;
الصفحة السابقة

مخاوف عربية من صعود القارة العجوز للقطبية وسد عجزها من مناطق نفوذها القديمة

انشأ بتاريخ: الإثنين، 04 آذار/مارس 2019

يشهد العالم مرحلة ضبابية من تغير شكل نظام عالمي قائم على القطبية الأحادية وإعادة تشكل نظام عالمي جديد يأخذ سمات نظام متعدد الأقطاب، هذه الضبابية طرحت تحديات في إعادة بناء التحالفات وتشكيل العلاقات الدولية، بل ومحاولة كل دولة أو كيان الاستعداد والجاهزية. هذا هو الوضع الذي يقف أمامه الاتحاد الأوروبي الذي يعاني من عثرات ظهرت مع مسيرات الاحتجاج في فرنسا، وأزمات مالية في اليونان وإسبانيا، وانفصال بريطانيا وما تمثله من وزن في ظل وعود أمريكية بتعويضها، وردة بعض الدول الأعضاء عن الالتزام بمعايير وقواعد الاتحاد... وغيرها من التحديات التي قد تؤثر على التجربة الأوروبية الوحدوية.

هذه الورقة تستعرض وضع الاتحاد الأوروبي وما يقف أمامه من ثغرات وما يطرح أمامه من فرص للصعود كأحد أقطاب النظام الدولي الجديد، مع التطرق للوضع العربي في ظل الرؤية الأوروبية للعالم والمنطقة وما تحتاجه لإعادة بناء مقدراتها.

أولاً: تجربة الاتحاد الأوروبي (عوامل القوة)

من المهم التعرف على مقومات نجاح التجربة منذ اتحاد الفحم والفولاذ عام 1950م، للوقوف على استمرارية هذه المقومات كمحددات للصعود، وأهم المقومات هي:

€      القيادة الداعمة.

€      التعاون الاقتصادي مدخل لتحييد الخلافات.

€      التكاملي التدريجي المرحلي.

€      الاستثمار في عائد التعاون وتعظيمه وإعادة تدويره.

€      التعاون الاقتصادي مدخل للتكامل السياسي والاجتماعي والثقافي والأمني.

€      تطبيق ميثاق الاتحاد والتضامن الاقتصادي (أزمة اليونان مثال).

€      الجدية في الطرح والالتزام بمشروطية الاتحاد الأوروبي.

€      البناء المؤسسي.

€      تحديث أولويات وآليات العمل وفقًا للمستجدات.

€      دعم صنع السياسات عبر دور فاعل لمراكز الفكر.

جاء إعلان الرغبة في الوحدة الأوروبية من قادة للرأي وساسة ومفكرين وشخصيات بارزة من مختلف الدول بلغ عددهم 11 قائدًا، لتحقيق هدف أسمى ألا وهو أوروبا السلمية بعد أن كانت ساحة لحربين عالميتين، وكانت المصلحة الاقتصادية مدخل مقبول من الجميع وبشكل تدريجي وبعد نجاح التعاون تم تعظيمه فمن التعاون في الفحم والفولاذ إلى سوق مشتركة، وإزالة التعريفة الجمركية، مرورًا بانتخاب برلمان أوروبي والشنجن والعملة الموحدة وصولاً للاتحاد الأوروبي، بل والدعوة لإقامة جيش أوروبي مشترك.

وكان لهذا التعاون محددات أولها، الالتزام بمشروطية الاتحاد في مجالات عدة في مقدمتها حكم القانون والمناخ الديموقراطي، ثانيا، تطبيق ميثاق الاتحاد على الأرض، وأكبر مثال التضامن مع أزمة اليونان ودعمها ماليًا ورغم الاختلاف حول هذا الدعم لكنه كان اختبارًا حقيقيًا لتضامن دول الاتحاد ككيان واحد، ثالثها، إنشاء كيانات مؤسسية تتولى ملفات الوحدة وتمثل السلطات الثلاث التنفيذية والتشريعية والقضائية على مستوى الاتحا، الأمر الذي تطلب تحديث دوري لأولويات العمل ورصد التحديات الطارئة عبر مراكز الفكر حيث تحتل أوروبا المرتبة الأولى في عدد مراكز الفكر بالعالم.

ثانياً: أوروبا كقوى صاعدة

صعود أى قطب دولي لابد وأن يكون مرتكزًا على عدد من المقدرات التي تكفل ترتيبه بين غيره من الوحدات المكونة للنظام الدولي وفقًا لمقدرات القوة الشاملة، ومن أبرز المتغيرات التي تشكل قوة الوحدة الدولية إذا نظرنا للاتحاد ذاته كوحدة دولية (القوة الاقتصادية والقوة العسكرية) وإذا نظرنا له كمؤسسة دولية فمن المهم التطرق إلى الالتزام في قواعد السلوك الحاكمة للدول الأعضاء كقواعد مستقرة في علاقات الدول ببعضها.  

وهذا يتطلب دراسة هيكل النظام الدولي خاصة أنه مازال في طور التشكل لدراسة أثر البنيان على سلوك الاتحاد الأوروبي لاحتمالية صعوده كاحد الأقطاب الجديدة عبر الوقوف على شكل التفاعل بينه وبين غيره من القوى المحركة للنظام الدولي، إضافة لدرجة تأثره بالتفاعلات العالمية التي تعتبر جزء أصيل في بنية النظام العالمي كالعولمة وتبعاتها. من هنا سينقسم هذا الجزء إلى ثلاثة أقسام:

أولاً: مقدرات قوة الاتحاد الأوروبي

ثانيًا: بنية النظام الدولي الجديد وتفاعل الاتحاد الأوروبي معها

  • العلاقات مع الوحدات الدولية الصاعدة.
  • العلاقة مع القوى العظمى المسيطرة.
  • أثر التفاعلات العالمية على الاتحاد الأوروبي.

ثالثاً: الفرص الإقليمية أمام الاتحاد الأوروبي ومحددات المكاسب العربية:

أولاً: مقدرات قوة الاتحاد الأوروبي

أ‌.      القيادة:

على الرغم أن من أهم مقومات نشأة الاتحاد هى مبادرة ومساندة القيادات الأوروبية، لكن الأزمات الداخلية تكشف حاليًا عن أزمة قيادة، وبحاجة لظهور قيادة قوية للاتحاد الأوروبي تتوافق مع التوقعات المتزايدة للشباب وتقلل من الشعور بعدم الرضا بين السكان في مختلف الدول الأعضاء.

القوى الأقتصادية:

يعاني الاتحاد الأوروبي بشكل مؤسسي وعلى مستوى الوحدات من مشاكل اقتصادية تؤثر سلبًا على ما يتمتع به من مقدرات، بل وتمتد تأثيراتها إلى عدم الرضا الشعبي، كما يلي:

      I.            تحديات اقتصادية:

o      أزمة منطقة اليورو لها تبعات على النظام المصرفي في أوروبا وأدت إلى حل البنوك المفلسة.

o      انخفاض معدلات النمو بدول الاتحاد ما نتج عنه وصول البطالة ببعض الدول إلى 18.6% (اليونان 2018-النسبة بالاتحاد نفس العام 6.8%)،.

وفي إطار محاولة مجابهة هذه الأزمات الاقتصادية اتخذ الاتحاد الأوروبي عددًا من الخطوات العلاجية أبرزها فيما يلي:

الخطوات العلاجية التي اتخذها

الاتحاد الأوروبي اقتصاديًا في بعض الأعضاء

ورغم تجاوز خطر خروج اليونان من الاتحاد بعد دعمها وانصياعها لاجراءات الإصلاح الاقتصادي، لكن هذا الدعم أوجد الخلافات التي بدأت في الظهور بين الدول الأكبر بالاتحاد:

-       المطالبة بضرورة وجود وحدة سياسية للحفاظ على التكامل في منطقة اليورو.

-       المطالبة بسياسة مالية محددة لمنطقة اليورو (ألمانيا وبعدها هولندا وفنلندا وسلوفانيا وسلوفاكيا).

-       الاستجابة للمطالب ووضع إجراءات اقتصادية لتقوية منطقة اليورو (بالتعاون بين ألمانيا وفرنسا) تطبيق معايير الحوكمة الاقتصادية.

-       تطبيق الإجراءات التصحيحية للتعافي بكل دول الاتحاد الأوروبي عام 2017م، الأمر الذي دفع المفوضية الأوروبية إلى أن تتوقع أن معدل النمو بمنطقة اليورو

    II.            أزمات اقتصادية بالوحدات التابعة:

-         تباين الأداء الاقتصادي لدول الاتحاد؛

o      دول شملها تقرير التنافسية العالمي بالمنتدى الاقتصادي العالمي باعتبارها من أكثر عشرة اقتصادات تنافسية.

o      حالة من الركود مرت بها أوروبا خلال 2007، و2008، و2012-2013م، أظهرت نقاط ضعف اقتصادية عميقة أوضحت أوجه عدم التكافؤ بين الدول الأوروبية.

-         أداء اقتصادي لا يتوافق ومشروطية الاتحاد:

o      عصفت باليونان وإسبانيا وايرلندا وقبرص والبرتغال مشاكل اقتصادية بالغة ما كان مؤشرًا لاحتمالية خروجها من الاتحاد الأوروبي.

o      تعاني إيطاليا من مديونية عالية تعود إرهاصاتها إلى أزمة الكساد العالمي 2008-2009م، أثرت سلبًا على اقتصاد دول الاتحاد وارتفاع المديونية وانخفاض سعر العملة والناتج القومي الإجمالي.

  1. الاعتراض الشعبي على الاجراءات الاقتصادية التصحيحية:

امتد الرفض للسياسات التصحيحية التي وضعها الاتحاد إلى الشعوب، ومن أبرز الأمثلة الحالة الفرنسية، فهناك رفض مجتمعي لسياسات الإصلاح الاقتصادي التي يجريها ماكرون والتي تتوافق مع مشروطية الاتحاد الأوروبي. فرغم تقدير الاتحاد أنه يسير اقتصاديًا في الطريق الصحيح ونجاحه في تقليل عجز الموازنة لأقل من 3%، لكن السترات الصفراء تؤجج الوضع لسوء أوضاعهم المعيشية.

  1. تحديات اقتصادية متوقعة بين الاتحاد والدول الأعضاء:

من أهم هذه التحديات المتوقع أن تثير خلافًا في الصف الأوروبي؛ مناقشة موازنة الاتحاد الأوروبي طويلة الأجل (2021: 2027م) خاصة بعد خروج بريطانيا، وما سيؤدي إلى عجز مالي قدرته مؤسسة بروجر الفكرية خلال المدة المحددة للموازنة بمبلغ 94 مليار يورو

  V.            غياب السوق الرقمية بأوروبا

مازالت أوروبا لم تستفيد من الفرص الرقمية في عصر الثورة الصناعية الرابعة كمورد اقتصادي مهم. فتستطيع تعزيز معدلات النمو عبر إرساء نظام جيد للرقمنة والاتمته مع تقاسم المنافع بشكل عادل بين شرائح المجتمعات.

رأس المال البشري بأوروبا:

يقف الاتحاد الأوروبي أمام تحد خطير يتمثل في القدرة على النفاذ للمجتمعات وتلبية مطالبهم ووضع المعايير القياسية لحماية حقوقهم كحقوق العمال والمستهلكين في ظل تغيرات ديموغرافية تشكل تهديد الجنس الأوروبي ذاته، هذا في ظل ظاهرة الهجرة واللجوء التي تمثل عبأً على كاهل دول الرفاهة وتشكل حجر عثرة أمام تقدمه والتي يمكن طرح أهمها في:

-         تلبية المطالب الشعبية.

-         مشاكل ديموغرافية.

-         العمالة الأوروبية.

-         حقوق المستهلكين وجودة الحياة.

-         الهجرة واللجوء.

ففي ظل نقص عدد السكان تعتبر الحاجة للمهاجرين أمر مهم لمستقبل أوروبا ولكن أية مهاجرين وبأية أعداد وفي أية توقيت؟، كل هذه التساؤلات مطروحة مع ارتفاع معايير سوق العمل الأوروبي.

إشكالية الالتزام من جانب الدول الأعضاء: (إشكالية العضوية)

تثار مشكلة العضوية داخل الاتحاد الأوروبي ولكن بصور مختلفة:

      I.            دولة طلبت الانفصال:

اتفقت بريطانيا مع الاتحاد حول شروط الانفصال بسبب المشاكل الاقتصادية والأعباء المالية، وعدم الرضا عن الآداء الاقتصادي خاصة بين كبار السن والطبقة الوسطى والدنيا، والخوف من العولمة والهجرة.

    II.            تيارات شعبوية مؤثرة:

تنامي قوة الأحزاب السياسية المناهضة للاتحاد الأوروبي.

  1. إشكالية بقاء دول الاتحاد:

لم يعد من البديهي بقاء الدول الأعضاء الأقدم بداخل الأتحاد فمنها ما ينزع نحو الخروج وفقًا للحق الذي كفلته معاهدة لشبونه للدول الأعضاء في المغادرة من الاتحاد الأوروبي.

  1. مطالبات بمزيد من تمتع الدول بسيادتها:

تعترض بولندا والمجر على اتخاذ إجراءات تكاملية أكثر بين دول الاتحاد الأوروبي بحجة تقويض سيادتها والتدخل في شؤونها، ويتحفظان على اتخاذ خطوات تكاملية، أكثر خاصة في قضايا كالهجرة

  V.            عدم الالتزام الديموقراطي من الدول الأعضاء:

تراجعت بعض الدول عن التزامها بالمعايير الديموقراطية كأحد أهم ضمانات ومشروطية العضوية بالاتحاد خاصة دول وسط وشرق أوروبا مما يثير مشاكل بينها وبين غرب أوروبا.

  1. إشكالية التناغم والانسجام مقابل الاتساع:

أي البقاء على الوضع الحالي دون ضم دول جديدة، أو ضم أعضاء جدد لتعويض المشاكل الاقتصادية التي حلت بخروج بريطانيا، كتركيا، وألبانيا وصربيا ويوغسلافيا ولكن تكمن هنا إشكالية القدرة على تكيف هذه الدول مع معايير الاتحاد الأوروبي حال قبول أيا منها خاصة أن كل منها لديه محددات لا تتوافق مع مشروطية الاتحاد الأوروبي.

ب‌.  ظهور قوى فاعلة جديدة داخليًا: صعود الأحزاب السياسية المناهضة للاتحاد الأوروبي.

ظهر داخل دول الاتحاد تيارات مناهضة للاتحاد وهي التيارات الشعبوية المناهضة والمشككة في جدوى منطقة اليورو. وتتواجد هذه التيارات في 13 دولة من 27 دولة بالاتحاد الأوروبي وهي "النمسا، والتشيك، والدينمارك، وفينلندا، وفرنسا، وألمانيا، واليونان، والمجر، وإيطاليا، وهولندا، وبولندا، وإسبانيا، والسويد" وحصلت هذه الأحزاب في انتخابات 2014م، على نتائج جيدة جدًا تعكس شعبيتها في المجتمعات الأوروبية، فشغلت 25% من مقاعد الاتحاد الأوروبي البالغ 751 مقعدًا في البرلمان الحالي، والتساؤل حول إجمالي عدد المقاعد الممكن أن تشغلها فى انتخابات مايو 2019م.

وهذه الأحزاب منها أقصى اليمين ومنها من هو أقصى اليسار، وتختلف درجة رفضها للوحدة الأوروبية فمنها من يرى إمكانية إصلاح الاتحاد الأوروبي واتساعه، ومنها من يرى نهاية منطقة اليورو أو نهاية الاتحاد الأوروبي ذاته. وهذه الأحزاب دفعت نحو البريكست في بريطانيا جراء استفتاء حول الاستمرار في عضوية الاتحاد الأوروبي. وفي فرنسا تدعو الجبهة الوطنية بقيادة ماري لوبان إلى استفتاء فرنسي على استمرار عضوية فرنسا في الاتحاد الأوروبي ورغم موقعها بالمعارضة لكنها تلعب دورًا خلال حركة السترات الصفراء.

ورغم صعود هذه القوى، مازالت لا تمثل إلا ربع سكان أوروبا فتشير استطلاعات الرأي العام وفقًا لتقرير صادر عن الكونجرس الأمريكي في ديسمبر 2018م، أن المواطنين الأوروبيين مازالوا يؤمنون بأهمية الاتحاد والتكامل فيرى 68% أن دولهم استفادت من البقاء داخل الاتحاد والدليل أن هذه التيارات لم تحرز ما أملت فيه في انتخابات 2017م، في فرنسا وهولندا.

ت‌.  المقدرات الأمنية والعسكرية:

يتفق قادة دول الاتحاد والشعوب على إدراك المخاطر الأمنية التي تهدد الأمن والسلم الداخلي:

-         عدم تخفيض الإنفاق على الأمن والدفاع في أوروبا عن 2% من الناتج القومي الإجمالي للدولة.

-         تلاقي الرؤى حول التحديات الأمنية وتعكس أهمية تلك الاعتبارات بل وصحتها، وقد رصدوا أبرز التحديات خلال استراتيجية الأمن الداخلي الأوروبي، التي وضعتها كل من المفوضية الأوروبية والبرلمان الأوروبي على مدار عقد من الزمن (استراتيجية 2010-2014، واستراتيجية 2015-

-         ترتبط التحديات بالعولمة وتلاشي الحدود، وتعاني أوروبا وفقًا للاستراتيجية من الجريمة الدولية المنظمة وشبكات المافيا والاتجار غير المشروع بالمخدرات من أنواع الجرائم العابرة للحدود، وكذا الإرهاب خاصة أن علاقة أوروبا بالارهاب ليس فقط كهدف ولكنها مصدر للكوادر البشرية حيث انضم العديد من الشباب الأوروبين لتنظيم داعش للحرب في الأراضي العربية لإقامة ما يسمى بالدولة الإسلامية، والجرائم السبرانية وصعوبة حماية أمن البيانات، ثم تأتي حماية الحدو، ثم مواجهة الكوارث والأزمات وتغير المناخ.

من الجدير بالذكر، أن عدد الإرهابين الأوروبيين المشاركين في "داعش" بلغ 5000 و6000 سافروا للحرب في روسيا والعراق كمجاهدين منذ عام 2011م، وهم من بلجيكا، فرنسا، ألمانيا، المملكة المتحدة وقليل من النمسا والدينمارك وهولندا والسويد حيث يمثلون ما بين 25: 30 % وجزء من أسباب هذه المشكلة هى المشاكل التي يواجهها الجيل الثاني والثالث من أبناء المهاجرين.

-         نداءات الرئيس ماكرون لتشكيل"جيش أوروبي" تؤكد على الحاجة إلى تعزيز القدرات العسكرية الأوروبية في مواجهة عدم اليقين المتزايد حول دور أمريكا المستقبلي. وهذا ما دعمته المستشارة الألمانية ميركل.

ومع اعتراض واشنطن على ذلك، اتخذت أوروبا إجراءات وقائية لتأمين نفسها منها:

-         الاستعداد لمعالجة التحديات الإقليمية والدولية اعتمادًا على قدراتها دون الارتكان لأمريكا.

-         إبرام اتفاقات تجارية مع شركاء على خلاف مع أمريكا لتعدد قدراتها ومصادر قواها مثل كندا واليابان وأمريكا اللاتينية بل إن الحزام والطريق منفذ للتعاون وبناء المقدرات.

ع. إشكالية بناء سياسة خارجية موحدة:

تختلف الدول الأوروبية حول سياسة خارجية موحدة، خاصة بين دول أوروبا الشرقية والغربية وزاد الأمر مع تولي ترامب واتخاذه قرارات بالغة الأثر بشأن مواقف الدول الأوروبية ومن أبرزها العدوان الثلاثي على سوريا في أبريل 2018م، الذي قادته أمريكا بمشاركة فرنسا وبريطانيا رغم معارضة ألمانيا.

ثانيًا: بنية النظام الدولي الجديد وتفاعل الاتحاد الأوروبي

أ‌.      العلاقات مع الوحدات الدولية الصاعدة

يكمن تحدي القوة الصاعدة ليس فقط باختلاف توجهاتها السياسية عن التوجهات الغربية عامة ولكن الأمر الأهم وهو كيفية إدارة العلاقات مع هذه الدول في ظل إشكالية التصعيد مع واشنطن:

      I.            الصعود الروسي:

تخشى أوروبا من الصعود الروسي؛ في ظل الصراع المستمر مع أوكرانيا والصدام العسكري من فترة لأخرى، فالاتحاد يدعم التحول السياسي في أوكرانيا ويرفض التدخل الروسي في دعم الانفصاليين. ورغم ذلك تؤمن أوروبا أن روسيا كيان كبير لا يمكن تجاهله، وهذا التحدي يكمن في حسن إدارة العلاقة مع روسيا خاصة أن كثيرًا من الدول كألمانيا وإيطاليا لديها علاقات تجارية مع روسيا وبعض القادة الأوروبين يرون أن حل التحديات الدولية مهم لحل النزاعات الدولية بما فيها الصراع بسوريا.

    II.            الصعود الصيني:

يمثل الصعود الصيني كثاني أكبر اقتصاد عالمي تحدي أمام أوروبا خاصة أن التفسير الغربي لصعود الصين بأنه إمبريالية جديدة في ظل اختلاف القيم الصينية عن معايير الديموقراطية الأأوروبية.

ومع ذلك تنظر أوروبا للصين كشريك في ظل الحزام والطريق والربط بخطوط السكك الحديدية بين أوروبا وآسيا الوسطى وما يحمله من فرص اقتصادية لأوروبا، لذا بلغ عدد الدول الأعضاء بالمبادرة 18 دولة. ومن ثم تعتبر إدارة العلاقات الصينية الأوروبية من أبرز التحديات لما تحمله من فرص وأعباء في الوقت ذاته.

ب‌.العلاقة مع القوى العظمى في بنية النظام العالمي الحالي: جاء تولي ترامب ليفتح المجال أمام تحد جديد لقادة الاتحاد الأوروبي في ظل مواقفه السلبية تجاه أوروبا، ما جعل القادة الأوروبيين يشعرون بالشك في مستقبل العلاقة مع واشنطن. وكرد فعل لهذا التوتر ثار الخلاف بشأن الرغبة الأوروبية لإنشاء جيش أوروبي موحد وفقًا لإعلان الرئيس الفرنسي ماكرون والدعم الألماني للمقترح، ما يعكس اختلاف الأولويات الأوروبية مقابل الأمريكية بشأن التعامل مع التهديدات الأمنية والرغبة في مزيد من التعاون والتكامل في مجال الدفاع والأمن.

ت‌.  أثر التفاعلات العالمية على الاتحاد الأوروبي

تتأثر أوروبا بالتفاعلات العالمية ويأتي في مقدمتها العولمة وتبعاتها الاقتصادية والسياسية، وكذا الظاهرة العالمية لتغير المناخ:

      I.            العولمة وتأثيراتها:

تختلف تأثيرات العولمة على أوروبا حيث مثلت عبئًا وفرصة في الوقت ذاته:

  1. العبء، العولمة: أثرت الأزمة الاقتصادية العالمية سلبًا على الاقتصادات الأوروبية وتسببت في العديد من المشكلات والأعباء على كاهل الدول.
  2. الفرصة، العولمة السياسية: تحاول أوروبا استخدام موقعها وعضويتها في العديد من المنظمات الدولية للضغط لتحتل مكانة عالمية أكبر.

    II.            ظاهرة لتغير المناخ:

تواجه أوروبا إشكالية وضع سياسات فعالة في التصدي لتغير المناخ، عبر دفع عجلة الاقتصاد القائم على تقليل نسبة انبعاثات الكربون وتشجيع أمن الطاقة لعلاج تغير المناخ مما يثير مخاوف حول اليقين الجغرافي السياسي ويدق ناقوس الخطر بشأن الوصول للموارد والطاقة.

مما سبق يمكن القول، أن بنية النظام الدولي تمثل تهديدًا أمام الاتحاد الأوروبي حيث يشهد العالم تغير مقدرات القوى في ظل صعود أسهم قوى وخسوف أسهم أخرى، وفي ظل ضبابية الوضع الحالي يقع على كل دولة أو كيان عبء أن تحتل مكانة مميزة داخل النظام العالمي الجديد. فمستقبل الاتحاد الأوروبي قائم ومستمر لكن احتمالية صعوده كقطب دولي ضمن بنية النظام العالمي متعدد الأقطاب أمر لا يمكن حسمه إلا من خلال دور أوروبي قادر على مواجهة مشاكله الداخلية والقدرة على إدارة التحديات مع الوحدات الدولية الصاعدة والحليفة وإعادة بناء قواها الاقتصادية والاتفاق على سياسة خارجية موحدة، متمسكة مع مبادئ الاتحاد كي لا تواجه أزمة أيديولوجية إذا كانت النفعية هى الملجأ وليس القيم الحاكمة.

المخاوف تقع على كاهل المنطقة العربية بالأساس في ظل فقر الموارد بالقارة العجوز وريثة الاستعمار، ومخاوفها من المستقبل فهل سيكون مواجهة العجز على حساب مناطق النفوذ القديمة. هذا ما سيحاول الجزء التالي طرحه.

ثالثًا: الفرص الإقليمية أمام الاتحاد والمكاسب العربية:

هذه المرحلة من أخطر المراحل في تاريخ المنطقة العربية، فنحن أمام وضع ضبابي، قوى كبرى تحاول استعادة نفوذها وإعادة بناء قواها لتصعد ضمن النظام العالمي الجديد. وفي ظل نقص الموارد الذي تواجهه تلك الكيانات وجب على المنطقة العربية الاستعداد لمواجهة أية تغيرات قد تمس أمنها أو تهدد استقرارها وتعد العدة لكيفية إدارة التحالفات الجديدة كي لا تخسر قوى على حساب أخرى وأن تزيد من هامش حرية الحركة والمنافع والمكاسب المتوقعه.

أ‌.       المنظور الأوروبي للمنطقة العربية

شكلت الأزمات التي تمر بها المنطقة -كحالة عدم الاستقرار ببعض الدول والحرب الأهلية بسوريا واليمن وتفكك وضع ليبيا، علاوة على الإرهاب داخل عدد من الدول العربية-تحدي أمام الاتحاد الأوروبي وفرصة في ذات الوقت:

التحدي:

-       الهجرة واللجوء: لم تكن أوروبا بمعزل عن موجة عدم الاستقرار في المنطقة المحيطة بها فمع حدوث ثورات الربيع العربي زادت نسبة الهجرة واللجوء.

-       الإرهاب: انغماس العديد من الشباب الأوروبي في تنظيم داعش كإرهابيين يحاربون على الأرض العربية من أجل إقامة ما يسمى بالدولة الإسلامية

الفرصة:

-       التعاون لمكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة والهجرة غير الشرعية.

-       الاستثمار في العديد من الدول تمثل فرصة جيدة للشراكة الأوروبية العربية.

-       إنجاز بنى التحتية في العديد من الدول العربية خاصة دول الخليج.

الدول العربية شريك مهم لأوروبا وأية تأثيرات بها ستؤثر بالتبعية على الوطن العربي. ولكن حدود التأثير قد تطرح رأيان أحدهما متشائم وأخر إيجابي مع الحذر والاستعداد.

وفي الختام يقتضي النظر لعدد من التساؤلات كمحددات لأي تعاون مستقبلي عربي ــ أوروبي من منطلق السيادة والمنفعة المتبادلة واستقرار الأوضاع بالمنطقة أساس الأمن والاستقرار الأوروبي فالأمن العربي ظهير للأمن الأوروبي والعكس صحيح مع طرح عدة أسئلة:

€      ما مدى إمكانية مراجعة السياسة الأوروبية للمنح والمساعدات للدول العربية.

€      ما هو مستقبل اللاجئين وأبناء اللاجئين.

€      ما هو مستقبل أبناء الدواعش دون أي طرح عن عودة "التأبين"

€      كيفية إعادة بناء الدول العربية المنهارة دون استيلاء على مواردها.

€      كيف يمكن تحقيق استقرار للمنطقة مع حل عادل للقضية الفلسطينية.

€      هل يمكن أن يكون النظام العالمي الجديد فرصة للتعاون والتكامل العربي الأوروبي.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*-مدرس العلوم السياسية والدراسات المستقبلية – معهد التخطيط القومي ـ عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية

 

 

 

 

كلمات دليلية