;
الصفحة السابقة

العلاقات الصينية - الإيرانية استراتيجية.. وتحالف طهران - موسكو ظرفي

انشأ بتاريخ: الثلاثاء، 05 شباط/فبراير 2019

تكتسب العلاقات مع روسيا أهمية خاصة بالنسبة لإيران لاعتبارات عديدة: يتمثل أولها، في أن روسيا مثلت، خلال العقد الأخير على الأقل، ظهيرًا دوليًا لإيران حال دون تصعيد حدة الضغوط الدولية التي كانت مفروضة عليها لدرجة كان من الممكن ألا تستطيع استيعابها.

وينصرف ثانيها، إلى أن موسكو ساعدت إيران في الحفاظ على مصالحها في مناطق ودول عديدة بالمنطقة، لاسيما في سوريا، عندما رفعت مستوى انخراطها العسكري في الصراع السوري، في سبتمبر 2015م، لدرجة أدت إلى تغيير توازنات القوى لصالح النظام السوري وحالت دون صدور قرارات إدانة من داخل مجلس الأمن ضد الانتهاكات التي ارتكبها هذا النظام، بمساعدة إيران والميليشيات الطائفية التي قامت بتكوينها وتدريبها، باستخدام حق الفيتو مرات عديدة.

ويتعلق ثالثها، باتساع نطاق التعاون الثنائي بين موسكو وطهران، في العديد من المجالات، خاصة العسكرية والتكنولوجية، حيث تقوم روسيا بدعم خطط إيران في تطوير بعض منشآتها النووية، خاصة في منطقة بوشهر، كما أنها رفعت الحظر الذي فرضته، في عهد الرئيس السابق ديمتري ميدفيديف، على تزويد إيران بمنظومة صواريخ "إس 300" للدفاع الجوي، في 13 أبريل 2015م، لاحتواء الخلافات التي نشبت بين الطرفين وكادت أن تؤدي إلى أزمة حادة، حيث تسلمت إيران أول دفعة من المنظومة الجديدة في 11 أبريل 2016م.

ورغم ذلك، ما زالت اتجاهات عديدة داخل طهران تبدي شكوكا في مدى إمكانية الاعتماد بشكل كبير على روسيا كقوة دولية تستطيع أن تعزز موقف إيران في مواجهة الضغوط الدولية التي تتعرض لها، خاصة بعد الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي وإعادة فرض العقوبات الأمريكية على مرحلتين في 7 أغسطس و5 نوفمبر 2018م.

كما لا تبدو طهران مطمئنة للسياسة التي تتبناها روسيا في سوريا، خاصة فيما يتعلق بحرصها على فتح قنوات تواصل مع خصومها، لاسيما الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، فضلاً عن أنها لا تتبنى بالضرورة الرؤية نفسها الخاصة بمستقبل سوريا، والتي تحاول إيران تحويلها إلى خطوات إجرائية على الأرض خلال المرحلة القادمة.

والأهم من ذلك، أن إيران تتابع بدقة وحذر تطوير العلاقات الثنائية بين روسيا ودول مجلس التعاون الخليجي، لاسيما المملكة العربية السعودية والإمارات، في ضوء حرص الطرفين على رفع مستوى التعاون، في المجالات المختلفة، لاسيما في المجالات غير التقليدية، مثل التعاون النووي والتكنولوجي.

أولاً: المحور الإيراني-الروسي وتأثيره على منطقة الخليج:

رغم الشكوك التي تبديها إيران دائما في "الحليف الروسي"(·)، إلا أن ذلك لم يمنعها من تطوير علاقاتها مع روسيا في المجالات المختلفة. ويعود ذلك، في قسم منه، إلى أن إيران كانت تحاول في الفترة الماضية تأمين ما يمكن تسميته "فيتو" لها في مجلس الأمن من أجل تعزيز جهودها لمواصلة وتوسيع نطاق دورها الإقليمي في المنطقة. وهنا، يمكن القول إن تصاعدمستوى العلاقات بين إيران وروسيا يمكن أن يؤثر على منطقة الخليج من ثلاثة نواحي مباشرة وغير مباشرة، يمكن تناولها على النحو التالي:

1-  مواصلة الأدوار التدخلية:

سعت إيران من خلال الفيتو الروسي إلى ضمان الاستمرار في أدوارها الإقليمية التدخلية، ليس فقط في دول الأزمات وإنما أيضًا داخل بعض دول الجوار، دون أن تغامر بمواجهة موقف دولي صارم ضدها، أو عقوبات دولية، أو أمريكية، تهدف إلى كبح طموحاتها الإقليمية تحديدًا.

وهنا، ربما يمكن القول أن محاولات طهران في الفترة الماضية استعراض قدراتها ومواصلة تهديداتها في منطقة الخليج، على غرار التهديد بإغلاق مضيق هرمز الذي يعبر منه ثُلث الصادرات النفطية المنقولة عبر البحر إلى العالم، والتدخل في الشؤون الداخلية لدول المنطقة بشكل أدى إلى تهديد أمنها واستقرارها من خلال دعم بعض التنظيمات الإرهابية، لا ينفصل عن حرصها على توسيع نطاق التنسيق مع روسيا.

وانعكس ذلك بشكل واضح في استخدام روسيا حق الفيتو، في 26 فبراير 2018، من أجل عرقلة مشروع قرار تقدمت به بريطانيا، بالتشاور مع الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا، دعا إلى التجاوب مع تقارير خبراء الأمم المتحدة التي تكشف عن انتهاك إيران لقراري مجلس الأمن رقمي 2140 و2216 عبر إصرارها على تقدم دعم عسكري للمتمردين الحوثيين. وقد أدى ذلك إلى صدور قرار آخر نص على تمديد العقوبات المفروضة على اليمن دون الإشارة إلى الدور السلبي الذي تقوم به إيران، على نحو دفع المندوبة الأمريكية (السابقة) في الأمم المتحدة نيكي هيلي إلى توجيه انتقادات قوية إلى الموقف الروسي، مشيرة إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية سوف تضطر إلى اتخاذ إجراءات ضد إيران لا يستطيع الروس منعها، وكان ذلك إشارة واضحة تفيد أن واشنطن في اتجاهها إلى الانسحاب من الاتفاق النووي وإعادة فرض العقوبات الأمريكية على إيران، وهو ما حدث فعلاً في 8 مايو 2018م.

2-  تطوير التعاون التكنولوجي:

ويتركز هذا التعاون تحديدًا على توسيع نطاق استخدام الخبرة والقدرات الروسية في بناء منشآت نووية جديدة في إيران. ففي هذا السياق، أعلنت شركة "روس أتوم" الروسية، في 3 مايو 2018م، أن خبراء بدأوا في إعداد التربة في موقع وحدة الطاقة النووية في محطة بوشهر 2، كمرحلة أساسية تمهيدية قبل البناء.

ومن دون شك، فإن الدعم الذي تقدمه روسيا لإيران من أجل تطوير برنامجها النووي، يمكن أن يؤثر على المنطقة لاعتبارين: أولهما، أن إيران لم تثبت في أى مرحلة أنها طرف يستطيع الانخراط في التزامات دولية صارمة، بما يعني أنه لا يوجد ما يؤكد أن إيران يمكن أن تلتزم بسلمية برنامجها النووي، في ظل سجلها الحافل بالالتفاف على الاتفاقيات الدولية، وآخرها الاتفاق النووي، الذي توصلت إليه مع مجموعة "5+1" في 14 يوليو 2015م، لكنها سارعت منذ اليوم الأول لتطبيقه إلى انتهاكه، بدليل إصرارها على إجراء مزيد من التجارب الخاصة بالصواريخ الباليستية، على نحو مثل أحد الأسباب الأساسية التي دفعت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الانسحاب من الاتفاق.

وكان اللافت أن الولايات المتحدة الأمريكية هي أول من أعلن عن التجربة الأخيرة التي أجرتها إيران على صاروخ باليستي، وذلك من خلال "التغريدة" التي كتبها وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو، على موقع "تويتر" في أول ديسمبر 2018م، وردت عليها إيران بعد حوالي عشرة أيام بتأكيد إجراء التجربة والإشارة إلى أنها تقوم بهذا النشاط بما يتراوح بين 40 إلى 50 مرة في العام حسب تصريحات قائد القوة الجو فضائية التابعة للحرس الثوري أمير على حاجي زاده في 12 من الشهر نفسه.

وثانيهما، أن ثمة مخاطر بيئية لا يمكن تجاهلها بسبب قرب بعض المنشآت النووية من عواصم دول مجلس التعاون الخليجي، على غرار الكويت، فضلاً عن وقوع منطقة المنشآت النووية على خط الزلازل، بشكل يمكن أن يتسبب في حدوث تسرب إشعاعي في ظل ضعف التجهيزات التقنية وتردي البنية التحتية لبعض تلك المنشآت المتقادمة التي تفتقد لمعايير الأمان الدولية.

وقد حذرت دول مجلس التعاون الخليجي مرارًا من المخاطر البيئية التي قد تنجم عن المنشآت النووية الإيرانية، كما تبنت برامج وخطط عديدة للتعامل مع هذه التداعيات التي يمكن أن تقع لأسباب تكنولوجية أو طبيعية.

3-  دعم موقف إيران في مواجهة العقوبات الأمريكية:

حرصت روسيا على توجيه رسائل عديدة بأنها لن تكتف فقط برفض العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة الأمريكية على إيران، وإنما ستقوم بمساعدة إيران على مواجهة تلك العقوبات، عبر دعم جهودها في مواصلة تصدير النفط، الذي تعول عليه إيران بشكل كبير، باعتباره أحد أهم مصادر الدخل القومي الإيراني.

وفي هذا الإطار، قال وزير الطاقة الروسي ألكسندر نوفاك، في 3 نوفمبر 2018م، إن موسكو تتطلع إلى مواصلة تطوير تجارتها بالنفط الإيراني الذي تبيعه إلى دول أخرى وفق برنامج النفط مقابل البضائع مع إيران، وهو البرنامج الذي تسعى من خلاله الأخيرة إلى الالتفاف على العقوبات الأمريكية، من خلال تجنب إجراء تعاملات مالية، خاصة إذا كانت بالدولار.

وهنا، فإن هذا الدعم يمكن أن يوجه ما يمكن تسميته بـ "رسائل خاطئة" إلى إيران، باعتبار أنه سيدفعها إلى تحدي الضغوط والعقوبات الأمريكية الرامية إلى الوصول بمستوى الصادرات النفطية الإيرانية إلى المستوى صفر، على أساس أنه يعني أن إيران في هذه الحالة سوف تتمكن من تصدير قسم من نفطها إلى الخارج، على نحو سيجعلها ترفض تقديم أى تنازلات لتقليص حدة الضغوط الأمريكية.

ومن دون شك، فإن المعنى المباشر لذلك هو أن إيران سوف تواصل سياستها المتشددة، سواء فيما يتعلق بإجراء مزيد من التجارب الخاصة بالصواريخ الباليستية التي نقلتها إلى التنظيمات الإرهابية والمسلحة، أو التدخل في الشؤون الداخلية لدول المنطقة ولاسيما دول الأزمات، أو التهديد بالتأثير على حرية الملاحة في الخليج العربي والبحر الأحمر. وكان الرئيس الإيراني حسن روحاني آخر المسؤولين الإيرانيين الذين وجهوا تهديدات جديدة في هذا السياق، حيث قال، في 4 ديسمبر 2018م، أنه "يتعين على أمريكا أن تعلم في حال الحيلولة دون تصدير الخام الإيراني فلن تستطيع أية دولة في الخليج تصدير نفطها".

ثانيًا: موقف إيران من التقارب الروسي-الخليجي:

على ضوء هذه الاعتبارات، يمكن القول أن إيران تتابع بقلق تطورات العلاقات بين روسيا وبعض دول مجلس التعاون الخليجي، خاصة الدول الداعية لدعم الاستقرار ومكافحة الإرهاب، وذلك لأنها ترى أن أدوارها التدخلية في المنطقة وبرنامجيها النووي والصاروخي لن تكون بعيدة عن المباحثات التي تجري بين موسكو وهذه الدول. بل يمكن القول أن بعض الاتجاهات داخل إيران ترجح أن الهدف الأساسي الذي تسعى إليه هذه الدول من تطوير علاقاتها مع روسيا يكمن في تفكيك تحالفها مع إيران، وهو ما لا يتسامح مع المعطيات الموجودة على الأرض التي تشير إلى أن العلاقات مع روسيا تبدو بالنسبة لهذه الدول أعمق وأكثر أهمية من مجرد اعتبارها خيارًا لمواجهة إيران.

ففي هذا السياق، قام خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود، في 4 أكتوبر 2017م، بزيارة روسيا، حيث تم إطلاق ما يسمى بـ "خريطة طريق" لتطوير العلاقات الثنائية، وتوقيع صفقات اقتصادية وعسكرية عديدة، منها اتفاقات خاصة بالطاقة والاستخدام السلمي للطاقة النووية وصناعات الفضاء. وقد وصلت قيمة العقود الاستثمارية التي أبرمت في الزيارة إلى نحو 7 مليارات دولار حسب تقديرات منتدى الاستثمار الروسي-السعودي.

واللافت في هذا السياق، أن تدخلات إيران في المنطقة كانت حاضرة في هذه الزيارة، حيث أكد الملك سلمان خلال لقائه الرئيس الروسي فيلاديمير بوتين، على أن "أمن منطقة الخليج والشرق الأوسط واستقرارها ضرورة قصوى لتحقيق الأمن والاستقرار العالمي، ما يستوجب التزام إيران بالكف عن تدخلاتها في شؤون دول المنطقة وزعزعة الأمن والاستقرار فيها".

ورغم أن روسيا كانت حريصة على توجيه رسائل خلال زيارة الملك سلمان مفادها أن التعاون بين الطرفين ليس موجهًا ضد أحد، إلا أن ذلك لم يقلص قلق إيران، التي اعتبرت أن هذه الصفقات تؤشر إلى رغبة الرياض في التأثير على روسيا ومواجهة إيران وحلفائها من الميليشيات الحوثية والتنظيمات الإرهابية الأخرى، وهو مسار اعتبرت أنه بدأ مع الزيارة التي قام بها ولى العهد نائب رئيس الوزراء وزير الدفاع الأمير محمد بن سلمان إلى سان بطرسبرج ولقائه الرئيس بوتين، في 18 يونيو 2015م، حيث تم توقيع 6 اتفاقيات ومذكرات تفاهم في مجالات التعاون العسكري والتقني والإسكان والطاقة.

وربطت طهران بين توسيع نطاق العلاقات الثنائية بين السعودية وروسيا وبين تطلع دول خليجية أخرى إلى إبرام اتفاقيات لرفع مستوى التعاون مع الأخيرة، على غرار الإمارات، حيث قام ولى عهد أبوظبى نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة الشيخ محمد بن زايد آل نهيان بزيارة موسكو، في أول يونيو 2018م، حيث تم التوقيع على إعلان حول التعاون والشراكة الاستراتيجية بين الدولتين، وأشار الرئيس بوتين إلى أن صندوقي الاستثمارات الإماراتي والروسي وظفا نحو 2 مليار دولار في مشروعات مشتركة، تراوحت عائداتها ما بين 15 و17%.

وقد حرصت روسيا ودول مجلس التعاون على إضفاء طابع مؤسسي على العلاقات بينهما، وهو ما بدا جليًا في تدشين ما يسمى بـ"الحوار الاستراتيجي بين روسيا ودول مجلس التعاون الخليجي" الذي عقد أربعة اجتماعات كان آخرها بموسكو في 26 مايو 2016م، حيث بدا جليًا من البيان الختامي الذي صدر عنه أن ثمة توافق حول العديد من القضايا الإقليمية التي تحظى باهتمام مشترك من جانب الطرفين.

ثالثًا: المسارات المحتملة للعلاقات الإيرانية-الروسية:

رغم أن إيران تبدي اهتمامًا خاصًا بتطوير علاقاتها مع روسيا في المجالات المختلفة، لاسيما العسكرية والسياسية والتكنولوجية، إلا أن ذلك لا ينفي أن الأولى ما زالت تتبنى سياسة حذرة خاصة فيما يتعلق بالمدى الذي يمكن أن تصل إليه في التعويل على روسيا كحليف استراتيجي أو ظهير دولي يستطيع تعزيز موقع إيران في مواجهة الضغوط والعقوبات الأمريكية التي تتعرض لها.

وعلى هذا النحو، يمكن القول أن ثمة مسارات رئيسية ثلاث قد تتجه إليها العلاقات بين الطرفين خلال المرحلة المقبلة:

1-  المسار الأول: توسيع نطاق العلاقات بين الطرفين والوصول إلى درجة "التحالف"، وهو مستوى لم تصل إليه هذه العلاقات رغم التوافق الظاهر بينهما حول العديد من القضايا الإقليمية والدولية. ومن دون شك، فإن ثمة اعتبارات عديدة تدعم هذا المسار، أهمها أن العقوبات الحالية التي تفرضها الولايات المتحدة الأمريكية، فضلاً عن تصاعد حدة الخلافات مع الدول الأوروبية بسبب عدم قدرة الأخيرة على تبني الآليات المالية التي يمكن من خلالها احتواء آثار العقوبات الأمريكية ومواصلة العمل بالاتفاق النووي، إلى جانب تورط إيران في محاولات تنفيذ عمليات إرهابية داخل تلك الدول تستهدف بعض رموز المعارضة الإيرانية الموجودة على أراضيها، كل ذلك يفرض خيارات محدودة أمام إيران على الصعيد الدولي، بشكل يدفعها إلى توثيق علاقاتها مع روسيا والاعتماد عليها كقوة دولية رئيسية في مواجهة الدول الغربية.

لكن هذا المسار يواجه عقبات عديدة، منها أن ثمة اتجاهات في إيران ما زالت مصرة على ضرورة عدم الاعتماد على روسيا كحليف استراتيجي، خاصة أن الأخيرة تربط علاقاتها مع إيران بحساباتها ومصالحها مع الدول الغربية، فضلاً عن أنها ما زالت حريصة على الوصول إلى تفاهمات مع خصوم الأخيرة في سوريا، وفي مقدمتهم الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل.

2-  المسار الثاني: توتر العلاقات، وذلك بسبب الخلافات السابق ذكرها، والتي قد تتطور في حالة ما إذا اتُخِذت إجراءات لتفعيل عملية سياسية جديدة داخل سوريا، يمكن أن تؤثر على مستقبل الدولة ونظام الحكم، وهي قضية يتوقع أن تظهر فيها تباينات استراتيجية كبيرة بين موسكو وطهران. إذ أن الأخيرة ما زالت مصرة على تمكين النظام السوري من السيطرة على كامل الأراضي السورية والاستمرار في الحكم، رغم كل الانتهاكات التي ارتكبها، مع عدم التعويل على مرجعية جنيف التي ترعاها الأمم المتحدة، والاستعاضة عنها بمرجعية الآستانة التي أسستها مع كل من روسيا وتركيا. فضلا عن ذلك، فإن إيران ما زالت حريصة على تكريس النفوذ الطائفي داخل سوريا مع إقصاء كل المكونات السياسية والاجتماعية الأخرى داخل سوريا، على غرار ما هو قائم في إيران نفسها.

لكن لا توجد مؤشرات عديدة حتى الآن تدعم من إمكانية قبول روسيا بمثل تلك الرؤية المتشددة التي تتبناها إيران، بل إنها في فترات معينة، سعت إلى توجيه إشارات بأن سياستها لا تتطابق بشكل كامل مع التحركات التي تجريها إيران على الأرض.

إلا أن هذا المسار أيضًا يواجه عقبات عديدة، أهمها أن وصول العلاقات بين الطرفين إلى مرحلة التوتر قد لا يتوافق مع مصالحهما، على نحو قد يدفعهما إلى وضع سقف لهذا التوتر أو احتواء تداعياته على استمرار التنسيق السياسي والعسكري بينهما.

3-  المسار الثالث: تبني سياسة متوازنة، تقوم على عدم الاعتماد على روسيا كظهير دولي وحيد، بشكل يمكن أن يُعرِّض إيران لانكشاف استراتيجي كبير ويمنح روسيا فرصة لممارسة ضغوط عليها في حالة تباين سياساتهما حول بعض القضايا، وذلك من خلال تأسيس علاقات استراتيجية مع الصين، التي تحظى باهتمام خاص من جانب طهران.

ويبدو أن هذا المسار هو الأكثر ترجيحًا، لاعتبارين: أولهما، أن الصين هى أحد المستوردين الرئيسيين للنفط الإيراني، حيث تعول عليها إيران في مساعيها لمواجهة العقوبات الأمريكية، رغم أن موقف بكين النهائي لم يتضح بعد، وربما يستغرق وقتًا، على الأقل حتى انتهاء المهلة الحالية التي منحتها الولايات المتحدة الأمريكية إلى ثماني دول مستوردة للنفط الإيراني، ومنها الصين، لاستيراد النفط الإيراني خلال ستة أشهر قبل تخفيضه، في مايو 2019م.

وثانيهما، أن إيران ترى أن الاستعانة بالشركات الصينية هو الخيار الأساسي المتاح أمامها لملء الفراغ الناتج عن انسحاب الشركات الغربية من السوق الإيرانية تجنبًا للعقوبات الأمريكية. وقد اتخذت إجراءات عملية في هذا السياق بالفعل، حيث أعلن وزير النفط الإيراني بيجن نامدار زنكنه، في 25 نوفمبر 2018م، أن شركة "سي إن بي سي" الصينية سوف تحل محل شركة "توتال" الفرنسية التي انسحبت من مشروع تطوير المرحلة الحادية عشر من حقل بارس الجنوبي، والذي تقدر قيمته 5 مليارات دولار.

ووفقًا لذلك، فإن الشركة الصينية سوف تستحوذ على حصة "توتال" التي كانت تبلغ 51%، لتصل حصتها النهائية إلى 81% مقابل 19% لشركة النفط الوطنية الإيرانية.

وفي النهاية، يمكن القول أن العلاقات بين إيران وروسيا سوف تواجه، على الأرجح، استحقاقات استراتيجية عديدة خلال عام 2019م، ربما تؤثر بشكل كبير على مساراتها المحتملة، خاصة مع تصاعد حدة التوتر بين إيران والدول الغربية حول الاتفاق النووي، وتزايد احتمالات إجراء مباحثات جديدة لبدء عملية سياسية في سوريا تتضمن النقاش حول الملفات الأساسية التي تحظى باهتمام مشترك من جانب طهران وموسكو.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

  • يعود قسم من هذه الشكوك إلى أسباب تاريخية، عندما كانت روسيا أحد مصادر تهديد الأمن القومي الإيراني، حيث دخلت في حربين مع الدولة القاجارية في إيران، وأجبرت الأخيرة بعد هزيمتها على توقيع معاهدتي جلستان وتركمانشاي عامي 1813 و1828، اقتطعت بمقتضاهما أجزاء كبيرة من أراضيها، في وسط آسيا والقوقاز. ومن هنا، تصف بعض الأدبيات في إيران روسيا بأنه "عدو لا يمكن معاداته" في قراءة واضحة إلى أن توازنات القوى ليست في صالح إيران بالطبع، التي لا تستطيع، وفقا لذلك، الدخول في صراع مفتوح مع روسيا، بشكل يدفعها دوما إلى الإصرار على تغليب النمط التعاوني في تفاعلاتها مع جارتها الشمالية.
كلمات دليلية