذكره أن النسبة المئوية للمقالات التي تتضمن تعاونًا مع مجموعات بحثية دولية كانت مرتفعة نسبيًا (27%)، وحققت معدل استشهاد citation أعلى بثلاثة أضعاف من تلك التي أنجزت دون تعاون دولي، لكن في غالبية هذه الأوراق كان الباحث المراسل (الرئيسي) corresponding author من خارج المؤسسة المحلية[14].

يحتاج البحث العلمي الصحي في المنطقة العربية مزيدًا من الرعاية والاهتمام لتحقيق الأهداف المناطة به، ويمكن تلخيص التحديات في ضعف القدرات البحثية كمًا ونوعًا وبنى تحتية، وضعف التمويل والإنفاق على البحث العلمي، وغياب الهيآت البحثية الوطنية في المجال الصحي، وغياب الأطر والتشريعات الخاصة بأخلاقيات البحث العلمي في المجال الصحي، وهي النقاط التي سيتم مناقشة آليات التصدي لها في الفقرة القادمة.

مقترحات وآليات لتطوير البحث العلمي الصحي في بلدان المنطقة

يحتاج تعزيز البحث العلمي الصحي في البلدان العربية إلى جهود جادة واستراتيجيات واضحة يشارك في وضعها جميع أصحاب المصلحة المباشرين stakeholders من صناع القرار والباحثين. يجب أن تتضمن الاستراتيجيات التركيز على بناء القدرات وتدريب الباحثين، وتحسين البنية التحتية والمعدات البحثية، ورصد الأموال الكافية، وخلق بيئة تعزز الإبداع والابتكار.

من الضروري أن تعيد الحكومات العربية النظر في أهمية الاستثمار في البحث العلمي الصحي في ضوء التجارب العالمية، وأن تعمل على إنشاء مراكز بحوث متطورة ودعمها وربطها بالجامعات والصناعات الطبية الحيوية والدوائية، وتوفير برامج تمويل للبحوث، وتأسيس برامج للدكتوراه وما بعد الدكتوراه، وتقديم حزم حوافز للباحثين. كما ينبغي انتهاج سياسات داعمة للصناعة الدوائية الوطنية، بما يساهم في تحقيق الأمن الدوائي للبلدان العربية وتخفيض اعتمادها على الدواء الأجنبي.

هناك حاجة ماسة لتعزيز بناء القدرات ليس على مستوى الأفراد فقط بل يجب أن يتعدى ذلك ليشمل الفرق البحثية والمؤسسات وأن يتم على مستوى البلد ككل، وهو ما يتطلب تحسين نظم التعليم، وتوفير التدريب عالي الجودة، ودعم اكتساب الخبرات، وتعزيز استخدام التكنولوجيات. وبالمقابل لا بد من التأكيد هنا بأن البلدان العربية تملك مخزونًا بشريًا متراكمًا من الكفاءات العلمية المنتشرة في الخارج. أمام الدول العربية فرصة كبيرة لاستثمار الكفاءات العلمية المنتشرة في الخارج سواء من خلال تشجيعها على العودة إلى الوطن أو عبر بناء جسور تعاون معها للاستفادة من خبراتها في أماكن تواجدها في مواقع أكاديمية وإدارية مهمة في بلاد الانتشار، أسوةً بتجارب دول أخرى كالصين والهند. ويمكن الاطلاع عن كثب على آليات بناء الشراكات مع الباحثين المغتربين في الخارج في دراسة تم نشرها مؤخرًا [16].

ينبغي العمل على تأسيس هيآت للبحث العلمي الصحي على كلٍ من المستوى الوطني والعربي، أسوة بتجارب الدول المتطورة وعلى نحو مشابه لمعاهد الوطنية الأمريكية للصحة US National Institutes of Health، ومجلس البحث الطبي Medical Research Council في المملكة المتحدة، وINSERM في فرنسا، يقع على عاتقها وضع استراتيجيات وأولويات وطنية وعربية بما يعزز البحوث الصحية في المنطقة وتكاملها وإنشاء شراكات فيما بينها بالتعاون مع المنظمات والمؤسسات الدولية. كما ينبغي تشجيع الباحثين على التعاون البحثي الدولي، مع الأخذ بالاعتبار المزايا التي يقدمها مثل تحسين جودة عرض نتائج البحوثincreased visibility، وزيادة فرص الحصول على تمويل.

كجزء من تعزيز استخدام التكنولوجيا يبدو من المُلِح ترسيخ استخدام تكنولوجيا المعلومات الصحيةhealth information technology، بما يسمح بأرشفة البيانات الصحية للمواطنين بشكل كامل ومستمر في أرشيف صحي وطني وتوفيرها للاستخدام في دراسات وبحوث تعمل على تحليل البيانات المتوفرة وتسخيرها في تحسين الصحة وخدمات الرعاية الصحية في المجتمع.

تجدر الإشارة إلى أن نسبة كبيرة من البحوث التطبيقية في المجال الصحي تُجرى على البشر أو الحيوانات، أو على أعضاء أو خلايا معزولة منهم، وهذا يتطلب توفير تشريعات ناظمة ووضع قواعد لأخلاقيات البحث العلمي الطبي والحيوي بما يواكب التطورات السريعة الحاصلة في هذا المجال. تسمح هذه التشريعات أيضاً بوضع ضوابط على الدراسات السريرية على الأدوية الجديدة غير المرخصة بما يضمن قانونية عملها دون استغلال المتطوعين المشاركين في هذه الدراسات.

بناءً على كل ما تقدم فإن دعم البحث العلمي في القطاع الصحي ضمن البلدان العربية بات أمرًا ملحًا نظرًا لتأثيره الجوهري على الاقتصاد الوطني وما يقدمة من قيمة عالية للمجتمع، وهو ما يتطلب تضمينه بشكل صريح في بنود خطط التنمية المستدامة لهذه البلدان بما يصب في النهاية في مصلحة المواطن ورفاهيته.

 

الشكل 1. إطار عمل مفاهيمي لتعزيز البحث العلمي الصحي في البلدان العربية.

كلمات دليلية

الشركات المعلنة