;
الصفحة السابقة

تطور العلاقات السعودية - الروسية يحكمها استراتيجية موسكو نحو الشرق الأوسط

انشأ بتاريخ: الثلاثاء، 05 شباط/فبراير 2019

 ما محفزات العلاقة السعودية الروسية؟ وما العقبات والتحديات أمام تلك العلاقة؟ وكيف نفهم المعوق الإيراني في طريق هذه العلاقات؟ وللإجابة على هذه الأسئلة من الأهمية بمكان فهم البواعث الجيوسياسية والثقافية للدور الروسي وسعيها إلى إحياء دور القوة العظمى التي ظهرت مع بوتين، ثم الانتقال لتعيين مقصوداته الاستراتيجية على وجه التحديد من منطقة الشرق الأوسط وبشكل عسكري واقتصادي. ومن المهم عند الحديث عن العلاقات الثنائية يقفز السؤال كيف تنظر المملكة إلى روسيا استراتيجيا، كونها دولة لها ثقلها العسكري، والنفطي، والأمني. وكيف تنظر روسيا إلى المملكة، كونها دولة نفطية، قبلة الإسلام والمسلمين، ولديهم وزن إقليمي.

لا يمكن الحديث عن العلاقة بين الدولتين دون التأمل في شبكة التحالفات بين الطرفين والمعسكرات الفكرية القديمة التي لم تكن على نفس التوافق، ولكن سياسة اليوم فصل التوجه الاستراتيجي إلى توجه تكتيكي يأخذ كل صفقة "موضوع" "ملف" قضية" على حدة ويتناولها بكافة أبعادها ويرى أين نقاط الاتصال فقط على ذلك الملف بغض النظر عن الاختلافات الأخرى التي قد تكو موجودة بين البلدين في ملفات أخرى.

تحاول روسيا تطوير مراكز ثقل للتواجد وإعادة التوصيل الاستراتيجي لعمقها والتفاعل إيجابيًا مع الانسحابات الأمريكية، وكذلك تسعى روسيا إلى تعزيز البعد التنموي كأسواق جديدة، والربط الدفاعي بما له من أبعاد سياسية وعسكرية واقتصادية، وتجفيف منابع النفوذ الأمريكي؛ ممّا يؤثر إيجابًا على مساحات مناورة الاستراتيجية الإقليمية والدولية للدب الروسي، وتطوير ملفات التواجد بما يسمح باستخدامها كذلك كأوراق ضغط ومُقايضة في بيئات وملفات أشد إلحاحًا وخطورة (خاصّةً في أوروبا) التي انسحبت منها أمريكا ولا سيَّما فيما يتعلق بالسياسات الأمريكية تجاه حلف الناتو في عهد الرئيس الأمريكي ترامب.

يدرك صانع القرار الروسي أن المملكة من الحلفاء الأمريكيين ومع ذلك فهو يحاول تطوير علاقات إيجابية، بغرض تنعيم هذا الاعتماد الأمريكي وفتح موطئ قدم له، وأهم فعل: هو انعكاس ذلك على التقدم في بعض الملفات الطرفية ذات الاهتمام (مثلا سوريا)، وأيضًا الملف الاقتصادي، إذ شهدت الزيارات الأخيرة بين البلدين توقيع عدد من الاتفاقيات المشتركة بهدف رفع التعاون الاقتصادي بين البلدين. ([1])

من ناحية اجتماعية، يعيش في روسيا أكثر من خمسة وعشرين مليون مسلم، يشكلون ثاني أكبر ديانة في روسيا، وهؤلاء المسلمين مرتبطين بالمملكة العربية السعودية كونها موطن الحرمين الشريفين، وفي فترة الحج فقط يؤدي أكثر من ثلاثة وعشرين ألف روسيًا فريضة الحج سنويا ([2]) وهذا يشكل ارتباطًا وثيقًا ودوريًا بالمملكة العربية السعودية.

نظرة تاريخية للعلاقات السعودية ـ الروسية

     اكتسبت العلاقات السعودية ـ الروسية أهمية خاصة لما للدولتين من ثقل سياسي واقتصادي؛ ونظرًا لأبعاد وتأثير هذه العلاقات على كافة الأصعدة الإقليمية والدولية، فقد شهدت العلاقة بين البلدين تطورًا مستمرًا مبني على المصالح المشتركة، ومرت تلك العلاقة بالعديد من المراحل، حتى دُشنت في الوقت الحاضر، مرحلة جديدة تميزت بالتعاون بين البلدين في شتى المجالات. ومن هذا المنطلق، سيتم التعرف على نشأة وتطور العلاقات السعودية الروسية، في محاولة لمعرفة تأثير هذه العلاقات على استقرار سوق الطاقة.

1-   نشأة العلاقات السعودية الروسية:

     بدأت العلاقات السعودية – الروسية (الاتحاد السوفيتي سابقًا)، عام (1926م) حينما افتتحت القنصلية السوفيتية بمدينة جدة، وفي سابقة مميزة كان الاتحاد السوفيتي أول دولة اعترفت بالمملكة العربية السعودية التي كانت تسمى (مملكة الحجاز ونجد وملحقاتها)، وتطورت العلاقات إذ تم تحويل القنصلية إلى سفارة عام (1930م) ([3]).

وفي عام (1932م) زار نائب الملك على الحجاز جمهورية الاتحاد السوفيتي إذ طلب تقديم مساعدات اقتصادية للمملكة، إلا أن الزعيم السوفيتي لم يقدم المساعدة المطلوبة بحجة أن الدولة منهمكة في القضاء على الفقر المستشري فيها، ولوجود ثورة صناعية شابة تحتاج لكل الإمكانيات المتوفرة، ثم بعد ذلك استدعي السفير السوفيتي لدى المملكة عام (1938م)، وكان آخر سفير قبل مرحلة من القطيعة استمرت قرابة (50) عامًا[4]، وذلك الحدث أشعل شرارة الخلافات الأيديولوجية بين البلدين حتى أصبحت العداوة بينة وواضحة، إذ حاولت المملكة التأثير على الجمهوريات السوفيتية المسلمة ومحاولة استمالتها والتعاطف معها، فكانت ترضخ تحت وطأة الستار الحديدي السوفيتي، وتحول الخلاف إلى مواجهة شبة مباشرة في بداية ثمانينات القرن الماضي، بعد غزو الاتحاد السوفيتي لأفغانستان عام (1979م)، إذ سخرت المملكة كل الإمكانيات لردع العدوان السوفيتي، بدعم المقاومة وفصائل القتال الأفغانية المدافعة عن أرضها، وفي عام (1988م) زار وزير خارجية المملكة العربية السعودية الاتحاد السوفيتي، وعقد اجتماع مع وزير الخارجية الروسي لبحث حل لوقف الحرب الدائرة بأفغانستان، وتلا ذلك الاجتماع عدة زيارات من قبل المسؤولين بالاتحاد السوفيتي للمملكة العربية السعودية[5] ثم نوقش انسحاب القوات السوفيتية من أفغانستان وتم بالفعل سحب القوات السوفيتية من أفغانستان عام (1989م)، وبهذا الانسحاب أصبحت الظروف سانحة لتعميق العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وقد ظهرت سياسة جليه وواضحة بين البلدين خلال أزمة الخليج وغزو العراق لدولة الكويت عام (1990م) ([6]).

على الرغم من أن الاتحاد السوفيتي كان الدولة الأولى غير العربية التي اعترفت رسميًا بالملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود حاكمًا للدولة السعودية في عام 1926م، وبقاء البعثة السوفيتية في جدة، وزيارة الأمير فيصل- الذي صار ملكًا للسعودية لاحقًا- الاتحاد السوفيتي في عام 1933م، فإن  العلاقات بين البلدين سرعان ما تعرضت للركود بسبب علاقة الملك مع الغرب، واتهام موسكو له بالوقوف في صف الإمبريالية، حيث سحبت بعثتها الدبلوماسية في عام 1938م، وحاول البلدان إعادة العلاقات، لكن الموقف الروسي المساند للثورة اليمنية في 26سبتمبر 1962م، (اليمن الشمالي) ضد حكم الأئمة، جعل الدولتين في موقف متناقض، وتنافست الدولتان على بسط النفوذ في جنوب اليمن وعمان، ورغم المحاولات لم تشهد العلاقة بين الدولتين انفتاحًا إلا في عهد الملك خالد عام 1979م، ومجددًا أدى اجتياح الاتحاد السوفيتي لأفغانستان، في ديسمبر من ذلك العام، إلى عودة التوتر في العلاقات، ولم يوافق البلدان على استعادة العلاقات الدبلوماسية إلا في عام 1990([7]).

2-   التشابك في العلاقات السعودية الروسية:

وعلى الرغم من التوجه الجديد نحو ما يسمى الملفات المنفصلة، والتباين الذي قد يتواجد في بعض وجهات النظر في بعض القضايا، إلا أن الواقع السياسي يحتم التواصل بين البلدين بشأن ملفات مهمة مثل: إيران، وتركيا، وسوريا، واليمن، والتواجد الروسي في المنطقة ولا سيما بشكل عسكري ومنظومة العلاقات الروسية الإيرانية المؤثرة كذلك في المشهد السياسي الإقليمي.

أما النموذج الإيراني له وضعية أكثر خصوصية واقترابًا من المثيل التركي؛ لأنه كلية في المعسكر المضاد للأمريكي، وهناك حالة تعاون استراتيجي وتقارب دفاعي لعقود بينه وبين روسيا، وتحالف عسكري واستراتيجي في الملف السوري، فضلًا عن تطورات النزاع مع الأمريكي وحلفائه في المستقبل المنظور. ولكن لإيران طموحات إقليمية، سيخصم بالتبعية تطور النفوذ الإقليمي والسوري للروس من مداها وحرية الحركة الاستراتيجية للوصول لها.

ولا يمكن إغفال العامل الإسرائيلي. وإن كان يقتصر التواصل على بناء معادلات تفاهميه تسمح بعدم التصعيد، وفي الوقت ذاته، احترام روسي لما يراه الإسرائيلي من خطوط حمر استراتيجية وعملياتية، وكذلك -قبول إسرائيلي وكبح لمدى التصعيد الاستباقي والعقابي - بما لا يشوش على مصالح الروسي وهيبته (وإن كان أحيانًا تفلت خطوط الأحداث من هذه المعادلة، فيبادر الطرفان لترميمها).

3-   روسيا كقوة عالمية عائدة

وقد يقول البعض إنَّ الدور الروسي لم يعد فاعلًا بعد الحرب الباردة إلا أن ذلك ليس صحيحًا على إطلاقه، فروسيا لا يزال لها تأثير على المستوى الدولي خاصة في المنظمات الدولية بل والإقليمية، ومن أهمها: منظمة شنغهاي وتجمع البريكس، وعلى المستوى العسكري لا يزال لدى روسيا قوات عسكرية تقليدية متفوقة للغاية، وممّا يجدر ذكره أن مبيعات الأسلحة الروسية عام 2013 بلغت حوالي 13,2 مليار دولار للخارج، منها حوالي نسبة 10% لمنطقة الشرق الأوسط ([8]).

هل لدى روسيا القوة والقدرة التي تجعلها مؤهلة لقيادة العالم؟ وهل لديها القيم العظمى التي تجعل منها دولة ذات بعد وتأثير عالميين؟ وهل ستسمح الكيانات الأوروبية من دول أو مثل حلف الناتو بالصعود الروسي وفرض الهيمنة الروسية في العالم، ولا سيما في عصر بدأ فيه التقهقر الأمريكي؟ تقدر مساحة روسيا بأكثر من 17 مليون كيلو مترًا مربعًا، ويتجاوز عدد سكانها 144 مليون نسمة حسب تعداد عام 2017م، وتعدّ روسيا سابع أكبر اقتصاد في العالم حسب الناتج المحلي الإجمالي، والسادسة من حيث القدرة الشرائية، والثالثة من حيث الميزانية العسكرية. إنَّ روسيا واحدة من الدول الخمس الوحيدة المعترف بامتلاكها أسلحة نووية في العالم، إضافة إلى أنها تملك أكبر مخزون من أسلحة الدمار الشامل في العالم. اقتصاديًا: عرفت روسيا منذ نهاية النظام الاشتراكي فترة انتقال من الاقتصاد المركزي والمخطط إلى اقتصاد حر. إذ يعدّ الاقتصاد الروسي متقدمًا حاليًا مقارنة بأوائل التسعينيات. كما تعدّ روسيا من الأسواق التي تشهد نموًا مطردًا في الفترة الحالية، إذ أنها تحقق أرباحًا نتيجة لارتفاع أسعار النفط والغاز الطبيعي، صناعيًا: تقوم روسيا بإنتاج الآلات الثقيلة والمعدات الكهربائية،ومن أهم منتجات الصناعة الكيماوية الألياف الكيماوية والأسمدة المعدنية ومنتجات البتروكيماويات والراتينج الصناعي. عسكريًا: عام 2018م، تم تحديد عدد أفراد القوات المسلحة الروسية بنحو 3,586,128 فردًا،[9] وقد قامت روسيا أخيرًا بالتدخل العسكري في كل من شبه جزيرة القرم، وسوريا، وزيادة وجودها في البحر المتوسط، وكذلك بحر البلطيق، وهذا يعطي روسيا وجودًا عسكريًا واستراتيجيًا مهما في مناطق نفوذ ذات تأثير عالمي،والسؤال الذي نحاول طرحه هنا: هل يكون التحرك العسكري في مختلف الأماكن في العالم من قبل روسيا ذا أهداف اقتصادية؟ بطبيعة الحال، يشير الباحث سامر إلياس إلى أن بلدًا لا يستأثر بأكثر من 3% من حجم الاقتصاد العالمي لا يمكن أن ينافس على دور الصدارة في العالم، كما أن الانطلاق من مبدأ أن الأسطول والجيش هما صديقا روسيا الوحيدان، ليس صحيحًا في معايير عالمنا المعاصر، فأسباب انهيار الدول تكمن في طبيعة بنيانها، وصمودها رُهِن بأوضاعها الصلبة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، لا بقدرة طائراتها على إفراغ حمولتها من الصواريخ والقذائف، ولا بقدرتها على إطلاق صواريخ عابرة للقارات،ويرى حسن شاهين أنه منذ عودة بوتين إلى الكرملين عام 2012م، أخذت روسيا بقوة تنتهج سلوكًا تدخليًا في إقليمها القريب وخارجه، لم تمارسه من قبل، إلا في حالة جورجيا، ما دفع كتابًا وسياسيين كثيرين إلى الحديث عن طموح إمبريالي عالمي لروسيا، خاصةً أنه جاء مع ما يمكن وصفها بحالة سيولة في النظام الدولي، في ظل تراجع الهيمنة الأمريكية العالمية، وأزمة وجود تعصف بالاتحاد الأوروبي، واستمرار التحفظ الذي تنتهجه الصين في سياستها الدولية، إلا أن القراءة في أوضاع روسيا الاقتصادية والديموغرافية والعسكرية لا تدعم مثل هذا الاستنتاج،يشير الرئيس الأمريكي أيزنهاور إلى أنه ستكون في منطقتنا في الخليج والشرق الأوسط حربًا كل خمس أو سبع سنوات وبشكل دوري، وهذا يجعلنا نتساءل عن طبيعة الدور الروسي ومدى انعكاس تدخلاتها كذلك في سوريا وقتلها المدنيين، وكيف أنها تسهم في الاضطرابات التي تصيب المنطقة، وستتأثر روسيا نفسها لا محالة بتلك الاضطرابات، فبحسب نظرية الفراشة فإن الأحداث التي تصيب مكانًا مَّا، ستكون لها آثار متتابعة وتدميرية في مكان آخر، وبالتالي، عملية قتل المدنيين في سوريا، ستولد أشخاصًا من كل أنحاء العالم يسعون للانتقام مما تقوم به روسيا دون وجه حق ضد المدنيين العزل،بالتأكيد أن قيادة العالم، تحتاج إلى قيم حقيقية، لا تظهر في الدب الروسي بشكل كبير، وإنما ما يظهر هو شراهة للقوة والنفوذ والهيمنة بالمعنى السلبي، وليس بمعنى القوة الناعمة أي التأثير في الدول الأخرى إيجابيًا لاتباع نظام تلك الدول. وهذا يجعلنا نطرح سؤالاً: ما الذي تملكه روسيا لتقدمه للعالم فكريًا ومعرفيًا وحضاريًا؟ هل هي قادرة على إعادة إنتاج الاشتراكية والماركسية بشكل جديد، أو طرح نظام مالي عالمي جديد يساعد الدول؟ قد ينمو مقدار القوة الروسية مستقبلًا مع التغيرات الدولية، وعدم الاستقرار الدولي، إلا أنه بالتأكيد سيكون عليها يومًا ما أن تواجه الصين.[10]

الثابت والمتحول في العلاقات السعودية ـ الروسية:

عند الحديث عن العوامل الثابتة هنا نقصد الحدود الجغرافية أو التشارك في اللغة والثقافة والدين، كعوامل ثابتة في العلاقات بين البلدين، وأما المتغير فهي ما يتعلق بالقوة الناعمة، وهنا نتساءل هل لدى روسيا القوة الناعمة التي تحدث عنها وزيف ناي وهي القدرة على التأثير في سلوك الآخرين للقيام بعملٍ ما يتفق مع ما تريده. تلك القوة السياسية الناعمة بالنسبة للدول، ليوضح أن بلدًا ما قد يكون قويًا ذا تأثيرٍ في السياسة الدولية "لأن هناك بلدانا أخرى-معجبة بمُثُله، وتحذو حذوه، وتتطلع إلى مستواه من الازدهار والانفتاح-تريد أن تتبعه"[11]

الفكرة الأولى التي تتبادر إلى الذهن هي بوضوح تورط روسيا في سوريا وشراكات عمليات عسكرية مع القوات الإيرانية لتوسيع دائرة نفوذها. على الصعيد الاقتصادي، أصبح هنالك متزايد بأن الخطط الاستثمارية الروسية -السعودية المشتركة الجارية حاليًا مع ديميترييف تصدر بيانًا إيجابيًا بشأن المملكة العربية السعودية مرة واحدة في الأسبوع. أعلم أن الحكومة السعودية قد جعلت التهديد الضمني للولايات المتحدة أنه إذا تم تقليص مبيعات الأسلحة، فإنها ستتحول إلى روسيا في هذا الصدد، لكن مثل هذه الشراكات سوف تستغرق سنوات من حيث نقل التكنولوجيا والمعرفة.

يمكن القول إنه منذ 2016م، قد خلق تقارب استراتيجي إلى حدٍ كبير، من الناحية السياسية والاقتصادية والفكرية وعلى مستوى التحالف التوازن بين الحلفاء.

أشارت بعض المصادر أن هنالك لقاء جمع مؤخرًا بين رئيس المخابرات الخارجية الروسية ومثيله السعودي للحديث حول مكافحة الإرهاب والصراعات الإقليمية في المنطقة، ويدل هذا التنسيق على المستوى المعلوماتي التنسيق بين البلدين والمشاورات حول مستقبل المنطقة، ويأتي ذلك ضمن مصالح تسعى الدولتان من خلال المشاورات إلى تعزيز مصالحهما.

ومع ذلك روسيا ليس لديها حدود مع المنطقة، تحاول خلق قواعد عسكرية خاصة بها في سوريا تحديدًا، لكن ما عدا ذلك يمكن أن تقدمه روسيا للمنطقة بدلاً من إعادة تشكيل التحالفات السياسية والعسكرية ودعم الأنظمة.. وهذا يرفع نسبة الشعور بالشك في استدامة وجودها وهذا ما نقصد به بالمتغير.

بالإضافة إلى إيران والطاقة، هناك عاملان رئيسيان وراء مساعي الرياض لتقوية العلاقات مع موسكو. الأول هو عدم توازن السلطة في الشرق الأوسط منذ توقيع الاتفاق النووي مع طهران من قبل P5 + 1 في يوليو 2015م. وقد أدى ذلك إلى زعزعة ثقة حكومات الخليج بشكل عام، وصانعي القرار في الولايات المتحدة على وجه الخصوص، وبالتالي، تحاول المملكة العربية السعودية استعادة التوازن الضروري لتحقيق مصالحها من خلال تنويع تحالفاتها.[12]
العامل الآخر المعزز للعلاقات السعودية الروسية هو وعي القيادة السعودية بأن العالم لم يعدأحادي القطب كما كان الحال بعد انهيار الاتحاد السوفيتي في التسعينيات. بعد أن دخلت موسكو الحرب في سوريا كلاعب رئيسي، في سبتمبر 2015، بدأ "عالم القطبين"، مع روسيا من جهة واحدة، في التبلور.[13]

خاتمة

تتجه المملكة مع رؤية 2030 إلى تنويع اقتصادها من الاعتماد كليًا على النِّفط إلى تنويع مصادر الدخل، وفتح مصادر اقتصاد أخرى مبنية على القطاعات الصناعية ومعرفة الكيف، والتصنيع المتوسط، وصناعة المحتوى المحلي، ومع التوجه الداخلي للملكة الذي يؤثر في سياساتها الخارجية مع الحليف التقليدي الولايات المتحدة التي أعلنت مؤخرًا الانسحاب من سوريا، وكذلك البعد عن المناطق عدا فيما يتعلق باستمرار الضغط على إيران، فشكّلت مساحة الانسحاب الأمريكي فرصة للجانب الروسي للتوسع في تواجده العسكري وكذلك «السياسي» في المنطقة عبر السعي إلى زيادة التعاون الاقتصادي وبالتالي زيادة فرص التواجد بالمنطقة.

ومع ذلك تظل نسب التعاون بين المملكة وروسيا لا تقارن بمثيلتها مع الولايات المتحدة الأمريكية، وتظل روسيا أيضًا لا تمتلك نموذج القوة الناعمة التي تمتلكها الولايات المتحدة الأمريكية، بتقديمه للعالم، ناهيك عن الإشكاليات الروسية الداخلية، ومع ذلك يظل التقدم الذي قامت به روسيا في العشر السنوات الأخيرة ملحوظًا جدًا بإعادة وضعها على الخارطة الدولية، ولا سيما الشرق الأوسط وأوروبا كذلك. ولكن السؤال يظل مطروحًا حول ما إذا كان ذلك نتيجةً لقيادة بوتين، أو انعكاس لتطور حقيقي داخل النظام والمؤسسات الروسية الداخلية؟ وما إذا كانت الخيارات الروسية السياسية بدعم حلفاء ضد حلفاء على المستوى التكتيكي ستستمر في الصعود وعدم التأثير عليها سلبًا ولا سيما في سيناريو حرب في منطقة الشرق الأوسط.

بالمقابل، لدى روسيا الكثير من معرفة الكيف في مجال التصنيع التي يمكن أن تكون وسيلة لتعزيز التعاون بينها وبين المملكة علاوة على الاستثمارات السعودية الواسعة التي يمكن أن تضخ سيولة كبيرة في الشركات الروسية والتي من شأنها دعم الاقتصاد الروسي داخليًا، لكن هذا سيتم بناءً على اتفاقات تتعلق بالنفوذ في المنطقة والعلاقات المتشابكة مع إيران.

يعتزم بوتين زيارة المملكة لهذا العام الجديد 2019م، وهنا ستتضح ملامح أخرى جديدة في العلاقات بين البلدين والتي يمكن تعزيزها في عدد من المجالات ذات المصلحة للبلدين، وكذلك التنسيق والتفاهم حول الوضع الإقليمي في المنطقة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*أستاذ بكلية العلوم الاستراتيجية ـ جامعة نايف للعلوم الأمنية ـ الرياض ـ المملكة العربية السعودية

 

 

([1]) وانتقلت روسيا من المرتبة 60 إلى المرتبة 24 بين الدول المصدرة إلى المملكة، كما ارتفعت من المرتبة 99 بين الدول التي تستورد منتجات من المملكة إلى المرتبة 82 في غضون عشر سنوات. المصدر https://www.argaam.com/ar/article/articledetail/id/380451

([2]) https://www.muslim.ru/ar/articles/246/18838/

([3]) (معمر ،2000م، ص115).

[4]https://sputniknews.com/world/201812011070304021-russia-saudi-arabia/

[5]https://www.alyaum.com/articles/1029504/%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D9%8A/

([6]) (الشيخ،2006م، ص68).

([7]) http://cutt.us/iTeC

([8])http://cutt.us/QCYu2

[9]https://www.globalfirepower.com/country-military-strength-detail.asp?country_id=russia

[10]http://www.aleqt.com/2017/03/13/article_1150641.html

[11] جوزيف ناي، القوة الناعمة، وسيلة النجاح في السياسة الدولية، العبيكان، الرياض،2007، ص 24

[12]https://www.trtworld.com/opinion/king-salman-s-visit-to-russia-between-interests-and-ideology-11445

[13] المرجع السابق

كلمات دليلية