انت هنا: الرئيسية جميع المقالاتتقرير خاصالتعاون السعودي الروسي قائم على مصالح برجماتية وتحوله شراكة استراتيجية ممكن

التعاون السعودي الروسي قائم على مصالح برجماتية وتحوله شراكة استراتيجية ممكن

انشأ بتاريخ: الثلاثاء، 05 شباط/فبراير 2019

 

اتسمت علاقات روسيا مع المملكة العربية السعودية على مدار تاريخها الحديث بالصعوبة وعدم الوضوح، فقد أفضى التفاعل بين البلدين الى خلق تاريخٍ من التقلبات الإيجابية والسلبية وصراعات شديدة تمخضت في النهاية عن تحسن في العلاقات، وهو ما يمكن إيعازه بشكل كبير إلى طبيعة دور ومكانة كل دولة منهما في النظام العالمي عامةً، وفي الشرق الأوسط خاصةً.

كان الاتحاد السوفيتي أول دولة تعترف بدولة المملكة العربية السعودية التي أسسها الملك عبد العزيز آل سعود عام 1926م، غير أن ذلك لم يمنع القيادة السعودية من قطع العلاقات الدبلوماسية مع الاتحاد السوفيتي بعد اثني عشر عامًا، إثر استدعاء موسكو السفير السوفيتي كريم حكيموف وإعدامه بتهمة التجسس كجزء من حملة "التطهير الكبير"، بعد الحملة المناهضة للدين التي كان يزداد زخمها آنذاك في الاتحاد السوفيتي، ومن المفارقات الدرامية لهذه القصة أنه بعد ستة أشهر فقط من قتل الدبلوماسي السوفيتي، اكتُشفت رواسب نفطية ضخمة في السعودية. ولكن بحلول ذلك الوقت، كان جميع أفراد البعثات الدبلوماسية السوفيتية قد غادروا المملكة.

واشنطن محور التركيز

لم تتم استعادة العلاقات بين روسيا والسعودية إلا في عام 1990م، وقد أكَّد البيان الروسي السعودي أن البلدين يسعيان إلى إقامة "علاقات ودية لصالح شعبيهما"، مؤيدًا "تسوية الصراعات الإقليمية، وتطوير التعاون الدولي، وتعزيز السلام والأمن الدولي". وبالرغم من ذلك، ظلت هناك الكثير من الخلافات بين روسيا والسعودية في التسعينيات، خاصةً حول قضايا سياسية، ومن أكثرها حدة بالطبع كان الوضع في شمال القوقاز. ويشير ألكسي فاسيلييف إلى أن "توطيد الروابط بين روسيا وإسرائيل كان له أثره السلبي أيضًا على العلاقات مع السعودية. فالسعودية ودول الخليج الأخرى قد اعتادت على التعاون الأمريكي الإسرائيلي، إلا أن تحسن العلاقات بين روسيا وإسرائيل قد أثار حفيظتها".

لقد اعتمد تاريخ العلاقات الروسية ـ السعودية بعد ذلك بدرجة كبيرة على حالة العلاقات بين الرياض وحليفتها الجيوسياسية الرئيسية، الولايات المتحدة. وبعد الهجمات الإرهابية في نيويورك في الحادي عشر من سبتمبر عام 2001م، توترت العلاقات السعودية ـ الأمريكية. وزعمت الولايات المتحدة أن السعودية أصبحت خصمًا خطيرًا لها. وتحت تلك الظروف، أصبح من الممكن تحسين العلاقات الروسية والسعودية بصورة رمزية.

ارتبطت المرحلة التالية من التقارب بين السعودية وروسيا بغزو الولايات المتحدة للعراق في 2003م. وقد عارضت موسكو أفعال الولايات المتحدة، ولم تعترف واشنطن برأي المملكة التي رفضت المشاركة في التحالف المعارض للعراق. وفي الوقت نفسه، خفتت حدة انتقادات السعودية لسياسة روسيا في شمال القوقاز. وفي يناير 2014م، اعترفت السعودية ورحبت بالزعيم الشيشاني الموالي لروسيا، أحمد قاديروف، كممثل شرعي للشعب الشيشاني. كما أنه مُنح شرفًا كبيرًا بمشاركته في مراسم غسل الكعبة. على الجانب الآخر، وفي عام 2008م، بعد الصراع في أوسيتيا الجنوبية، صرح الملك عبد الله بن عبد العزيز بأنه "يفهم تصرفات روسيا". غير أن ذلك لم يعقبه اعتراف المملكة باستقلال أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا، هذا الاستقلال الذي لم يعترف به حتى غالبية الحلفاء الروسيين.

ومن ثمَّ، يمكن القول إن العقد الأول من القرن الحادي والعشرين أصبح فترة سعى خلالها البلدان للتقارب بين بعضهما البعض، غير أن ذلك التقارب كان هشًا، إذ كان مدفوعًا إلى حدٍ كبير بظروف سياسية خارجية، لا حاجة داخلية لدى كلا البلدين. واستمرت الخلافات حول قضايا عديدة وتواصل انعدام الثقة والصورة السلبية عن الطرف الآخر التي تشكلت على مدار العقود. فقد نُشرت مواد معادية لروسيا في الإعلام السعودي بنفس الدرجة التي تناقلت بها وسائل الإعلام الروسية الاتهامات ضد المملكة بكونها تتمسك بعادات وتقاليد من العصور الوسطى. وقد أدَّى ذلك إلى أن الرغبة في التعاون كانت حبيسة الأوراق فقط. وتعد التجارة بين روسيا والسعودية التي بلغت 363,8 مليون دولار فقط في 2009م، خير دليل على ذلك.

فازت "السكك الحديدية الروسية" في 2008م، بمناقصة لبناء خط سكة حديد يبلغ طوله 520 كيلو مترًا بقيمة 800 مليون دولار. ولكن بعد أربعة أشهر، رفضت الحكومة السعودية توقيع العقد. ومن ناحية، يشير هذا القرار إلى بحث الحكومة السعودية عن الموقف الحقيقي للمملكة تجاه توسيع التعاون مع موسكو، ومن ناحية أخرى، تزامن هذا القرار مع الفترة التالية لتطبيع العلاقات مع واشنطن. وفي 2008م، عندما أصبح باراك أوباما رئيسًا للولايات المتحدة، كان قريبًا جدًا للرياض. ويكفي أن نذكر زيارته الأولى للسعودية التي بدأ بها جولته الأولى في الشرق الأوسط، والتي اختُتمت بخطابه في جامعة القاهرة، حيث تحدث الرئيس الأمريكي للمجتمع المسلم بأكمله عن رؤيته بشأن السياسة الأمريكية القادمة للشرق الأوسط. وفي ضوء تلك الظروف، أُقصيت روسيا مجددًا عن أي مجال الاهتمام السعودي، وهو ما هيّأ لفترة أخرى من الركود في العلاقات بين البلدين.

شراكة الرغبة المتبادلة

مع تولي الملك سلمان بن عبد العزيز زمام السلطة، وتطلع سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان إلى تنويع الشراكات، بدأت العلاقات الروسية ـ السعودية في التحول إلى التعاون البرجماتي تدريجيًّا، بعيدًا عن الاصطدام الأيديولوجي الذي شهدته العقود الماضية. وقال الأمير محمد بن سلمان إن "العلاقات بين السعودية وروسيا تشهد واحدة من أفضل لحظاتها" وكذلك القيادة الروسية ابدت رغبة مماثلة في تطوير العلاقات المحتملة بين البلدين.

لم تُخفِ القيادة السعودية خيبة أملها من تصرفات حكومة أوباما في الشرق الأوسط. ويرى جريجوري كوساتش، الخبير الروسي في الشؤون العربية، أن "العرب لديهم شعورًا بأن عليهم السعي لإيجاد حلول للمعضلة السورية في موسكو أكثر منها في واشنطن." وبدورها، تهتم موسكو بتعزيز العنصر المالي والاقتصادي في العلاقات الروسية ـ السعودية. وقد أعربت القيادة الروسية مرارًا وتكرارًا عن عدم رضاها بأن معظم الاتفاقات المبرمة حول التعاون الاقتصادي والعسكري التقني ما زالت تقف عند مستوى مذكرات التفاهم، فمسكو لديها رغبة شديدة في تفعيل التعاون مع المملكة العربية السعودية على وجه الخصوص.

وفي الحقيقة، تحددت المصالح الروسية بدرجة كبيرة من خلال الصعوبات الداخلية التي سببها نظام العقوبات. وفي ظل فقدان روسيا لشريكها التجاري الهام وهو الاتحاد الأوروبي، اضطرت موسكو إلى البحث عن بديل له. وفي هذا السياق، حققت توجهات الأمير محمد بن سلمان الذي اتخذ مسار تنويع السياسة الخارجية والعلاقات الاقتصادية الخارجية فائدة بالغة الأهمية لسياسة موسكو الخارجية.

الزيارة التي طال انتظارها

تُوِّجت تطلعات البلدين نحو التقارب التالي الذي كانت تنتظره روسيا منذ وقتٍ طويل بزيارة الملك سلمان بن عبد العزيز إلى موسكو. وقد جاء ذكر ذلك للمرة الأولى في النصف الأول من عام 2015م، عندما دعا فلاديمير بوتين أثناء محادثة تليفونية ملك السعودية الجديد آنذاك لزيارة روسيا. ومنذ ذلك الوقت، تحدد موعد زيارة الملك عدة مرات، ولكن في كل مرة يتم تأخير موعد الزيارة. ففي الستة أشهر فقط السابقة لزيارة الملك سلمان، عُدِّلت مواعيد الزيارة ثلاث مرات: فأول زيارة كان متوقع إجراؤها في منتصف يوليو 2017م، مباشرةً بعد قمة العشرين في هامبورغ، ثم في أوائل أغسطس، وأخيرًا في أكتوبر 2017م.

أصبحت زيارة الملك سلمان أول زيارة لعاهل سعودي لروسيا. فقد زار الملك فيصل روسيا عندما كان لا يزال وزيرًا للخارجية، والملك عبد الله فقد زارها عندما كان وليًا للعهد، حتى أن الملك سلمان نفسه زار روسيا قبل ذلك عندما كان أميرًا للرياض. ولكن ملوك السعودية لم يجروا زيارة رسمية إلى روسيا إطلاقًا حتى أكتوبر 2017م. وقد لفت فلاديمير بوتن الانتباه نحو هذا الأمر في خطابه الترحيبي، واصفًا الزيارة بأنها "حدث تاريخي".

وفيما يتعلق بالجانب السياسي للحوار الروسي ـ السعودي، فلربما تكون الرياض راضية عن الوضع الحالي. وبالتأكيد ما زال موقف البلدين تجاه الشأن السوري متعارضًا تمامًا. غير أن في 2017م، كانت هناك أمثلة على التعاون فيما بينهما، ويتمثل ذلك على سبيل المثال في الوصول إلى اتفاقات في القاهرة حول منطقة خفض التوتر في الرستن أو الاعتراف بأهمية محادثات الأستانة من قِبل السعودية أو الدور القيادي لجينيف من قِبل روسيا.

بيْد أن بحلول أكتوبر 2017م، تجددت قضايا أخرى إلى جانب الشأن السوري بالنسبة للسعودية، إذ حلت الحاجة إلى تسوية الوضع مع البلدين العربيين المجاورين لها: اليمن وقطر. وفي هذا الصدد، مثَّلت الحيادية الروسية تجاه الأزمة الخليجية في يونيو 2017م، عنصرًا هامًا في العلاقات الروسية السعودية.

مثال آخر لا يقل وضوحًا هو اليمن، إذا ما زالت السعودية تعتمد على الولاء الروسي. ومنذ بداية العملية العسكرية السعودية في اليمن، حاولت القيادة الروسية أن تمتنع عن التصريحات القاطعة حول اليمن، مع تأييدها في الواقع للجهود المبذولة من جانب الرياض. وفي عام 2015م، امتنعت روسيا عن التصويت على قرار رقم 2217 بشأن اليمن والذي اقترحته الأردن وفرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة، وفي 2017م، وافقت روسيا على قرار رقم 2342 الذي أعاد في الأساس متطلبات القرار السابق وبرَّر تدخل دول التحالف العربي بقيادة السعودية في اليمن. ولقد عزز اجتماع فلاديمير بوتين والملك سلمان في موسكو هذا الاتجاه، ولذلك أكدت القيادة الروسية نيتها عدم منع السعودية من اتخاذ المزيد من الخطوات نحو حل الصراع اليمني.

اتفاقيات تنتظر التنفيذ

لقد مكَّن الوضع السياسي الإيجابي إلى حدٍ ما للعلاقات بين البلدين من تحقيق درجة من النجاح في الميدان الاقتصادي. وقد انصبَّ الاهتمام الرئيسي للقيادة الروسية تجاه السعودية على تطوير البُعد المالي والاقتصادي للتعاون بين البلدين. فمستوى التعاون التجاري والاقتصادي بين روسيا والسعودية، بالرغم من أنه أعلى مما كان عليه في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، إلا أنه ما زال يتراوح حول 500 مليون دولار، وهو بالتأكيد مؤشر ضئيل (بالمقارنة بالرقم المكافئ بين السعودية والولايات المتحدة والذي يزيد عن 70 مليار دولار). لهذا أعربت القيادة الروسية مرارًا عن عدم رضاها عن أن معظم الاتفاقات المؤثرة في التعاون الاقتصادي وأيضًا في التعاون العسكري التقني، لا تزال تقف عند مستوى مذكرات التفاهم.

يمكن أن تُعتبر الاتفاقيات المبرمة في إطار أوبك بلس لتخفيض إنتاج النفط وتحقيق استقرار أسعار الذهب الأسود الاستثناء الوحيد. ولكن هذا الاستثناء مهم للغاية لكلا البلدين. وقد نوقش تنفيذ الاتفاقيات المذكورة أثناء مشاركة وزير الطاقة والصناعة والثروة المعدنية السعودي، خالد الفالح، في منتدى "أسبوع الطاقة الروسي". ونتيجة لذلك، اتُفق على أن يدعم الاتحاد الروسي والسعودية توصيات اللجنة الفنية لأوبك بلس بخصوص توسيع حصص إنتاج النفط في النصف الأول من عام 2018م.

ولكن ينبغي الأخذ في الاعتبار أن مستقبل تلك الصفقة في عام 2019م، لا يزال معلقًا، ويرجع ذلك بدرجة كبيرة إلى أن شركات النفط الروسية غير راضية عن فكرة تخفيض الإنتاج، فهي ترغب في تحقيق إمكانات النمو القائمة بالفعل بدون أن تسمح للمنافسين في الأسواق بالبقاء في أماكنهم. فضلاً عن ذلك، ساهمت شركات النفط الروسية في السنوات الأخيرة بقدرٍ كبيرٍ من الاستثمارات في مشروعات جديدة، وهو ما يمكن أن يضمن نمو الإنتاج على الأقل حتى نهاية 2019م، وقد أدَّت خيبة الأمل في فاعلية الصفقة بالفعل في 2017م، إلى تخفيض الدول المشاركة في الاتفاقية نسبة تنفيذ الاتفاقية من 95% في مايو إلى 78% في يونيو 2017م.

ويمكن القول إن زيارة الملك سلمان ساهمت في الخروج عن الممارسة المتبعة بإبرام اتفاقيات غير ملزِمة. وبالرغم أن من ضمن الوثائق الأربع عشرة التي وقعها فلاديمير بوتين والملك سلمان، تسعة منها عبارة عن اتفاقيات إطارية غير ملزِمة، تمكَّن الطرفان من تحقيق تقدم في قضايا الاستثمار والتعاون العسكري التقني، وهي بالضبط مجالات التعاون التي سعى نحوها الطرفان لفترات طويلة وبصورة جوهرية.

بالنسبة لمجال الاستثمار، اتفق الطرفان على إنشاء صندوق استثمار للطاقة بقيمة مليار دولار (بمشاركة صندوق الاستثمار الروسي المباشر، وشركة أرامكو، وصندوق الاستثمارات العامة السعودي)، بالإضافة إلى صندوق الاستثمار في التقنية الحديثة برأس مال مماثل (بمشاركة صندوق الاستثمار الروسي المباشر وصندوق الاستثمارات العامة السعودي). إلى جانب ذلك، أُبرمت اتفاقية حول الاستثمار المشترك بقيمة 100 مليون دولار في شركة يونايتد ترانسبورت كونسيشن هولدينج "United Transport Concession Holding"، والتي تخطط للاستثمار في مشاريع البنية التحتية.

كذلك وُقعت مذكرة تفاهم بين شركتي "غازبروم" و"أرامكو" بمبادرة من الجانب الروسي. ووفقًا لتلك المذكرة، سيعمل الطرفان على استكشاف آفاق التعاون عبر سلسلة القيمة بأكملها، بدايةً من استكشاف الغاز وإنتاجه ونقله وتخزينه إلى مشاريع الغاز الطبيعي المُسال. وقد تعززت تلك الاتفاقات أثناء زيارة وزير الطاقة والصناعة والثروة المعدنية السعودي، خالد الفالح، في ديسمبر 2017م، لافتتاح مشروع "يامال" للغاز الطبيعي المُسال. وتوصل الطرفان إلى اتفاق مبدئي حول توريد الغاز المُسال الروسي إلى السعودية. ومن المفترض إبرام عقد توريد الغاز المُسال بين "أرامكو" من جهة، و"نوفاتك" و"روسنفت" من جهة أخرى.

أُبرمت أيضًا مذكرتان في قطاع النفط. ووقَّع كل من شركة "سيبور" وصندوق الاستثمار الروسي المباشر وشركة "أرامكو" مذكرة تفاهم حول التعاون الممكن في مجال البتروكيماويات وتسويق المنتجات البتروكيميائية داخل أراضي الاتحاد الروسي والسعودية. ووفقًا للاتفاق، ستدعم الشركات إمكانات أسواق البتروكيماويات في روسيا والسعودية، وستنظر في إمكانية تحقيق المزيد من التعاون. كما وُقِّعت مذكرة مماثلة بين شركة "سيبور" وشركة "أرامكو" وشركة "سابِك" للاستثمار الصناعي.

إن تأني الجانب السعودي فيما يتعلق بتطوير التعاون الاقتصادي مع روسيا قد تجلّى أيضًا أثناء اجتماعات الملك سلمان مع رؤساء الكيانات المشكِّلة للاتحاد الروسي (رستم مينيخانوف رئيس تتارستان، ورمضان قاديروف رئيس الشيشان، ويونس بك يفكوروف رئيس إنغوشيا، ورستم خاميتوف رئيس بشكيريا). وقد تمثلت المسائل الرئيسية التي طُرحت أثناء هذه الاجتماعات في جذب الاستثمارات السعودية إلى تلك المناطق وتطوير العلاقات التجارية والاقتصادية بين السعودية والكيانات المذكورة.

وفي هذا الأمر اختار الجانب السعودي عدم التسرع، واقترح إحالة هذه المسائل إلى اللجنة الروسية ـ السعودية الحكومية المشتركة للتعاون التجاري والاقتصادي والعلمي والتقني، وأيضًا إلى مجلس الأعمال الروسي العربي، وهو ما يمكن أن يعتبر أيضًا مؤشرًا على تأني الجانب السعودي.

ولكن علينا في الوقت ذاته أن ندرك أن المزيد من التطور في كل من الاستثمار والتعاون في مجال النفط والغاز بين البلدين لا يزال محل اختبار، وأن هذا التطور لديه من فرص النجاح ما يساوي إمكانية إنهائه. وسيعتمد ذلك من عدة جوانب على كيفية تطور الحوار حول القضايا السياسية التي تهتم المملكة العربية السعودية بها بصورة أكبر.

إلا أنه لا يوجد شك أن روسيا والسعودية ستظلان بالتأكيد حليفتين استراتيجيتين في المستقبل القريب فيما يتعلق بمسألة أسعار النفط. فرفاهية البلدين تعتمد بشدة على أسعار النفط، وقد أظهرت أحداث السنوات الأخيرة ذلك بوضوح. فالهبوط المفاجئ في أسعار النفط في 2014-2015م، أدَّى إلى تراجع اقتصادي واضح في روسيا، إلى جانب تسببه في مشاكل مالية واقتصادية كبيرة في السعودية أيضًا. وفي ديسمبر 2014م، أوضح وزير البترول السعودي، علي النعيمي، أن السعودية لن تخفِّض إنتاج النفط حتى لو هبط سعر النفط إلى 20 دولار للبرميل الواحد. ولكن في 2015م، وقبل أن يصل سعر النفط إلى 30 دولار بمدة طويلة، لجأت السعودية وروسيا في نهاية المطاف إلى تخفيض إنتاجهما للنفط في عام 2016م، من أجل تحقيق استقرار أسعار النفط، وهي خطوة استفاد منها البلدان جوهريًا بصورة كبيرة.

وعلى الجانب الآخر، أظهرت أزمة سعر النفط في 2014-2016م، بوضوح أن سلوك السعودية وروسيا في الواقع يحدد بشكل رئيسي مستويات أسعار النفط العالمية. وبالتأكيد لم يتوقف الانخفاض في أسعار النفط العالمية إلا عندما توصلت السعودية وروسيا في 2016م، إلى اتفاق بشأن ضبط إنتاج النفط، والذي أيَّدته أوبك بشدة وبعض الدول الأخرى المصدِّرة للنفط، مما نتج عنه اتفاق أوبك بلس الذي يتسم بدرجة من الفاعلية. وفي هذا الصدد، أظهرت أحداث الفترة من 2014-2016م، على نحوٍ جليّ أن الازدهار الاقتصادي لكلا البلدين يعتمد اعتمادًا كبيرًا على التنسيق الفعَّال للإجراءات بين البلدين في سوق النفط العالمية.

ومن جهة أخرى، ما زال التقدم في مجال التعاون العسكري التقني ضئيلاً، إذ توصلت روسيا والسعودية لاتفاقات شفوية في هذا الميدان، فقد اتفق الطرفان سابقًا على توريد أنظمة صواريخ أرض-جو من طراز "إس-400". كذلك تنوي السعودية شراء أنظمة صواريخ مضادة للدبابات من طراز "كورنت-إم"، وأنظمة قاذفات صواريخ اللهب الثقيلة من طراز "توس-1أ بوراتينو"، وقاذفات القنابل من موسكو. وفي ضوء إعلان وسائل الإعلام السعودية والإماراتية السابق لأوانه لاتفاقيات صواريخ "إس-400"، اضطرت الدائرة الاتحادية للتعاون العسكري التقني التابعة للاتحاد الروسي إلى تأكيد تلك المعلومات، مع أنه لم يتم بعد إبرام اتفاقية مكتوبة حول صواريخ "إس-400" وبرغم ذلك توالت المعلومات حول التقدم المحرز في هذا الاتجاه.

إن العقد الفعلي حتى الآن قد أُبرم بين "روسوبورون إكسبورت" والشركة الصناعية للجيش السعودي بشأن الإنتاج المرخص لبنادق هجومية من طراز "كلاشنكوف إيه كيه 103" على أراضي المملكة. وتعتبر قيمة هذه الصفقة رمزية (3.5 مليار دولار) عند مقارنتها بالصفقة السعودية الأمريكية، والتي تدعو لشراء أسلحة بقيمة 110 مليار دولار.

وما زالت بعض شروط صفقة تسليم أنظمة صواريخ "إس-400" غير واضحة. وبالتحديد، لم يتضح بعد ما إن كانت روسيا قد وافقت على صيانة الأنظمة على أيدي الخبراء السعوديين، وهو ما يعني نقل التقنية إلى الجانب السعودي. وما زالت تلك التفاصيل قيد المناقشة في اجتماعات اللجنة الروسية ـ السعودية للتعاون العسكري التقني التي تشكلت بعد زيارة الملك سلمان. ويعتمد تنفيذ هذا المشروع بدرجة كبيرة على الحوار السياسي بين البلدين بشأن القضية الإيرانية. وفيما يتعلق ببيع صواريخ "إس-400" لتركيا، فروسيا تتحفظ بصفة عامة على نقل تقنياتها في المرحلة الحالية.

الخلاصة

يدل كل ما سبق على وجود حدود حقيقية للتعاون الروسي السعودي، وهي تتحدد بناءً على مدى استمرار الخلافات الجوهرية حول الكثير من القضايا السياسية (كما في سوريا وإيران وغيرها)، وعلى الروابط الاقتصادية التي تطورت على مر العقود، والتي مازالت أقل من المأمول عن الهدف الرامي إلى إقامة التعاون بين البلدين. وما زال اهتمام الرياض بالحفاظ على علاقاتها الاستراتيجية مع واشنطن مستمرًا، ولهذا ما زال يُنظر إلى روسيا على أنها شريك ظرفي للمملكة. بيْد أن ذلك لا يستبعد التعاون المؤقت بين روسيا والسعودية بناءً على تحقيق المصلحة البرجماتية، لا سيما فيما يتعلق بمسألة أسعار النفط ذات الأهمية البالغة لكلا الطرفين، وأيضًا عندما يكون التعاون الاستراتيجي طويل المدى لا يزال ممكنًا إلى حدٍ ما

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*أكاديمي بالمدرسة العليا للاقتصاد بجامعة البحوث الوطنية

*خبير بمعهد الدراسات الإفريقية بالأكاديمية الروسية للعلوم

 

 

 

كلمات دليلية

الشركات المعلنة