انت هنا: الرئيسية جميع المقالاتتقرير خاصالصراع على السلطة أفقد الفلسطينيين القوة والدعم وأزمة الانقسام ليست عارضة

الصراع على السلطة أفقد الفلسطينيين القوة والدعم وأزمة الانقسام ليست عارضة

انشأ بتاريخ: الخميس، 28 آذار/مارس 2019

جاء المشروع الوطني الفلسطيني تعبيرًا عن تمسك الشعب الفلسطيني بحقوقه وأرضه التاريخية للرد على المقولة الزائفة "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض"، وتأكيدًا من الشعب الفلسطيني بهويته الوطنية وحقوقه السياسية والتاريخية التي أكد عليها ميثاق الأمم المتحدة وأهمها حق تقرير المصير، عبر إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف.

ويواجه المشروع الوطني الفلسطيني المتمثل في إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف كأحد أهم مخرجات دورة المجلس الوطني في دورته التاسعة عشرة غير العادية بالجزائر عام 1988م، تحديات وعقبات كثيرة، منها ما يتعلق بفشل مشروع التسوية السياسية عقب انسداد الأفق السياسي بعد صعود اليمين المتطرف لسدة الحكم في إسرائيل وهيمنة كتلة اليمين المتطرف على النظام السياسي في إسرائيل، ومنها ما يتعلق بالوضع الداخلي الفلسطيني في ظل استمرار الانقسام. وسوف يحاول هذا المقال بحث مستقبل المشروع الوطني الفلسطيني في ضوء هذه التحديات والأزمات، من خلال العرض التالي:

أولاً: ماهية المشروع الوطني الفلسطيني

جاء تبلور الهوية الفلسطينية كهوية مستقلة ومنفصلة عن الهوية العربية والإسلامية كردة فعل عن المخاطر المحدقة التي تعرض لها الشعب الفلسطيني مع بداية المشروع الصهيوني في فلسطين مع احتلال القوات البريطانية لفلسطين، وتعززت هذه الهوية الفلسطينية مع تصاعد حدة المواجهة مع الاحتلال البريطاني والمشروع الصهيوني في فلسطين، فمع تزايد مواجهة الهجرة اليهودية وعمليات تسهيل الاستيلاء على الأراضي من قبل سلطات الاحتلال للمهاجرين اليهود، على اعتبار أن المشروع الصهيوني النقيض التاريخي والحضاري والثقافي للهوية الفلسطينية العربية. وكان من ضمن المطالب التي طالب بها الشعب الفلسطيني قبل النكبة هي وقف موجات الهجرة اليهودية وجلاء القوات البريطانية وإعلان استقلال فلسطين أسوة بباقي الدول.

وجاء المشروع الوطني بمفهومة الحالي المتمثل في الحرية والاستقلال وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف مع عودة اللاجئين انعكست لانتفاضة الحجارة 1987م، وتداعياتها على المشهد الفلسطيني بكل مكوناته، فقد أدى اندلاع انتفاضة الحجارة وتوهجها إلى طرح نقاش معمق في الساحة الفلسطينية في إطار مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية حول ضرورة طرح رؤية فلسطينية واضحة لطبيعة الحل المقبول فلسطينيًا، يؤخذ في عين الاعتبار التحولات الدولية والإقليمية بعد خروج الثورة الفلسطينية من بيروت 1882م، وبعد نقاش طويل في ضوء المعطيات الدولية والعربية التي استطاعت انتفاضة الحجارة تحقيقها في ظل موازين القوى وضعف الحالة الفلسطينية خاصةً عقب الخروج من بيروت، لذلك نجحت الانتفاضة في طبع بصماتها الواقعية على قرارات المجلس الوطني في دورته التاسعة عشر التي انعقدت في الجزائر.

 

في 15 نوفمبر عام 1988م, أعلن المجلس الوطني الفلسطيني في اجتماعه بالجزائر قيام دولة فلسطين المستقلة الجديدة، وفي مساء اليوم نفسه، وبعد انتهاء الصلاة في المجسد الأقصى في القدس، تم قراءة إعلان الاستقلال أمام حشد من الناس تأكيدًا على أن القدس الشريف هي عاصمة لدولة فلسطين، ولقد كان قرار المجلس الوطني الفلسطيني بإعلان استقلال دولة فلسطين فوق الأرض الفلسطينية وعاصمتها القدس الشريف، ثمرة من ثمرات الانتفاضة الفلسطينية في الأراضي المحتلة، وبداية لمرحلة جديدة من مراحل نضاله الممتد منذ عام 1920م، من أجل التحرر والاستقلال([1])، حيث تم الإعلان في 15نوفمبر1988م، عن ميلاد الدولة الفلسطينية على أساس القرار 181، وهو القرار الذي منح إسرائيل شرعية وجودها الدولي، وترافق إعلان الاستقلال الوطني مع موافقة المجلس الوطني على الاعتراف بالقرار242 والقرار338، ودعا إلى دولتين لشعبين على أرض فلسطين([2]).

ثانيًا: المشروع الوطني ومأزق التسوية

يضع تعثر عملية السلام وتوقف المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية وامتداد المرحلة الانتقالية من 5 سنوات كما كان منصوص عليه في اتفاق أوسلو إلى أكثر من 25 عامًا، تحديات وعقبات كبيرة أمام المشروع الوطني في طريق إنجاز الحرية والاستقلال من الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف، خاصة في ظل هيمنة كتلة اليمين المتطرف في إسرائيل على الحياة السياسة وتراجع دور اليسار الإسرائيلي صاحب مشروع التسوية عن مقاليد الحكم.

ربط المشروع الوطني الفلسطيني بدرجة كبيرة بمشروع التسوية المستند إلى قرارات الشرعية الدولية، في ظل الانحياز الأمريكي كان ومازال أكبر التحديات التي تواجه هذا المشروع، فرغم أن وثيقة الاستقلال ومقررات المجلس الوطني الفلسطيني في الجزائر شكلت محددات رئيسية للمشروع الوطني القائم على دولة فلسطينية في حدود 1967م، إلا أن أخطر ما نتج عن ربط المشروع الوطني الفلسطيني بقراري242/338، هو افتقاد المشروع الوطني استقلاليته الوطنية، وهي الاستقلالية التي دخلت المنظمة دفاعًا عنها حروبًا كثيرة، فمع التوقيع على اتفاقية أوسلو تم الانتقال من مشروع وطني تحرري مقاوم لمشروع وطني خاضع لشروط تسوية غير متوازنة ([3]).

ورغم أن التسوية السياسية جاءت لكي تلبي أحد مرتكزات المشروع الوطني الفلسطيني، القائم على حق تقرير المصير وإقامة الدولة، وحق العودة، إلا أن انخراط منظمة التحرير الفلسطينية في مشروع التسوية والذي تمخض عنها إقامة السلطة الفلسطينية كخطوة على طريق الدولة لم يأت بالنتائج المرجو منها، وذلك نظرًا لعدة اعتبارات منها تنكر حكومة رابين لاتفاق أوسلو نتيجة ضغوط داخلية مارسها اليمين المتطرف في إسرائيل مستفيدًا من العمليات التفجيرية التي كانت تحدث في قلب إسرائيل من قبل الفصائل الفلسطينية، فقد ساهمت هذه العملية في امتلاك اليمين المتطرف في إسرائيل القدرة على تعطيل عملية التسوية، خاصة عقب اغتيال إسحاق رابين وصعود نتنياهو لسدة الحكم عام 1996م.

لقد بدأت أزمة الحركة الوطنية الفلسطينية (المشروع الوطني) ومجمل النظام السياسي الفلسطيني في التفاقم؛ عندما أتضح أن إمكانية تحقيق المشروع الوطني الفلسطيني تتراجع باستمرار، وذلك لسببين أساسيين ([4]):

الأول: أن الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة اعتمدت سياسة فرض الحقائق على الأرض عبر توسيع وتكثيف الاستيطان وبناء جدار الضم والتوسع، وتقطيع الأوصال بالطرق الالتفافية والمناطق الأمنية والعسكرية ومصادرة الأراضي وإغلاق المناطق بحيث أصبح ويصبح هدف إقامة الدولة الفلسطينية بعيد المنال.

الثاني: إن السياسات والخطط وأدوات العمل الفلسطينية فشلت فشلاً ذريعًا، ولم يتم وضع سياسات وخطط وأدوات عمل جديدة بدلاً منها قادرة على حماية المشروع الوطني والتقدم على طريق تحقيقه.

 

كما ساهم الموقف الغربي على وجه العموم والأمريكي على وجه التحديد في تراجع دافعية عملية السلام، فالموقف الأميركي لما له تأثيره الذي لا يستهان به على المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية، إذ أن الدعم الأميركي المطلق لـ"إسرائيل" وتوفير الغطاء الدائم لاحتلالها وانتهاكاتها وممارساتها ضدّ الشعب الفلسطيني وحقوقه المشروعة ضربه موجعة لمسار التسوية السياسية ([5]).

وتضاعف الموقف الأمريكي سوءًا وانحيازًا لإسرائيل مع دخول الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب البيت الأبيض، واتخاذه مواقف مناقضة للمشروع الوطني والحقوق الوطنية الفلسطينية، عبر إعلانه القدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأمريكية لها، مع وقف تمويل وكالة الغوث بهدف شطب قضية اللاجئين من على طاولة المفاوضات.

ويشكل صعود اليمين الجديد في دولة الاحتلال وتحكمه بالمشهد الإسرائيلي وبوجهته المستقبلية جزءًا من هذه التغيرات، ويعكس صعوده إلى حد بعيد التغيرات الاجتماعية – التاريخية التي مرت بها إسرائيل، ويحمل صعود التيار اليميني المتطرف في إسرائيل في ظل تصعيد المشروع الاستيطاني وتديينه تحديات وعقبات طويلة الأمد أمام مسار التسوية السياسية (([6]. كما شكل إقرار إسرائيل ما يعرف "بقانون القومية" ضربة موجعة أخرى لمشروع التسوية ولعملية السلام.

ويتضمن القانون الإسرائيلي الجديد المثير للجدل أحد عشر بندًا. وينص على أن "حق تقرير المصير في دولة إسرائيل يقتصر على اليهود، والهجرة التي تؤدي إلى المواطنة المباشرة هي لليهود فقط"، وأن "القدس الكبرى والموحدة عاصمة إسرائيل"، وأن "العبرية هي لغة الدولة الرسمية، واللغة العربية تفقد مكانتها كلغة رسمية". ويعرّف القانون، دولة إسرائيل بأنها الدولة القومية للشعب اليهودي، وفيها يقوم بممارسة حقه الطبيعي والثقافي والديني والتاريخي لتقرير المصير، كما يؤكد أن "ممارسة حق تقرير المصير في دولة إسرائيل حصرية للشعب اليهودي.

في المجمل يلغي قانون القومية العنصري الإسرائيلي، الحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني في أرضه، ويحول دون أي إمكانية لعقد تسوية سياسية، قائمة على قرارات الشرعية الدولية، ومبدأ حل الدولتين، كما أنه يعبر عن الطبيعة العنصرية لدولة الاحتلال الإسرائيلي، وينفي أي إمكانية للتوصل لتسوية سياسيةـ تلبي الحد الأدنى من الحقوق الوطنية الفلسطينية.

 

ثالثًا: مأزق المشروع الوطني في ضوء استمرار الانقسام

تعاني الساحة الفلسطينية منذ عدة سنوات من انقسام خطير يتسم بالشمولية، ويدفع المصالح الضيقة لتعلو فوق المصالح الوطنية العليا، ويعيد الحالة الفلسطينية بمضامين مختلفة لحالة الصراع الحزبي التي كانت قائمة قبل عام 1948م، والتي كانت محكومة بالعصبية القبلية والجهاوية، رغم أن الصياغة الشمولية في التنوع الفصائلي تثري الحركة الوطنية الفلسطينية، على أساس التعامل والتكامل، والبحث عن المشترك وتقليل الخلافات، وهذا لا ينفي أحقية كل فصيل في الاحتفاظ ببرنامجه الخاص، ما يضمن العمل لصالح القضية الفلسطينية وإدارة الصراع مع الاحتلال الإسرائيلي([7]). إلا أن ما يحدث هو العكس تمامًا، لأن الصراع على السلطة أفقد الفلسطينيين الكثير من عوامل القوة والدعم العربي والدولي.

الأزمة العميقة التي نزلت بالفلسطينيين وحركتهم الوطنية بسبب الانقسام ليست حادثًا عرضيًا، بل هي نتيجة مباشرة لآليات تاريخية تكثفت بعد إنشاء السلطة الفلسطينية في عام 1994م، وظهرت للعلن في حقبة ما بعد عرفات، وتربط أزمة الحركة الوطنية الفلسطينية بخيارات منظمة التحرير تجاه التسوية السياسية، وكيفية مواجهة المشروع الإسرائيلي، والخيارات المتاحة أمامها في إدارة الشؤون الداخلية الفلسطينية والعلاقة مع إسرائيل والغرب والعالم العربي ([8]).

تشكل معضلة الانقسام تحديًا خطيرًا وتهديدًا مباشرًا للمشروع الوطني الفلسطيني كمشروع تحرري، بالإضافة إلى تباين رؤي ومواقف الفصائل الفلسطينية حول المصالحة الفلسطينية، التي مازالت تراوح مكانها حتى الوقت الراهن، بسبب التجاذبات الحزبية من جانب وبسبب التدخلات الخارجية والارتهان لأجندات خارجية من جانب آخر، فكل ذلك يشكل تحديًا وعقبة أمام توحيد الصف الوطني الفلسطيني عبر إنهاء الانقسام وتحقيق الوحدة الوطنية ([9]).

مأزق الحركة الوطنية الفلسطينية لا يتمثل فقط في عجزها عن تحقيق أهدافها، بل في عدم اعتراف القوى الفاعلة والمقررة والمعنية بمسؤوليتها عن الفشل أيضًا، ومشكلة تلك القوى أنها مازالت غير مدركة تمامًا للتراجع الخطير الذي وصلت إليه، بناها ومكانتها وقدراتها، أو إنها تتجاهل ذلك عن عمد، كما أن تلك الأزمة لم تدفع القوى السياسية الفلسطينية الفاعلة إلى مراجعة نقدية للمرحلة السابقة، واستخلاص استراتيجيات نضالية فاعلة في المرحلة الراهنة، وإنما تبدو هذه القوى فاقدة القدرة على المبادرة وتجيد الاختباء وراء شعارات عامة مكررة لا فائدة لها في توجيه حركة الشعب الفلسطيني في تجمعاته الرئيسية([10]).

رابعًا: مستقبل المشروع الوطني الفلسطيني

في ضوء التحديات الجمّة التي تواجه المشروع الوطني، والتي تتمثل في انسداد أفق التسوية السياسية، واستمرار الانقسام، والتحول في الموقف الأمريكي من قضايا الحل النهائي، وإعلان الرئيس ترامب القدس عاصمة "لإسرائيل" ووقف تمويل وكالة الغوث، وحجب التمويل عن السلطة الفلسطينية لدفعها للعودة للمفاوضات وفق الرؤية الأمريكية، فكل هذه التحديات وغيرها تضع المشروع الوطني الفلسطيني المتمثل في الحرية والاستقلال وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعودة اللاجئين أمام تحديات مصيرية.

في ضوء ما سبق من قراءة وتحليل، يمكن وضع مجموعة من السيناريوهات والمقاربات لمستقبل المشروع الوطني، وهي كالتالي:

سيناريو نجاح المشروع الوطني

رغم وجود تحديات كبيرة وكثيرة أمام المشروع الوطني الفلسطيني، القائم على الحرية والاستقلال وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف، وهي تتمثل في فشل مسار التسوية واستمرار الانقسام الفلسطيني، والتحول في الموقف الأمريكي من أسس عملية التسوية، إلا أن هناك إصرار فلسطيني على التمسك بالحقوق الوطنية الفلسطينية، مواجهة التحديات الكبيرة التي تواجه الحالة الفلسطينية، سواء على مستوى العلاقة مع إسرائيل من خلال مسار التدويل الذي أنتج دولة" مراقب" في الأمم المتحدة عام 2012م، ومراكمة النضال على الساحة الدولية، عبر الحصول على العضوية الكاملة في الأمم المتحدة، أو عبر الانضمام للمنظمات و الاتفاقيات الدولية، أو عبر توحيد الجبهة الداخلية الفلسطينية، من خلال المصالحة الفلسطينية. وهو ما يعزز الوصول لتحقيق للدولة الفلسطينية المستقلة، عبر مجلس الأمن وليس عبر المفاوضات كأحد ركائز المشروع الوطني الفلسطيني.

نجاح الشعب الفلسطيني في الحصول على حقوقه المشروعة الكاملة قد يكون أمر صعب المنال في ظل التحولات الدولية والإقليمية الراهنة، خاصة في صعود التحديات الكبيرة التي تواجه المشروع الوطني والتي أوضحتها الورقة، لكن الإيمان بعدالة القضية والتمسك بالحقوق الوطنية، ورفض الرؤية الأمريكية والإسرائيلية، وتفعيل مكامن القوة الفلسطينية والعربية والدولية، وحشد الرأي العام العربي والدولي لصالح القضية الفلسطينية كفيل بتغيير قواعد اللعبة لصالح الحقوق الوطنية الفلسطينية، حتى لو كان ذلك بنسب متفاوتة.

سيناريو بقاء الوضع الراهن

منذ صعود كتلة اليمين المهيمن في إسرائيل لسدة الحكم بقيادة حزب الليكود والأحزاب اليمينية المتطرفة تحولت مرحلة إنهاء الصراع التي بدأت منذ مؤتمر مدريد عام 1991م، مرورًا باتفاق أوسلو عام 1993م، إلى العودة إلى مرحلة إدارة الصراع، بهدف تغيير الواقع الجوسياسي والديمغرافي على الأرض لصالح إسرائيل بما يخلق حقائق جديدة تنعكس على طاولة المفاوضات في حالة الوصول لتسوية سياسية.

هذه المقاربة الأكثر احتمالية في ظل الظروف والمعيطات الراهنة، بما يعني استمرار الوضع الراهن (إدارة صراع) وليس حله؛ ما يؤكد أهمية الحفاظ على الحقوق الوطنية الفلسطينية، وعدم التنازل والتفريط بها، ومواجهة الموقف الأمريكي والصلف الإسرائيلي، عبر إفشال صفقة القرن، لكن دون الوصول لحلم الدولة الفلسطينية المستقلة، هو أحد أكثر الاحتمالات والسيناريوهات توقعًا، خاصة في ظل انسداد أفق التسوية واستمرار الانقسام وتردي الوضع الفلسطيني الداخلي، والضعف العربي.

سيناريو فشل المشروع الوطني

في ظل التحديات الكبيرة التي تقف أمام المشروع الوطني الفلسطيني، وفي ظل الرؤية الإسرائيلية والأمريكية التي تستند على إقامة دولة فلسطينية هامشية في غزة، مع حكم ذاتي محدود الصلاحيات في الضفة الغربية، ففي حالة نجاح هذا المخطط الذي يندرج في سياق ما يعرف بـ "صفقة القرن"، التي تلبي المطالب الإسرائيلية بشكل كامل؛ ينتهي المشروع الوطني الفلسطيني في الحرية والاستقلال وحق تقرير المصير وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود الرابع من يونيو/ حزيران 1967م، وفق مقررات الأمم المتحدة الشرعية الدولية.

هذا المخطط حذر منه الرئيس محمود عباس أكثر من مرة خلال خطاباته الأخيرة، عندما قال، إن صفقة القرن تعني تنفيذ ما جاء في وعد بلفور الذي تحدث عن الحقوق المدنية للأقلية العربية، وبالتالي في حالة نجاح هذا المشروع "صفقة القرن" يصبح المشروع الوطني الفلسطيني في حكم المنتهي، وهنا يتحمل الجميع مسؤولية استمرار الانقسام الفلسطيني الذي يعتبر مدخلاً حيويًا للقوى الدولية والإقليمية لتصفية القضية الفلسطينية، عبر استغلال الوضع الإنساني المتردي في غزة لتقديم مشاريع دولية، تمهد الطريق لتطبيق الصفقة عبر البعد الإنساني.

الخاتمة

ربطت الورقة بين فشل مسار التسوية من تحقيق أهدافه في الوصول لتسوية سياسية عادلة وشاملة، تفضي لقيام دولة فلسطينية على حدود 1967م، وفق قرارات الشرعية الدولية، وبين استمرار الانقسام الذي وضع المشروع الوطني الفلسطيني أمام مأزق لا يقل خطورة عن فشل مسار التسوية، وأوضحت الورقة حجم المخاطر التي تقف في طريق المشروع الوطني، والتي تتمثل في فشل مسار التسوية السياسية عقب صعود اليمين الإسرائيلي المتطرف لسدة الحكم، وتخليه عن أسس عملية السلام ومحاولته إفراغ العملية من مضمونها، وتكريس الانقسام الفلسطيني عبر الاستفراد بالضفة وغزة كلا على حدة، لتعزيز انفصال الجغرافيا السياسية الفلسطينية، لضرب فكرة إقامة الدولة الفلسطينية، وفي ضوء ما تقدم يمكن التأكيد على النقاط التالية:

-    هناك مخاطر محدقة بالمشروع الوطني الفلسطيني وبحلم الدولة الفلسطينية المستقلة، تتمثل في فشل مسار التسوية، وتعثر مسار المصالحة الفلسطينية بما يعزز إقامة دولة فلسطينية هامشية في قطاع غزة تحت حكم حماس، وفق الرؤية الأمريكية والإسرائيلية، بما يتوافق مع صفقة القرن، ومشروع الرئيس ترامب لإعادة ترتيب الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط.

 

-    وصل المشروع الوطني لمأزق حقيقي عقب فشل مشروع التسوية والمقاومة في تحقيق أهداف المشروع الوطني في الحرية والاستقلال وبناء الدولة الفلسطينية، مع تراجع مستوى الدعم العربي والدولي، في ظل التحولات الكبيرة التي شهدها النظام العربي والدولي خلال السنوات الأخيرة.

-    يمثل صعود اليمين الإسرائيلي وإقراره قانون القومية بمثابة نهاية لمسار التسوية، ما جعل القيادة الفلسطينية تتبنى خيار إعادة تدويل القضية الفلسطينية الذي حقق حصول فلسطين على دولة مراقب في الأمم المتحدة عام 2012م.

 

 

 

 

 

 

 

[1] أبو كريم، منصور، تطور مفهوم المقاومة في الفكر السياسي الوطني الفلسطيني، حركة فتح نموذجاً، رسالة ماجستير، جامعة الأزهر، غزة فلسطين، 2016، ص 150

[2]نوفل، ممدوح، قصة اتفاق أوسلو الرواية الحقيقية الكاملة (طبخة أوسلو) الأهلية للنشر والتوزيع، عمان 1995م، ص19

[3] ابراش، أبراهيم، المشروع الوطني التباس التأسيس وتحديات التطبيق، مجلة السياسات الفلسطينية، معهد السياسات العامة، رام الله فلسطين، 2009م، ص 39

[4] المصري، هاني، أين المشروع الوطني الفلسطيني؟، المركز الفلسطيني لأبحاث السياسات والدراسات الاستراتيجية(مسارات) رام الله فلسطين، 2015، على رابط الموقع التالي: https://goo.gl/L2crKs

[5] صالح، محسن، أزمة المشروع الوطني الفلسطيني، الجزيرة نت، 2012، على الرابط التالي: https://goo.gl/aL77pn

[6]"تقرير مدار الاستراتيجي 2017: المشهد الإسرائيلي 2016، تحرير هنيدة غانم، المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية (مدار) 2017، على الرابط التالي: https://goo.gl/JQXJEZ

 

[7] أبو عامر، عدنان، المشروع الوطني الفلسطيني والمقاومة المسلحة في ضوء الحرب على غزة، مجلة سياسيات، العدد 30، معهد السياسات الفلسطينية، رام الله 2014م، ص 38

[8] غانم، اسعد، نحو مشروع وطني جديد: الفلسطينيون وحق تقرير المصير، المؤتمر السنوي الخامس، المركز الفلسطيني لأبحاث السياسات والدراسات الاستراتيجية(مسارات)، رام الله فلسطين، 2017، ص66

[9] عابد، أمجد، فؤاد، إشكالية الوطني والإسلامي في الفكر السياسي الفلسطيني، رسالة ماجستير، جامعة الأزهر، غزة فلسطين، 2017، ص 159

[10]هلال، جميل، إشكاليات التغيير في النظام السياسي الفلسطيني، بيروت، مجلة الدراسات الفلسطينية، عدد87، صيف 2011م، ص 32

كلمات دليلية

الشركات المعلنة