;
الصفحة السابقة

الجيش الأوروبي الموحد: بين الضرورات والممانعات الأوروبية

انشأ بتاريخ: الإثنين، 04 آذار/مارس 2019

"حان الوقت للأوروبيين لتشكيل جيش أوروبي حقيقي، ويجب أن نحمي أنفسنا من الصين وروسيا وحتى من الولايات المتحدة" تصريحات أدلى بها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قبيل مراسم إحياء الذكرى المئوية للهدنة التي وضعت نهاية للحرب العالمية الأولى، وعلى الرغم من أنها ليست المرة الأولى التي يثار فيها مقترح تأسيس جيش أوروبي موحد للدول الأوروبية التي كانت - ولاتزال- تحظى بمظلة حلف شمال الأطلسي" الناتو"  وذلك منذ تأسيس الحلف عام 1949م، وحتى الآن، فإن توقيت ومضامين ذلك المقترح قد أوجد ليس فقط جدلاً كبيرًا وإنما انتقادات جاءت سريعًا من جانب الرئيس الأمريكي دونالد ترمب من خلال سلسلة من التغريدات أوردها في هذا الشأن إذ وصف الاقتراح الفرنسي بأنه" مهين للغاية" وأضاف " ربما يتعين على أوروبا أولاً أن تدفع نصيبها العادل في حلف الناتو الذي تدعمه الولايات المتحدة بشكل كبير"، ومع إثارة ذلك المقترح تباينت ردود أفعال الدول الأوروبية بشأنه ما بين أقصى التأييد والرفض، فضلاً عن وجود مواقف تتسم "بالضبابية"، الأمر الذي أثار تساؤلاً رئيسيًا مؤداه: هل يعد المقترح الفرنسي ضرورة استراتيجية أم أنه لا يعدو كونه ممانعة أوروبية لسياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب والتي تراها الدول الأوروبية تعكس حالة من الافتراق لا الوفاق مع مصالحها؟  وضمن هذا التساؤل العام تثار ثلاثة تساؤلات: أولها: ما هي مضامين ذلك المقترح والعوامل التي أدت إليه؟ وثانيها: هل لدى الدول الأوروبية مقومات لتأسيس جيش موحد؟ وثالثها: ما هي معوقات تنفيذ المقترح الفرنسي؟  

 

أولاً: مضامين المقترح الفرنسي والعوامل التي أدت إليه  في الخامس عشر من نوفمبر 2018م، وخلال مقابلة مع إذاعة "أوروبا1" الفرنسية قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون "لن نكون قادرين على حماية الأوروبيين إذا لم نقرر إنشاء جيش أوروبي حقيقي" وأضاف" يجب أن يكون لدى أوروبا القدرة على حماية نفسها بمفردها، حتى بدون مساعدة الولايات المتحدة" وأضاف"علينا أن ندافع عن أنفسنا من الصين وروسيا، وحتى من الولايات المتحدة"، وقد جاء رد الفعل الأمريكي سريعًا بشأن ذلك المقترح حيث وصف الرئيس الأمريكي دونالد ترمب ذلك المقترح بأنه" مهين للغاية" وأضاف " ربما يتعين على أوروبا أولاً أن تدفع نصيبها العادل في حلف الناتو و الذي تدعمه أمريكا بشكل كبير" بيد أن تلك الانتقادات لم تثني الرئيس الفرنسي عن إعادة طرح الفكرة مجددًا وإن كان بشكل أقل حدة حتى لا تبدو وكأنها موجهة ضد حلف الناتو أو الولايات المتحدة الأمريكية، ففي خطابه أمام مجلس النواب الألماني في الثامن عشر من نوفمبر 2018 م، أعاد الرئيس الفرنسي طرح الفكرة مجددًا بالقول" أن هناك حاجة إلى أن تكون أوروبا أكثر قوة وأوفر سيادة، وأنه يجب على الثنائي الفرنسي-الألماني تحمل مسؤولياته من أجل منع العالم من الانزلاق نحو الفوضى ومواكبته على طريق السلام"، ومع أن الرئيس الفرنسي لم يشر بشكل محدد إلى ماهية ذلك المقترح بل أورد أسباب الحاجة لوجود مثل ذلك الجيش، فإنه بتحليل  مضمون تلك الدعوة نجد أنها تحمل بين طياتها دلالات عديدة أولها:  مع أن مساعي أوروبا لتأسيس هوية أمنية مستقلة عن الولايات المتحدة والمظلة الأطلسية عموماً قد أثيرت منذ سنوات خلت فإن إعلان بريطانيا الخروج من منظومة الاتحاد الأوروبي يعد عاملاً مهمًا في تفسير إعلان فرنسا ذلك المقترح حيث أن التنافس هو السمة التي تميز علاقات الدول المحورية في الاتحاد وخاصة بين كل من فرنسا وألمانيا، ذلك التنافس الذي عبر عن ذاته غير ذي مرة إبان حقب سابقة حول تولي اللجان السياسية والأمنية داخل الاتحاد ولكن ربما أراد الرئيس الفرنسي الإمساك بزمام الأمور داخل منظومة الاتحاد من خلال إثارة ذلك المقترح، وثانيها: أن إثارة فرنسا لذلك المقترح في هذا التوقيت تعكس ممانعة أوروبية للسياسات التي انتهجها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب  والذي بدا أكثر افتراقًا عن حلفائه الأوروبيين ابتداءً بانتقادات الرئيس ترمب الحادة للدول الأوروبية بشأن ضرورة انتظامها بزيادة مساهمتها العسكرية في حلف الناتو من خلال النسبة المقررة للإنفاق العسكري وهي 2% من الناتج المحلي الإجمالي، ومرورًا  بانسحاب ترمب من بعض الاتفاقيات الاقتصادية الدولية، وظهور خلاف علني مع الشركاء الأوروبيين إبان  اجتماعات مجموعة الدول الصناعية السبع في يونيو 2018م،  وانتهاءً بقرار ترمب الانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران وكذلك الانسحاب الأمريكي من سوريا، وجميعها مؤشرات رأت الدول الأوروبية أنها تعكس تصدعًا كبيرًا في العلاقات مع الولايات المتحدة، وثالثها: أنه ليس بالضرورة أن يكون التوجه نحو تأسيس أطر أمنية أو دفاعية جديدة مرتبطًا بالصراع مع  تحالفات أو أطر أخرى مماثلة، فحلف الناتو الذي يعد منظمة دفاعية بالأساس بدأ في تطوير سياساته خلال حقبة ما بعد انتهاء الحرب الباردة من أجل الانخراط في مواجهة التحديات الأمنية التي تواجه الأعضاء والشركاء على حد سواء وإذا ما نظرنا إلى الاتحاد الأوروبي نجد أنه يواجه العديد من التحديات الأمنية ومنها الإرهاب التقليدي والإلكتروني وكذلك الهجرة غير الشرعية والتي كانت نتيجة للأزمات الإقليمية المزمنة التي تشهدها المنطقة العربية منذ عام 2011م، وحتى الآن .   ومع أهمية ذلك المقترح فقد لوحظ وجود تباينات في توجهات أعضاء الاتحاد  الأوروبي بشأنه ما بين التأييد والمعارضة أوعدم إيلاء المقترح اهتمامًا ملحوظًا، ففي الوقت الذي رحبت فيه  المستشارة الألمانية إنجيلا ميركل بذلك المقترح بالقول"يبنغي العمل على هذه الرؤية التي تستهدف إنشاء جيش أوروبي حقيقي في يوم ما" وأضافت" أن هذا الجيش يمكن أن يكون استكمالاً جيداً لحلف الناتو"، نجد أن مارك روت رئيس الوزراء الهولندي قال أن الدعوة سابقة لأوانها وأن الناتو سيظل حجر الزاوية في تولي شؤون الدفاع عن الدول الأوروبية، بينما رفض كلاوس هيورت فريدركسن وزير الدفاع الدنماركي المقترح بالقول" إن بلاده أعربت عن رفضها الصريح لفكرة الجيش الأوروبي الموحد"،  ومن جانبه رفض بيتر هولتكفيست وزير الدفاع السويدي المقترح الفرنسي بالقول "إننا لا نرى ضرورة في أن تصبح هذه القضية جزءًا من مهام الاتحاد الأوروبي"، أما الأمين العام لحلف الناتو ينس ستولتنبرج فقد رفض المقترح الفرنسي ارتكازًا على حجتين الأولى: أن وجود جيش أوروبي موحد يعني المساس بالعلاقات  القائمة بين ضفتي الأطلسي في إطار حلف الناتو،  وهو المعنى ذاته الذي أشارت إليه كيتي ويلبارجر مسؤولة الأمن الدولي لدى وزارة الدفاع الأمريكية بالقول" ندعم المبادرة الأوروبية شريطة أن تكون مكملة ولا تنتقص من أنشطة واحتياجات حلف الناتو، وهي تصريحات يجب أن تؤخذ بالاعتبار وخاصة أن الولايات المتحدة الأمريكية تسهم بحوالي 72% من ميزانية حلف الناتو، والثانية: أن تأسيس ذلك الجيش من شأنه أن يؤدي إلى ازدواجية في البنى العسكرية إذ ستكون أوروبية من جهة وأطلسية من جهة أخرى بما يعني صعوبة إدارتها بشكل عملي، وما بين التأييد أو الرفض الصريح كانت هناك مواقف تبدو أكثر ضبابية عبرت عنها مارجريتا روبلز وزيرة الدفاع الإسبانية التي قالت" تقدر الحكومة الإسبانية كل ما يساهم في تعزيز الاتحاد الأوروبي" وأن هذا المشروع يتعين أن يتم ضمن أقصى قدر من التعاون والتكامل بين الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو"، وعلى الجانب الآخر وبالنظر إلى الصراع الممتد بين روسيا وحلف الناتو في جبهات عديدة فلم يكن أمرًا مستغربًا أن يعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين تأييده لذلك المقترح والتي رآه "خطوة إيجابية نحو عالم متعدد الأقطاب" إلا أن ذلك الموقف الروسي لا ينفصل عن الصراع الروسي-الأطلسي في جبهات عديدة وبالتالي فإن دعم روسيا لتلك الفكرة من منطلق أنها ستكون "بديلاً عن حلف الناتو" . وأخذًا في الاعتبار أن القرارات الاستراتيجية لا يمكن تفسيرها من منظور واحد حيث تكون نتيجة لعدة اعتبارات فإن هناك ملاحظات ثلاث يمكن استنتاجها من مضمون وتوقيت إعلان تلك الفكرة:الأولى: أن سعي فرنسا لتأسيس بديل ذاتي أوروبي للأمن لم يكن أمرًا جديدًا ففي عام 1966م، أعلنت فرنسا انسحابها من قيادة حلف الناتو وذلك احتجاجًا من الرئيس الفرنسي السابق شارل ديجول على دور الولايات المتحدة داخل الحلف. والثانية: أنه بوجه عام يمكن التمييز داخل المنظومة الأوروبية بين دول أوروبا الغربية وهي الأكثر حماسًا لتلك الفكرة ودول أوروبا الشرقية حديثة العهد بعضوية الناتو في أعقاب تفكك الاتحاد السوفيتي السابق والتي لا ترى بديلاً فعالاً عن الحلف في الحفاظ على أمنها والتي ازدادت مخاوفها في أعقاب ضم روسيا شبه جزيرة القرم عام 2014م، والثالثة: أن المقترح الفرنسي يعكس ما آلت إليه العلاقات بين ضفتي الأطلسي ليس فقط على صعيد القضايا الدفاعية بل من خلال قضايا أخرى خلافية بين الجانبين.

 ثانيًا: مقومات الدول الأوروبية لتأسيس جيش أوروبي موحد  على الرغم من أن خبرة الدول الأوروبية بشأن الدفاع الذاتي لاتزال محدودة مقارنة بخبرة حلف شمال الأطلسي" الناتو" عمومًا والولايات المتحدة الأمريكية على نحو خاص، فإن ذلك لا يعني أن تلك الدول لم يكن لديها اهتمام بتأسيس هوية أمنية على غرار الهوية السياسية التي يعبر عنها الاتحاد الأوروبي كأحد أهم منظومات الأمن الإقليمي الراهنة في العالم.فمع أن الاتحاد الأوروبي أنشئ في البداية لتحقيق أهداف اقتصادية تمثلت في الجماعة الأوروبية للصلب والفحم عام 1951م، فقد كان هناك مقترحًا فرنسيًا لإنشاء ما يسمى" بمجموعة الدفاع الأوروبي" وفي عام 2009م، أثيرت فكرة تأسيس دفاع أوروبي مشترك، وانطلاقًا من أن التحدي يخلق الاستجابة ففي أعقاب قيام روسيا بضم شبه جزيرة القرم طالب جان كلود يونكر رئيس المفوضية الأوروبية بضرورة تأسيس جيش أوروبي مشترك، وفي عام 2017م، وقعت  23 دولة من دول الاتحاد الأوروبي على اتفاقية "بيسكو" والتي استهدفت تعزيز التعاون في مجال الدفاع من أجل التطوير المشترك للقوات والأسلحة في دول الاتحاد فيما عرف" بالتعاون العسكري المنظم"  وتضمنت 20 التزامًا بشأن الدفاع المشترك والتي تعد ملزمة قانونًا للدول الموقعة عليها، وتضمنت تطوير معدات ضمن 50 مشروعًا للتعاون الدفاعي، و إنشاء صندوق لدعم صناعة الدفاع في دول الاتحاد بميزانية تقدر ب 5,5 مليار يورو سنويًا والذي استهدف تطوير قدرات أوروبا عسكريًا من أجل جعلها أكثر استقلالية عن المظلة الغربية المتمثلة في حلف الناتو والولايات المتحدة الأمريكية،الجدير بالذكر أن دول الاتحاد الأوروبي قد أعلنت في مارس 2017م، إنشاء مركز مشترك للقيادة وإدارة مهام التدريب العسكري لقوات الاتحاد الأوروبي غير القتالية في الخارج، وعلى الرغم مما أثير من جدل بشأن طبيعة ذلك المركز وعما إذا كان سوف يقوض عمل حلف الناتو قالت فيديريكا موجيرني الممثلة العليا للأمن والسياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي " إن استخدام مصطلح القيادة المشتركة لايعني أن هناك جيشًا مشتركًا بل هو فقط المصطلح الأنسب لوصف طبيعة العمل العسكري الذي سوف تنفذه هذه القيادة المتمركزة في بروكسيل عاصمة الاتحاد الأوروبي والتي سوف يشرف عليها 30 شخصًا"، بالإضافة إلى اقتراح فرنسا في يونيو 2018م، تأسيس "مبادرة التدخل الأوروبية " والتي تتكون من تسع دول وهي: فرنسا وألمانيا وبلجيكا والدنمارك وإستونيا وهولندا والبرتغال وإسبانيا" بالإضافة إلى بريطانيا  تلك القوة التي  يمكنها التحرك خلال الأزمات من خلال تنفيذ عملية عسكرية مشتركة وعمليات إجلاء خلال الحروب وتقديم مساعدات إبان وقوع كوارث طبيعية، من ناحية أخرى  فقد خصصت مفوضية الاتحاد الأوروبي ميزانية هائلة للدفاع بلغت 28 مليار يورو ضمن ميزانية 2021-2027م، بالإضافة إلى المساهمات الأمنية الخارجية للاتحاد الأوروبي والتي يمكن أن تعد أساسًا يمكن البناء عليه ضمن مساعي تأسيس جيش أوروبي موحد ومن ذلك إطلاق الاتحاد الأوروبي لعملية" صوفيا" في عام 2015م، من أجل مواجهة شبكات تهريب المهاجرين في جنوب البحر المتوسط، وتدريب  خفر السواحل وطواقم البحرية الليبية وقد تم تمديد مهمة تلك القوات حتى 31 مارس 2019م، فضلاً عن مشاركة الاتحاد الأوروبي في عمليات مكافحة القرصنة في القرن الإفريقي فيما عرف بمهمة "أتلانتا" والتي بدأت في عام 2008م، ولاتزال حتى الآن. 

 

ثالثًا: معوقات تنفيذ مقترح الجيش الأوروبي الموحد مع وجاهة المقترح الفرنسي بل أنه من الطبيعي أن تتطور تنظيمات الأمن الإقليمي إلى أطر أكثر تكاملاً وخاصة على الصعيد الدفاعي فإن هناك معوقات عديدة تواجه تنفيذ ذلك المقترح:  الأول: المدة الزمنية التي سوف يستغرقها تنفيذه والتي ربما تتراوح وفقًا لبعض التقديرات ما بين 10 إلى 20 عامًا إذ يتعين الاتفاق على عقيدة دفاعية موحدة، وتعزيز التعاون الدفاعي وهي متطلبات ضرورية في هذا الشأن. والثاني: عدم  وضوح الفكرة حتى الآن والهدف منها، حيث أشارت بعض التقارير إلى أنه ربما تستهدف فرنسا البدء بتأسيس "قوة تدخل  للتعامل مع الأزمات" في بعض مناطق الصراعات التي للدول الأوروبية مصالح جوهرية فيها ،إلا أنه لوحظ معارضة ألمانيا لتلك الفكرة حيث يتعين من المنظور الألماني أن تكون تلك القوة جزءًا من بنية الاتحاد الأوروبي،  كما أن تأسيس جيش أوروبي موحد لمواجهة التهديدات الروسية على سبيل المثال يحتاج إلى خطة استراتيجية متكاملة بشأن عدد الفرق والألوية والتجهيزات  وجميعها متطلبات ربما لا تتوافر في الوقت الراهن لدى الدول الأوروبية ،فعلى الرغم من أن أنظمة التسليح لدى الدول الأوروبية مجتمعة تفوق ما لدى الولايات المتحدة الأمريكية بحوالي ستة أضعاف فإن المسألة ليست عددية فحسب، بل ترتبط بمدى التنسيق بين تلك القوات وقد يتطلب ذلك إقرار تشريعات جديدة من جانب برلمانات الدول الأوروبية والتي ربما يكون لديها تحفظات على مشاركة القوات العسكرية لدولها في الخارج، فضلاً عما يتطلبه ذلك من تغيير العقيدة العسكرية لبعض دول الاتحاد التي تنتهج مبدأ الحياد العسكري ولا ترغب في الانضمام لتحالفات وربما ترى أن تلك الفكرة من شأنها تأجيج الصراع ما بين الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، بالإضافة إلى المتطلبات الاقتصادية لتأسيس ذلك الجيش  وهو أمر يبدو من الصعوبة بمكان في ظل الأزمة الاقتصادية التي تواجهها الدول الأوروبية في الوقت الراهن، ناهيك عن وجود قضايا خلافية بين دول الاتحاد ليس أقلها التعامل مع المهاجرين غير الشرعيين والتي كانت سببًا في تنامي التيارات الشعبوية في الدول الأوروبية وهي خلافات تؤثر بشكل مباشر على خطوات الاتحاد نحو التكامل ومن ثم على أي توجهات بشأن وجود إطار دفاعي موحد وخاصة صعيد آلية اتخاذ القرارات الاستراتيجية بشأن الدفاع المشترك وهل ستكون من خلال الإجماع أم أنه ستكون هناك حاجة لصيغة أخرى ؟، كما أن قضية وفاء الدول الأوروبية  بالتزاماتها ضمن المقترح الجديد ستظل حاضرة وبقوة  أخذًا في الاعتبار أن تلك القضية لاتزال محل جدل داخل حلف الناتو، فمن بين الأعضاء التسعة والعشرون في الحلف لا توجد سوى خمس دول فقط تلتزم بالوفاء بالتزاماتها من خلال تخصيص 2% من إجمالي الناتج المحلي الإجمالي لنفقات الدفاع.والثالث: إنه في ظل تداخل العضوية بين الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي “الناتو" فإن هناك تساؤلات مفادها أين ينتهي دور الاتحاد الأوروبي ومتى يبدأ الدور الدفاعي للحلف؟ والرابع: معارضة الولايات المتحدة لذلك المقترح وهو ما عكسته التغريدات التي أطلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في أعقاب إعلان ماكرون ذلك المقترح وبالرغم من محاولات ماكرون التأكيد على أن هناك "سوء فهم" لمضمون المقترح وأنه لم يكن يقصد "القول إن الولايات المتحدة تمثل تهديدًا للدول الأوروبية" فإن الرئيس الأمريكي قد عبر وبوضوح عن رفضه لذلك المقترح وقد بلغت تلك المعارضة ذروتها عندما قال ترامب تعليقًا على مقترح الجيش الأوروبي الموحد" هذا شيء مهين جدًا وربما يتعين على أوروبا أولاً أن تدفع ما يتوجب عليها للحلف الأطلسي ،  والخامس: على الرغم من توقيع كل من فرنسا وألمانيا فيما عرف "بمعاهدة التعاون والاندماج " في يناير 2019م، والتي تتضمن سبعة فصول و28 مادة تضمنت التعاون في مجالات الدفاع والأمن والسياسة الخارجية، بالإضافة إلى ما تضمنته بشأن أهمية تعزيز تجانس وفاعلية أوروبا في المجال الدفاعي، فإن إعادة طرح الرئيس الفرنسي الفكرة  خلال زيارته لألمانيا وهو أمر لا يخلو من دلالة وهي محاولة إظهار نوع من التحالف الفرنسي الألماني فإن الواقع ربما يعكس اتجاهًا مغايرًا حيث يظل التنافس لا التكامل هو السمة التي تميز العلاقات الفرنسية-الألمانية، ففرنسا التي تحظى بعضوية مجلس الأمن ولديها أسلحة نووية ترى ذاتها هي المؤهلة لقيادة ذلك الجيش إلا أن ذلك ربما يلقى معارضة ألمانيا التي لديها أقوى الاقتصادات الأوروبية في الوقت الذي تعد فيه التحديات الاقتصادية أبرز تحديات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وهو ما عبرت عنه سلسلة الاحتجاجات التي قامت بها حركة السترات الصفراء، من ناحية ثانية فإن ألمانيا لا تزال تستضيف قاعدة عسكرية أمريكية وتعتمد إلى حد كبير على المظلة النووية الأمريكية، كما أن ألمانيا لديها شروط أكثر صرامة بشأن انتشار قوات ألمانية خارج حدودها وفقًا لما ينص عليه الدستور الألماني في هذا الشأن وجميعها عوامل من شأنها أن تمثل معوقات نحو وضع مقترح الجيش الأوروبي الموحد موضع التنفيذ. والسادس: أنه لا يوجد الإجماع الأوروبي الكافي حتى الآن لتنفيذ ذلك المقترح ومن ذلك ما عبر عنه جان كلود يونكر المتحدث باسم المفوضية الأوروبية بالقول" المفوضية تطرح كثيرًا من المبادرات والمقترحات للبدء تدريجيًا في بناء هوية دفاعية أكبر وأقوى في هذه الأوقات السياسية الصعبة" وأضاف القول" لا أعتقد أن هذه الهوية الدفاعية ستبدأ بجيش للاتحاد الأوروبي". ومع التسليم بأهمية تلك المعوقات وضرورة إيجاد السبل اللازمة للتغلب عليها فإن وضع مقترح الجيش الأوروبي موضع التنفيذ يظل مرتهنًا بثلاثة متطلبات   أساسية: أولها: ضرورة بل حتمية وجود تصور واضح ومتكامل لدى الدول الأوروبية ليس فقط حول الفكرة بل وآليات تطبيقها ومراحل ذلك ضمن منظومة الاتحاد الأوروبي ذاتها ضمن التصورات المستقبلية لتطور تلك المنظومة وخاصة في أعقاب الانسحاب البريطاني منها. وثانيها: دراسة تأثير ذلك المقترح على هيكل الاتحاد الأوروبي ذاته حيث لوحظ أن هناك تباين كبير بشأن تلك الفكرة ما بين أقصى التأييد وأقصى المعارضة، فضلاً عن المواقف الضبابية وبالتالي حال الإخفاق في تنفيذ ذلك المقترح فإن ذلك سوف يرتب آثاراً سلبية على عمل الاتحاد الأوروبي لأن القضايا الدفاعية ترتبط بعمل المؤسستين التنفيذية والتشريعية داخل كل دولة من دول الاتحاد والتوافق بشأنها يعد مطلبًا أساسيًا. وثالثها: بالنظر إلى التداخل بين عضوية الدول الأوروبية ما بين منظومة الاتحاد الأوروبي من ناحية وحلف الناتو من ناحية ثانية، فإنه يتعين تحديد نقاط الالتقاء والتقاطع ما بين العمل المتوقع للجيش الأوروبي الموحد- حال تنفيذه- وعمل حلف الناتو بل ضرورة وجود تصور واضح لدى الدول الأوروبية حول مستقبل حلف الناتو ذاته كمظلة أمنية للدول الأوروبية ،صحيح أن هناك تعاونًا بين المنظمتين ومن ذلك الاتفاق الذي تم توقيعه بينهما في السادس عشر من ديسمبر 2016م، وتضمن 40 اقتراحًا لتعزيز التعاون في سبعة مجالات أمنية بين الجانبين، إلا أن وضع تصور مستقبلي للعلاقات بين الجانبين يبقى أمرًا مهمًا.  والخلاصة المهمة هي أنه بالرغم من أن وجود جيش أوروبي موحد سيكون تطورًا نوعيًا ليس فقط بالنسبة للاتحاد الأوروبي أحد أبرز تجارب الأمن الإقليمي بل ضمن تطور النظام العالمي ذاته الذي سيكون متعدد الأقطاب وهو ما سوف ينعكس بلا أدنى شك على الأمن الإقليمي في منطقة الشرق الأوسط فإن ذلك المقترح يحتاج إلى توافق أوروبي تعززه إمكانيات وقدرات مع وضوح في الأهداف والمهام.

 

 

 

مدير برنامج الدراسات الاستراتيجية والدولية بمركز البحرين للدراسات الاستراتيجية والدولية والطاقة   

كلمات دليلية