;
الصفحة السابقة

دور الناتو العربي في حفظ الاستقرار الإقلیمي: بناء درع صلبة في وجه تهدیدات الخلیج

انشأ بتاريخ: الأحد، 31 آذار/مارس 2019

في قمة الرياض لعام 2017م، اتفق قادة دول مجلس التعاون الخليجي والولايات المتحدة على عقد لقاء كل عام لمناقشة المسائل ذات الاهتمام المشترك على المستويات السياسية والاقتصادية والأمنية. وكان محور الاهتمام ضرورة دحر المنظمات الإرهابية ومكافحة الجرائم الإلكترونية والهجمات على البنية التحتية، وتنسيق إدارة الصراع في سوريا واليمن، وإرساء الأمن في العراق، ومواجهة النشاط الخبيث لإيران في المنطقة. وقد برز مشروع التحالف الاستراتيجي للشرق الأوسط (Middle East Strategic Alliance, MESA) كأحد النتائج لهذه اللقاءات.ويضم هذا التحالف العربي ست دول خليجية (المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والكويت والبحرين وعمان وقطر) بالإضافة إلى مصر والأردن. وسیقوم التحالف على أساس اتفاقیة أمنیة واقتصادیة وسیاسیة تربط هذه الدول. وعلى الرغم من الاختلافات في الأولویات السیاسیة بین دول مجلس التعاون، فإن أهمية التحالف تكمن في كونه یبني درعًا قویة وصلبة في وجه التهدیدات ضد الخلیج.

الهيكل المنتظر والأهداف

سيكون النجاح في إقامة هذا الحلف بمثابة إنجاز كبير لإدارة ترامب لأنه سيحقق توازنًا عسكريًا في مواجهة إيران، في واحدة من أكثر المناطق غير المستقرة في العالم، وسيكون حائط صد إزاء أي تدخل إيراني في المنطقة. وعلى الرغم من الخلاف الخليجي، فإن التنسيق لا يبدو مستحيلاً، خاصة أن الحلف سيُسهِم في جلب الاستقرار للشرق الأوسط. إن من شأن التحالف المُزمَع أن يساعد على تقليل الأعباء المالية التي تتحملها الولايات المتحدة في المنطقة، وأيضًا بناء شريك موثوق به في الشرق الأوسط.

وبحسب المتحدث باسم مجلس الأمن القومي الأمريكي؛ فإن أهم توجهات التحالف هي إقامة درع من أنظمة الدفاع الجوي تكون بمثابة حماية لدول الحلف من الصواريخ الباليستية الإيرانية، بالشكل الذي يُفقِد قدرات إيران الصاروخية فاعليتها الاستراتيجية إلى درجة كبيرة، فيما سيكون عمليًّا ضمن منظومة حصار إيران اقتصاديًّا، وإفقادها القدرة على التصعيد عسكريًّا.

يرى محللون أن السبب الذي دفع البيت الأبيض للتفكير في إنشاء الحلف يعود إلى اهتزاز الثقة بحلف شمال الأطلسي (الناتو) في أوروبا، خاصة وأن دول الحلف لم تُوفِ بتعهداتها لرفع حصتها في ميزانية الدفاع. بينما يتوقعون أن الحلف الجديد سيتشكل على غرار نظيره الغربي وسيحقق توازنًا عسكريًا في مواجهة إيران، وستكون له ثلاث سمات رئيسية: هيكل قيادة عسكرية متكامل، وميثاق للإنفاق الجماعي لتقديم مساهمات لتوسيع نطاق القدرات الدفاعية، واتفاقيات لتعزيز الأمن الجماعي.

هناك خط واضح للسياسة الأمريكية فى الشرق الأوسط هو أمن إسرائيل. فالمسؤولون الأمريكيون يدعون إلى الديمقراطية بهدف توفير استقرار فى المنطقة يخدم أمن إسرائيل ويدمجها فى محيطها، وهم يعلنون عن متانة الأواصر التي لا يمكن قطعها أبدًا بين أمريكا وإسرائيل، ويسعَون لبناء تحالف عربي أمريكي إسرائيلي لمواجهة العدو الإيراني الذى يهدد أمن إسرائيل. الولايات المتحدة تسعى لإنشاء تحالف عربي لاستخدامه أولًا ضد إيران، وللعمل مستقبلًا كذراع ضد روسيا في الشرق الأوسط، وفي حال عدم تشكيل هذا التحالف، ستُجبَر أمريكا على إرسال قوات عسكرية، وهذا ما لا تريده، فهي منذ عام 1990 في حروب متواصلة، من أفغانستان إلى العراق وسوريا والصومال وغيرها.

يُعتبر الأمن البحري أحد أهم اهتمامات الدول العربية إذ تعتمد التجارة البحرية للنفط والغاز بشكل كبير على مضايق باب المندب وهرمز وتمثل 30% من التجارة العالمية للنفط والغاز. وإذا حدث أن نفذت إيران تهديداتها على هذه الطرق فستكون لها نتائج اقتصادية وخيمة على الاقتصاديات العربية، مما يتطلب الاستعداد لتدخل جماعي سريع على المستويين العسكري والبحري.

تبعث قدرات إيران المتنامية في مجال الصواريخ الباليستية على القلق في الدول المجاورة لها. لدى إيران صواريخ بالستية قصيرة المدى، ومتوسطة المدى، بل هناك شكوك حول تملكها صواريخ عابرة للقارات. وتعمل كل من الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية مع البيت الأبيض لضمان توفير قدرات لاعتراض تلك الصواريخ في الارتفاعات العالية (ثاد - Terminal High Altitude Area Defense; THAAD). وبالتأكيد سيكون نظام الدفاع الصاروخي المشترك في الخليج مثالاً لضمان الحماية والأمان.

يقول أحد قادة الجو في أمريكا عن الإيرانيين: ”إنهم يهدفون إلى عرقلة توازن القوى والمجازفة بحياة المواطنين، عندما تهدف المناورات العسكرية الإيرانية إلى إغلاق مضيق هرمز، فإن الحسابات الخاطئة للأهداف العسكرية تجر وراءها عواقب استراتيجية. تصرفاتهم تهدف مباشرة إلى تهديد جميع اقتصاداتنا“.

تهدف هذه المبادرة إلى تعزيز التعاون وتخفيف التوترات بين الدول السنية من خلال تجميعها ضد إيران الشيعية، التي اتهمت بدعم الإرهاب، والتي فشلت الولايات المتحدة في عزلها على الساحة الدولية في أعقاب انسحابها من الاتفاق النووي عام 2015م. ومن خلال المشاركة في إنشاء هذا التحالف، ستحتفظ الولايات المتحدة بوجودها ومصالحها في المنطقة، بالنظر إلى الموارد الطبيعية والطريق البحري التجاري. كما أن هذا التحالف الاستراتيجي سيحتاج إلى توازن خارجي تستطيع الولايات المتحدة دعمه.

وفي الشمال توغلت القيادة التركية في سوريا تحت زعم محاربة ”إرهاب“ الأكراد، وباتت فعليًا تسيطر على أرض دولة عربية وتهدد بالتدخل في العراق وتهدد العرب بالتحالف مع إيران وتمد يدها لقطر بعد أن قاطعتها الدول المكافحة للإرهاب. تراود تركيا أحلام الخلافة وتتباهى بأنها تُؤوي قيادات إرهابية لتنظيم الإخوان الذي لا يعمل إلا على نشر العنف والفكر الإرهابي.

الأدوات والأدوار

إن وجود قوة عربية موحدة يُعتبَر قوة ردع بالأساس ولابد أن يتوفر لها كل عناصر البقاء بمعنى: (1) أن تتماشى نوعية التسليح مع العصر، (2) وأن يتأكد وجود ضمانات قوية لعمليات الصيانة والإصلاح والتحديث لسنوات قادمة، (3) وأن تتواصل المهام التدريبية والمناورات المشتركة الهادفة لاستيعاب السلاح، والتمرس على أساليب استخدامه ومشكلاته، (4) وأن لا تتعثر عمليات الإمداد والإحلال، (5) وألا تكون الأجهزة المعاونة عرضة للتعطيل أو الاختراق.

من شأن تجميع كل الموارد والإمكانيات للدول الأعضاء المُحتملين في التحالف، أن يسد الفجوات التي يُعاني منها كل جيش عربي. وبحسب منظمة ”جلوبال فاير باور“ الأمريكية فقد أنفقت إيران ما يقرب من 6.3 مليارات دولار على الدفاع في عام 2017م، وتتألف قواتها من 534 ألف فرد نظامي و400 ألف من جنود الاحتياط، وفي المقابل تفوق ميزانية الدفاع لدول مجلس التعاون الخليجي بكثير ميزانية إيران. أنفقت المملكة العربية السعودية وحدها ما يُقدَّر بنحو 57 مليار دولار على الدفاع في عام 2017م. بينما أنفقت الإمارات العربية المتحدة 14 مليار دولار، وأنفقت الكويت 5.2 مليارات دولار. وتمتلك مصر قوات ضخمة حيث تُجند ما يربو على 454 ألف فرد نظامي و875 ألف من الاحتياط.

تشير بعض المصادر أن التحالف سيتألف في البدايات من قوات ستتمركز في مصر. وسيقودها قائد سعودي على رأس هيكل قيادة دائم. تكمن الفكرة في تجميع قوة متعددة الجنسيات يمكن أن تكون جاهزة للتدخل في أية أزمات مستقبلية. تشير التقارير إلى أن عناصر القتال ستتألف من قوات جوية قوامها من 500 إلى ألف رجل، وقوات بحرية قوامها نحو خمسة آلاف، بينما سيشكل قرابة خمسة وثلاثين ألف فرد جزءًا من القوات البرية، وذلك علاوة على القوات الخاصة. وسيتم دفع رواتب القوات من قِبَل دولهم، بينما يتم تمويل هيكل القيادة من قِبَل مجلس التعاون الخليجي.

ولاشك أن اختيار عناصر التسليح وجهات الإمداد عملية دقيقة وتحتاج إلى دراسات مستفيضة، ووعي كامل بطبيعة الصفقات وجدواها، تكاملها وبدائلها، وربما كانت هذه المعضلة من أهم الجوانب، وأعمقها تأثيرًا في إنجاح هذا التحالف. وتُلقي التجارب السابقة الكثير من الضوء على نوايا الآخرين، ومدى حرصهم على الاستفادة من هذا التحالف من جهة، أو إحداث الفرقة بين المتحالفين العرب من جهة أخرى.

لا يختلف أحد على أن قادة الدول العربية وشعوبها يريدون أن يكونوا أقوياء، وأن يحتفظوا بمصائرهم بأيديهم، وأن ينتشر السلام والأمان وهما قمة الأهداف التي يسعون إليها. ليس هذا الجيش لصناعة العدوان، ولا للتدخل غير المشروع في شؤون الآخرين، ولكن للإعداد للقوة بأقصى درجات الاستطاعة كسبيل للحماية وردع المعتدين.

بالتوازي مع إنشاء هذا الجيش لابد من انطلاق صناعة عسكرية عربية جدية، حتى يتجنب أي خطر أو تعطيل أو قصور. ومع الثورة الصناعية الرابعة، وباعتبار أن الصناعات العسكرية هي قاطرة التكنولوجيا للتطبيقات المدنية كما نلمس الآن، تبرز أهمية هذا التوجه وخاصة أن مقوِّمات ذلك ليست مستحيلة بل هي في الإمكان مع الإرادة والتصميم والتخطيط. هل يجود الزمان لهذا الجيش العربي الموحَّد بقمر عربي أو صاروخ عربي، أو طائرة عربية، أو مدرعة عربية، أو مدفع عربي؟ وهل يصير له يومًا ما نظام كونيٌّ لتحديد الموقع الخاص به (Global Positioning System; GPS) ونظام قيادة وسيطرة موحَّد؟

نشير هنا إلى تطور علاقات التعاون بين السعودية وروسيا في المجالين التقني والعسكري. فهناك طلاب يتدربون ويدرسون في الأكاديميات العسكرية الروسية. كما يجري تنفيذ صفقات تسليح روسية للسعودية تتضمن نقلاً للتقنية وتوطينًا جزئيًا للصناعات العسكرية داخل المملكة العربية السعودية بالشراكة مع روسيا. وتهدف رؤية المملكة إلى أن يمثل المحتوى المحلي بحلول 2030م، نسبة 40% من مجمل الإنفاق العسكري السعودي الضخم.

وفي المقابل فإن صفقات الأسلحة التي تعاقدت عليها السعودية مع الولايات المتحدة، والتي تم التوقيع على بعضها خلال زيارة ترامب للرياض، ستصل في مجملها إلى حوالي 350 بليون دولار على مدى عشر سنوات، وستكون هي القوة الضاربة للحلف المقترح، يضاف لها ما تم الإعلان عنه بخصوص برامج تصنيع الأسلحة في السعودية ضمن برامج ”رؤية 2030“،والتييرادلهاأنتُشكلمنظومةتسليحعملاقةتتكاملمعصفقاتالسلاحالأمريكيالمستورد.

وبالمثل تشهد دول أخرى كالإمارات ومصر أيضًا تطورات ملموسة في التسليح وصناعات الدفاع المحلية كما تبرزها معارض السلاح الدولية الأخيرة في أبو ظبي والقاهرة.

ثُلاث ركائز تُقِيم هذا الأمر: التمويل (وهو ضروري للإنفاق على البحوث والتطوير والأجهزة والمعدات والتصنيع والتجريب)، والبشر (وهم مَنْ يفكر ويحاول وينفذ ويختبر ويجدد على أرضية التعلم والدراسة والخبرة والعمل)، والوقت (لأن كل إنجاز يمر بمرحلة ليتبعها مرحلة أخرى وهكذا، وما نراه من التطور التكنولوجي هو نتاج سنوات من العمل الجماعي الشاقِّ والدؤوب).

سينشأ في نهاية المطاف نظام دفاع وأمن مشترك بين دول مجلس التعاون الخليجي، بمشاركة مصر والأردن. وبالنسبة لمصر تمثل تهديدات إيران على باب المندب والبحر الأحمر مصدر قلق اقتصادي رئيسي. كما أن مصر تمثلقوة موازنة للمملكة العربية السعودية يمكنها تقديم بعض الضمانات لدول أخرى في المنطقة مما يدعم نظام الأمن الجماعي. ومن شأن هذا التعاون أن يمكّن دول الخليج من إضافة إمكانات القوة العسكرية إلى قوتها الناعمة التقليدية القائمة على الاقتصاديات النفطية وحماية مصالحها الإقليمية. وليس مستبعدًا أن يكون أكبر خطر أمام استقرار الأنظمة الخليجية هو الفراغ الأمني فيالدولالمجاورة، وبعبارة أخرى فإنضمانالاستقرارالسياسيفيالمنطقةهوأيضًاوسيلةلضماناستقرار دولالخليج.

التحديات والعقبات

من بين الصعوبات التي تواجه هذا التحالف وجود خلافات داخلية بين الدول المعنية، وأدت إلى أن تقطع السعودية والإمارات والبحرين ومعهم مصر علاقاتها مع قطر. ومنذ يونيو 2017 م، دخلت دول المنظومة الخليجية أزمة دبلوماسية أثرت سلبًا على التعاون الأمني والدفاعي بينها. ترى العديد من الدول العربية في إسرائيل الخطر الأكبر الذي يهدد الأمن والاستقرار العربي، ومادامت لم تتوصل إلى حل سلمي وشامل للصراع فلن يكون هناك استقرار، ولا تزال إلى الآن تُعتبَر المعوّق الأول لتحقيق السلام في المنطقة وبذلك تمثل إسرائيل معضلة أمام هذا التحالف بالرغم من أنها عدوة لإيران ولها مصلحة في تشكيل مثل هذا التحالف. ولكن دراسة من جامعة تل أبيب تشير إلى أنه في الأمد البعيد قد يكون لهذا الحلف - إذا تَشكَّل - دلالات أخرى ليست جميعها إيجابية بالنسبة لإسرائيل، وذلك بسبب إمكانية أن تتغيَّر سياسات الدول الأعضاء فيه بما يُفضي إلى تغيير سُلَّم الأولويات واستئناف العداء تجاه إسرائيل في منطقة عربية ستكون متكتلة بشكل أكبر وذات قدرة عسكرية أكثر تطورًا من اليوم.

وهناك مشكلة أخرى قد تواجه الحلف، فلكل حلف عسكري عقيدة وعدو يُنشأ من أجله، ولكلٍّ من الأعضاء مآرب وعقائد مختلفة. وإيران وتركيا أقرب لقطر من أشقائها الخليجيين، أما الكويت فعلى الحياد ومثلها الأردن، ويتبقى السعودية والإمارات والبحرين في المواجهة مع إيران. وبالتالي يبدو خروج تحالف الشرق الأوسط كقوة عسكرية متكاملة أمرًا يصعب تحقيقه، وإن شُكِّل فسيكون سياسيًا وغير متجانس على الأقل وفقًا للظروف الحالية.

فضلًا عن التعقيدات التشغيلية المرتبطة بتباين المعداتالعسكرية، واختلاف العقيدة القتالية، وعدم وجود أنظمة اتصالات قابلة للتشغيل المتبادل. فلدى الدول الثماني على سبيل المثال أنواع مختلفة من الطائرات العسكرية. في مصر ميج-25 الروسية و إف-16 الأمريكية، وفي المملكة العربية السعودية إف -15 إس إي الأمريكية و إيرو فايتر تايفون الأوروبية، وفي الإمارات العربية المتحدة ميراج الفرنسية و إف-16 الأمريكية.

برغم صعوبة ضم الجيوش والتنسيق بينها لتباين العقائد القتالية وأنظمة التسليح والتواصل، يحرص الرئيس الأمريكي ترامب على إثبات أنه قادر على جمع دول الشرق الأوسط المتنافسة بينها وصاحبة المصالح المتضاربة تحت تحالف يحظى بالمباركة الأمريكية، يهدف إلى زعزعة استقرار إيران.

سيكون للتحالف الأمني والعسكري المقترح - إذا أصبح حقيقة واقعة - صلاحيات سوف تشمل الخليج العربي والبحر العربي والبحر الأحمر والبحر المتوسط والممرات المائية الثلاثة: مضيق هرمز وباب المندب وقناة السويس. ومن مهام التحالفمراقبة الملاحة في هذه المناطق والتعامل مع عمليات تهريب السلاح، ومراقبة خطوط الإمداد العسكرية التي تستخدمها إيران على طول الحدود الأردنية لدعم الميليشيات الموالية لها في سوريا ولبنان.

كانت إدارة ترامب واضحة جدًا في التعبير عن التزامها بالأمن الإقليمي، وعلى هذا النحو سيكون إطار عمل التحالف قويًا بما يكفي للسماح لأعضائه بالاعتماد على بعضهم البعض، ليس فقط في الأمن الجماعي ولكن أيضًا في الشراكة الاقتصادية والتنسيق السياسي.

أمام الناتو العربيعدد من القضايا ينبغي أن تكون ذات أولوية أكبر لبلدان المنطقة. فالهجمات الإسرائيلية على المسجد الأقصى تتزايد، والتوسعات في المستوطنات اليهودية تتوالى، والمواقف الأمريكية تكرس الانحياز التام لإسرائيل. قامت إدارة ترامب بسلسلة إجراءات تعقِّد القضية الفلسطينية، أبرزها الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل مقر السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس، وإلغاء الدعم الأمريكي المقدم إلى منظمة الأونروا، فضلًا عن إلغاء أكثر من 200 مليون دولار من المساعدات المخصّصة للفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة، وإغلاق مكتب منظمة التحرير في واشنطن، وإدانة مسؤوليها بعدم اتخاذ أي خطوة لبدء مفاوضات مباشرة وجادة مع إسرائيل. هي بذلك تسعى إلى مزيد من الضغط على الحركة الوطنية الفلسطينية لتقديم التنازلات وحسم القضايا العالقة مثل القدس واللاجئين والمستوطنات. وهكذا يواجه الجيل الجديد من العرب الكثير من المعضلات الخطيرة تحمل عناوين مكافحة الإرهاب ومنع انتشار النفوذ الإيراني، لكن أحدًا لا يستطيع أن يُخفي حقيقة أن الاحتلال والاستيطان والحصار والعنصرية يشكلان تهديدًا كبيرًا لفلسطين ومصالح الأردن والأمن العربي.

مُقوِّمات الكفاءة والنجاح

وفي هذا السياق يقول ”أنتوني كوردسمان“ من مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية: ”على الرغم أن الناتو العربي يعكس حاجة حقيقية للأمن الجماعي، فإنه لا يمكن أن يُطبَّق إلا إذا وُجِدت جميع العناصر الأساسية، مثل التكامل وإمكانية التشغيل المتبادل، وتوحيد المعايير والمرافق المشتركة والقدرات التدريبية“.

نحن نشهد تحولات في التحالفات السياسية والعسكرية تسهم إلى حد كبير في إضعاف الهيمنة الأمريكية في آسيا والشرق الأوسط. ومايريده ترامب ليس مجرد النفط ولكن بيع الأسلحة أيضًا. لن يستخدم البنتاجون بشكل مباشر إمكاناته الخاصة للتعبئة، لأن الحرب مع إيران ستؤدي إلى مقتل الآلاف من الجنود الأمريكيين. ولكن العرب سيقاتلون، والعلامة المؤكدة على الاستعداد للحرب هي سحب نظام الدفاع الصاروخي الأمريكي من البحرين والكويت والأردن. ولكن يختلف المحللون فيما إذا كنا على عتبة تشكيل ناتو عربي سيرى النور قريبًا، أم أنه لا يتعدى حلمًا أطلقه الأمريكان ليس له أية مقومات للنجاح. وهناك من يعتبر أن تحديات التحالف العسكري على الأرض أكثر بكثير مما تبدو من الناحية النظرية وقد يبقى مجرد خطة على الورق.

على كل حال ستعمل الولايات المتحدة على دعم التحالف الاستراتيجي من خلال تعزيز الدفاع الصاروخي، والتدريب العسكري، ومكافحة الإرهاب، وتعزيز العلاقات الاقتصادية والدبلوماسية الإقليمية. ما تقابله دول التحالف من هيمنة إيرانية وتدخلات وإثارة للفوضى في المنطقة، ومن أخطار التنظيمات المتطرفة يُصَنِّف إيران في خانة الأعداء لهذه الدول، وَيَحفزها على إنجاح هذا التحالف. إضافة إلى ذلك - في نظر واشنطن - فإن هذه الدول غير قادرة على القتال على هذه الجبهات دون دعم واشنطن، بل إنه لا يمكن لأي دولة في العالم أن تنجح عسكريًا دون عون أمريكي. والأمثلة كثيرة من كوسوفو إلى شرق أوكرانيا، لأن الولايات المتحدة تتفوق في المعدات العسكرية والتدريب والتقنيات، فضلاً عن الميزانية الاقتصادية الضخمة.

وقد يتساءل البعض عن أوضاع قد تُعيق قيام هذا التحالف، كانشغال السعودية والإمارات في حرب اليمن، وانشغال الجيش المصري في سيناء والحدود الغربية مع ليبيا. ولكن حقائق القوة تتجاوز هذه المعوِّقات، فالسعودية ميزانيتها العسكرية هي الثالثة على مستوى العالم بعد الولايات المتحدة والصين. وكمثال فقد تحسن الأداء العسكري لسلاح الجو السعودي مؤخرًا بشكل كبير، وأصبح هو الأقوى والأكثر تطورًا. أما الإمارات العربية المتحدة فترصد ميزانية عسكرية ضخمة، وتمتلك أسلحة متطورة جدًا، كما أن أداء قواتها الخاصة كان الأفضل في اليمن. ومصر هي الأقوى عسكريًا وتمتلك أسلحة متطورة ولديها الإمكانية البشرية لإرسال قوات خارج البلاد.

التحالف، واستقرار الخليج

شاركت وحدات بحرية وجوية وأرضية من البحرين ومصر والأردن والكويت والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة في مناورات عسكرية بقاعدة محمد نجيب العسكرية غرب مصر في الفترة من 3 إلى 16 نوفمبر 2018م، حملت الاسم الرمزي ”درع العرب-1“، وانضم إليها مراقبون من المغرب ولبنان. توقع الكثيرون أن تمثل تلك المناورات ولادة ما يُسمَّى بـ ـ”الناتو العربي“. وتشترك دول الخليج بالفعل في التدريب والعمليات المشتركة التي تُنَمِّي القدرات العسكرية، مثل الغارات الجوية التي تقودها السعودية في اليمن، ويتم تبادل المعلومات بين مقاتلي التحالف على امتداد العمليات.

يحتاج هذا التحالف السُّنيُّ الناشئ دعمًا لا يقتصر على الاستخبارات والخدمات اللوجستية، وإنما التدريب على الإنترنت، والقوات الخاصة، والمركبات غير المأهولة، وغيرها من الأنظمة الجديدة التي يمكن أن تُستعمَل دون التزامات ضخمة من الأفراد. وستُسهِم برامج التدريب والتبادل وبرامج المساعدة العسكرية المتطورة - في شكل مِنَحٍ لمصر ومبيعاتٍ للسعودية ودول الخليج في تعزيز قدرات التحالف.

تعمل إيران طبقًا لأجندة شيعية على رعاية الإرهاب المُوجَّه ضد السُّنَّة، والغرب، وتعزيز قواتها المسلحة، وهي تسيطر فعليًا على خمس عواصم في الشرق الأوسط - طهران ودمشق وبيروت وبغداد وصنعاء.

ربما ينظُر المتشائمون إلى مستقبلٍ مُحتمَلٍ لهذا الجزء من العالم الإسلامي أشبه بالإصلاح الذي جرى في الدين المسيحي وانتهى به الأمر إلى قتل أعداد هائلة من الأوروبيين في الحروب بين الكاثوليك والبروتستانت. إن تحالفًا عسكريًا سنيًا لمواجهة طهران قد يوفر الأساس للتعاون مع إسرائيل حول التهديدات من العالم الشيعي. وللأسف، يبدو من المحتمل أننا نتجه نحو حرب سنية شيعية في المنطقة، حرب قد يُراق فيها الكثير من الدماء. لابد من رؤيةٍ موضوعية لملفات الأمن القومي العربي، تستند على دراسة عميقة للمواقف حتى لا يتورط التحالف في حروب مذهبية ليست في صالح المنطقة. بحسب الإعلام الأمريكي فإن الهدف هو إقامة محور سني في مواجهة محور شيعي. ويثور السؤال حول ماذا يحدث لو تغيرت السياسة الأمريكية تجاه إيران وحلت خلافاتها معها؟ أو إذا جاء نظام إيراني معتدل يدعو للتسامح والترابط؟

خاتمة

  • بينما تتعالى الأصوات الأمريكية المندِّدة بالسياسات التوسعية الإيرانية واعتبارها الخطر الأساسي على الاستقرار في الشرق الأوسط، تتبنى واشنطن مواقف سلبية ومحبطة إزاء القضية الفلسطينية، واستمرار الاستيطان الاسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وضم هضبة الجولان السورية، وكلها قضايا صدر بشأنها قرارات دولية واجبة التنفيذ. إن هذا الحماس ربما ينطوي في الحقيقة على رغبة أمريكا في استمرار الدعم العسكري لإسرائيل وصولا إلى تصفية القضية الفلسطينية. وقد أكد كل من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في المؤتمر العربي الأوروبي (24- 25 فبراير 2019م) بمشاركة نحو 50 دولة عربية وأوروبية على أولوية الاهتمام بالقضية الفلسطينية.
  • على الدول العربية ذات القدرات الأمنية والاقتصادية أن تبادر إلى معالجة أزمات وصراعات المنطقة، وفق سياسات تضمن بالدرجة الأولى مصلحة الأمن القومي العربي دون الوقوع في مصيدة المخاطر والتهديدات، خدمة لأجندات من أمريكا أو إسرائيل أو تركيا.
  • ينبغي أن يتضمن التحالف مشاركة دول عربية أخرى تجنبًا للانقسام وسياسات المحاور. وكانت مصر قد طرحت عام 2015م، فكرة إنشاء القوة العسكرية العربية المشتركة لمواجهة التحديات التي تواجه العالم العربي بتقديرات لقوات تصل إلى 40 ألف عسكري من مصر والأردن والسعودية والإمارات والمغرب والسودان. إن أي تحالف استراتيجي أو عسكري بين دول عربية ينطلق من خلفية المصالح الوطنية والقومية لهذه الدول هو ضمان للأمن والسلام.

 

 

كلمات دليلية