;
الصفحة السابقة

سوريا العضو المتوقع في الاتحاد الأوراسي وبوابته على البحر المتوسط

انشأ بتاريخ: الثلاثاء، 05 شباط/فبراير 2019

قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عام 2005م، الذي ينتمي لتيار المدرسة الأوراسية، معلقًا على انهيار الاتحاد السوفيتي" إن انهيار الاتحاد السوفيتي هو كارثة القرن العشرين الكبرى". ويعتبر بوتين من أتباع المدرسة الجيوبولتيكية الاوراسية وتعزيز مكانة روسيا في الجمهوريات الروسية السابقة، وعندما سئل بوتين في إحدى المؤتمرات الصحفية، على أن جغرافية روسيا قد جعلتها بين الشرق والغرب، أجاب بوتين بقوله" إن الشرق والغرب هما اللذان يقعان على يمين وشمال روسيا"، أي أن روسيا هي المركز بين الشرق والغرب، وليست هامشية.

النخبة الروسية وحلم الامبراطورية

أصيبت النخبة الروسية بصدمة قوية من انهيار الاتحاد السوفيتي، لأن العرق الروسي كان يسيطر على المراكز الحساسة سواء السياسية أو الأمنية والعسكرية في الجمهوريات السوفيتية، وكان الروس منتشرين في هذه الجمهوريات بحرية، ومع انهيار الرابط الأيديولوجي ونهاية الامبراطورية، فإن النخبة المخضرمة منذ العهد السوفيتي والتي تولت السلطة في روسيا الاتحادية كان لها الحنين لتشكيل روسيا الاتحادية، كقوة رئيسة في أوراسيا وأن تلعب دورًا قويًا على المستوى السياسي العالمي. ونشير إلى أن هزيمة ألمانيا في الحرب العالمية الأولى والتعويضات التي فرضت على ألمانيا كان رد الفعل فيما بعد على بروز هتلر وظهور الحزب النازي وتحدي أوروبا، باعتبار ألمانيا والجنس الآري هو الذي يجب أن يهيمن على القارة الأوروبية، وبعد الحرب العالمية الثانية وتقسيم ألمانيا كان رد الفعل الألماني عام 1989م، وحدة ألمانيا، وتجاوز الخلافات الأيديولوجية، ونجد أن النخبة الروسية التي ترى في تاريخ روسيا القيصرية والاتحاد السوفيتي كأمبراطورية عالمية، تريد استمراره بشكل آخر، وأن يكون لروسيا الاتحادية الهيمنة على أوراسيا، أو حسب تعبير هالفورد ماكندر على قلب اليابس الذي اعتبره مفتاح الهيمنة العالمية؟

الأوراسية الجديدة وسيلة لعودة النفوذ الروسي

أكد الرئيس بوتين في مقالة له نشرت في صحيفة أزفيستيا الروسية في الثالث من أكتوبر 2011م، ( كان عندئذ رئيسًا للوزراء)، أنه يقترح قيام رابطة فوق القومية قادرة لأن تكون أحد الأقطاب الدولية وأن تكون جسرًا بين أوروبا وإقليم المحيط الهادئ-الآسيوي، وقد أعلن رسميا قيام الاتحاد الأوراس Eurasian Union ، بتوقيع ثلاثة دول في آستانا عاصمة كازاخستان بين الدول الثلاث هي: روسيا الاتحادية وبيلاوروسيا وكازاخستان، وانضمت اليها فيما بعد ثلاث دول أخرى من الجمهوريات السوفيتية السابقة وهي أرمينيا وقيرغيزستان وطاجكستان، والهدف الأساسي من هذا الاتحاد بناء تكتل اقتصادي في أوراسيا يماثل الاتحاد الأوروبي، وكما أشار بوتين في مقالته، أنه يهدف إلى تعاون في المجالات الاقتصادية والسياسة النقدية في الاتحاد الجمركي والمنطقة الاقتصادية العامة (CES)، وهذه المنطقة الاقتصادية العامة تم تشكيلها في يناير 2012م، وضم الدول الثلاث التي وقعت مؤخرًا على قيام الاتحاد الأوراسي والتي اعتبرها بوتين حجر الزاوية لبناء منطقة واسعة على غرار الاتحاد السوفيتي السابق .

ونلاحظ أن بوتين يسترشد في بناء الاتحاد الاوراسي بتجربة الاتحاد الأوروبي التي بدأت باتحاد الفحم والفولاذ ثم تطور من الجماعة الاقتصادية الأوروبية حتى إعلان قيام الاتحاد الأوروبي بمعاهدة ماستريخت 1992م، ولذلك تم تشكيل الجماعة الاقتصادية الأوراسية عام 2000م، ثم تشكيل الاتحاد الجمركي بين روسيا وبيلوروسيا وكازاخستان، ومع يوليو 2011م، تم الغاء الجمارك بين الدول الثلاث والتحرك نحو اتحاد جمركي للمنطقة الاقتصادية العامة، لمنطقة عدد سكانها 165 مليون نسمة وإصدار تشريعات موحدة تسمح لتدفق الخدمات ورأس المال والقوة العامة في هذه المنطقة وبالتالي تخدم مصالح هذه الدول وخاصة تعزيز قوة روسيا الاقتصادية والسياسية.

ويعتبر بوتين أن الموارد الاقتصادية التي تتوفر في دول الاتحاد الأوراسي تجعله في مركز قوة لينافس دول التكتلات الإقليمية في مجال الصناعة والتكنولوجيا، وهي الاتحاد الأوروبي، الصين، الولايات المتحدة وتكتل آيباك.

إن الاتحاد الأوراسي جعل الباب مفتوحًا أمام دول كومنولث الدول المستقلة لتنضم إلى عضويته، وحسب رأي بوتين فإن الاتحاد الأوراسي يقوم على مبادئ عالمية: الحرية، الديمقراطية، وقوانين السوق، وبالتالي نلاحظ أن روسيا تجعل من الاتحاد الأوراسي، أيديولوجية لربط دول الاتحاد السوفيتي السابق في هوية واحدة هي الهوية الأوراسية.

إن طرح فكرة الأوراسية ليست بالجديد فقد طرحت الفكرة الأوراسية ترافقت مع توسع الأمبراطورية الروسية في آسيا الوسطى والقوقاز، وأصبحت توصف بأنها أمبراطورية توصف بقلب اليابس وهي نظرية هالفورد ماكندر التي رأى أنها تنافس القوى البحرية، بريطانيا العظمى. وهناك أيضًا من كان يناهض الأيديولوجية الماركسية وطرحت الأوراسية كجذب للشعوب الآسيوية خاصة، أن روسيا تتميز بهوية تكون ذات بعد ثقافي مختلف عن أوروبا فهي دولة تدين بالمسيحية الأرثوذكسية ثم تبنت الماركسية، وتسعى روسيا حاليًا بإعادة بناء أيديولوجية جامعة هي الأوراسية خاصة لتجاوز حساسية الشعوب الآسيوية، خاصة في آسيا الوسطى من هيمنة القومية الروسية على الجمهوريات السوفيتية السابقة.

إن إحياء الأوراسية ،محاولة لبناء أيديولوجية جديدة تجعل روسيا تعيد نفوذها في آسيا الوسطى وبقية الجمهوريات السوفيتية السابقة، ويعتبر ألكسندر دوجين أشهر الداعين إلى الأوراسية الجديدة في كتابه " أسس الجيوبولتيكا "( 1999م)، وترجم لعدة لغات ومنها العربية، وكان مستشاراً لرئيس الدوما الروسي والعقل المنظر للرئيس بوتين في الأوراسية، وقد يكون الكتاب أقرب لكتاب كفاحي لهتلر في تصوره للدور الروسي، كما كان هتلر يصور مكانة ألمانيا في أوروبا، ولذلك نرى أن دوغين يعتبر أن التوجه الجيوبولتيكي لروسيا نحو آسيا وليس أوروبا، وإقامة تحالف ومحاور آسيوية لمواجهة الغرب وخاصة الولايات المتحدة. إن الرؤية الاستراتيجية للأوراسية الجديدة، أن تكون روسيا ذات دور مركزي عالمي.

الجوار القريب ومبدأ مونرو الروسي

إن توسع حلف الناتو شرقا وتشجيع الغرب للثورات الملونة في أوروبا الشرقية التي كانت جزءًا من الاتحاد السوفيتي، والتدخل في الشؤون الروسية الداخلية والتدخل العسكري للناتو في صربيا الحليف التاريخ لروسيا ضمن العرق السلافي، أدى إلى تفكير النخبة الروسية المحافظة والقومية والتي يطلق على الأوراسية الندماجيةEurasion integrationists، في أن الجمهوريات السوفيتية السابقة تعتبر منطقة نفوذ روسية تحت مسمى دول الجوار القريب Near Abroad وبدأت الدعوة لتشكيل كومنولث الدول المستقلة، وكانت الدوائر الاستراتيجية في موسكو أن الجمهوريات السوفيتية السابقة تقع ضمن النفوذ الروسي، وأطلق على تلك السياسية مبدأ مونرو الروسي، إشارة إلى مبدأ مونرو الأمريكي 1823م، عندما أعلنت الولايات المتحدة أن أمريكا اللاتينية منطقة نفوذ أمريكية، ومنعت أوروبا من عودة نفوذها لقارة أمريكا اللاتينية. وقد كان الهدف الرئيس لروسيا العامل الاقتصادي، كما أن وجود الأقلية الروسية في هذه الجمهوريات يخلق حساسية عرقية مع سكان الجمهوريات، فإطلاق الأوراسية يخفف من الحساسية العرقية أيضًا داخل هذا الكومنولث.

تشكل كومنولث الدول المستقلة CIS، من تسعة دول عام 1993م، أذربيجان، بيلوروسيا، كازاخستان، قيرغيزستان، أرمينيا، مالدوفيا، طاجيكستان، أوزباكستان بالإضافة إلى روسيا، وشكل فضاءً مهمًا للاتحاد الأوراسي الذي أعلن الاتحاد الاقتصادي الأوراسي رسمياعام 2015م، وتأسس الاتحاد الجمركي بين بعض دول الكومنولث والمجموعة الاقتصادية الأوراسية التي هي الأساس للاتحاد الأوراسي، ويظهر أن العامل الاقتصادي والأمني محور هذه التكتلات.

 

أوكرانيا والأوراسية وضم القرم

 

تعتبر أوكرانيا المحور الجيوبولتيكي في تشكيل الاتحاد الأوراسي، بل تاريخيًا، بدأ التاريخ الروسي بكييف الروسية قبل موسكو، وبانضمام أوكرانيا إلى الاتحاد الأوراسي تتشكل الامبراطورية الروسية على أرض الواقع، ولذلك نجد أن الاسكندر دوغين يعبر عن ذلك بصراحة في كتابه أسس الجيبولتيكا بقوله إن" أوكرانيا كدولة مستقلة ذات مطامح ترابية معينة، تمثل خطرًا داهمًا على الأوراسيا كلها، وبدون حل المشكلة الأوكرانية يغدو الحديث عن الجيوبولتيكا القارية أمرًا بعثيًا على العموم". وبذلك يرى دوغين أن استقلال أوكرانيا في حد ذاته تهديدًا إلى الأوراسية والأمن القومي الروسي، ويتهم الغرب بأنه وراء مشكلة أوكرانيا حيث يقول" إن حقيقة وجود أوكرانيا المستقلة تعد على المستوى الجيوبولتيكي إعلان حرب جيوبولتيكية على روسيا، وهذه قضية ليست من صنع أوكرانيا نفسها بقدر ما هي من صنع الأطلسية ".

إن الصراع على أوكرانيا بين روسيا الاتحادية والغرب وخاصة الولايات المتحدة، يعيدنا إلى تأثير النظريات الجيواستراتيجية في سياسة الغرب ولا زالت تؤثر على الفكر الاستراتيجي الأمريكي اتجاه أوراسيا ومحاولة منع روسيا الاتحادية من الهيمنة على أوراسيا من خلال إقامة الاتحاد الأوراسي التي تعتبر جيبولتيكا أوكرانيا حيوية للاتحاد كما قال الكسندر دوجين؟

ويؤكدأهمية أوكرانيا أيضًا مستشار الأمن القومي الأمريكي الراحل زبجنيو بريجنسكي بقوله" إن روسيا بدون أوكرانيا لا تشكل امبراطورية آسيوية، فإذا استطاعت موسكو السيطرة على أوكرانيا بملايينها الاتني والخمسين ومواردها وحدودها على البحر الأسودـ، فإن روسيا تستعيد عندئذ وبشكل أوتوماتيكي ثرواتها لتصبح دولة أمبراطورية قوية ممتدة عبر أوروبا وآسيا".

   إن القرم تاريخيًا ذات أهمية استراتيجية منذ روسيا القيصرية للوصول إلى البحار الدافئة، البحر المتوسط، وبعد حروب طويلة سيطرت روسيا القيصرية على القرم 1783م، وفي العام التالي أمرت الأمبراطورة كاترينا الثانية بناء ميناء للأسطول الروسي على البحر الأسود أطلقت عليها سيفاستبول، ومع الصراع الروسي العثماني وحرب القرم 1853-1856م، وتدخل بريطانيا وفرنسا إلى جانب الدولة العثمانية وحصار ميناء سيفاستبول، كان من ضمن شروط معاهدة باريس حياد البحر الأسود وإخراج الأسطول الروسي منه، وإعادة ميناء سيفاستبول إلى روسيا، ولكن القيصر الكسندر الثاني أنهى معاهدة باريس 1870م، وعاد الأسطول الروسي إلى البحر الأسود، ومع قيام الاتحاد السوفيتي، وحيث أن أوكرانيا كانت جزءًا منه. ضم خورتشوف القرم إلى أوكرانيا عام 1954م، بعد أن كانت تابعة إلى روسيا، وبعد سقوط الاتحاد السوفيتي بقي الأسطول الروسي في سيفاستبول والبحر الأسود، معاهدة تأجير حتى 2042م، مقابل تخفيض أسعار الغاز الطبيعي لأوكرانيا وثلاثة مليارات دولار.

كانت روسيا تخشى التحول السياسي في أوكرانيا وفقدان وجودها في القرم، فاستغلت هذه اللحظة التاريخية، بالأزمة الأوكرانية، وحماية الأغلبية الروس الذين يشكلون 60% من سكان القرم ومطالبها التاريخية، وبعد إعلان جمهورية القرم ذات الحكم الذاتي باستقلالها عن أوكرانيا في السادس من مارس 2014م، وجرى الاستفتاء على الانضمام إلى روسيا الاتحادية في 16 مارس، وفي 17 مارس وافق مجلس الدوما الروسي على طلب الانضمام إلى روسيا الاتحادية، وعلق بوتين في خطابه في مجلس الدوما على عملية الانضمام بقوله " هل كان علينا أن ننتظر لنأخذ الإذن من جنود الحلف الأطلسي لزيارة قاعدتنا العسكرية في سيفاستوبول؟ الجواب: ليأتوا هم لزيارتنا على أرضنا!". ويأتي التدخل الروسي عملية استباقية لأن الأسطول الأمريكي كان متوجهًا إلى ميناء سيفاستبول حيث القاعدة البحرية الرئيسة لروسيا على البحر الأسود، فضم القرم ضربة للولايات المتحدة وخاصة أن الصراع عليها تاريخيًا وحلم روسي قديم من أجل العبور للبحر المتوسط.

المثلث الاستراتيجي الثلاثي : توازن قوى جديد

حدث التحول في السياسة الروسية مع تعيين الدبلوماسي الروسي الراحل يوجيني بريماكوف في يناير 1996م، وزيرًا للخارجية الروسية خلفا لكوزيرف ، وفي سبتمبر 1998م، عين رئيسًا للوزراء الروسي واستمر في منصبه حتى مايو 1999م، وأحدث خلال المناصب التي تولاها تحولاً في السياسية الخارجية الروسية نحو آسيا، توثيق العلاقات مع الجمهوريات السوفيتية السابقة ، وبناء العلاقات الاقتصادية والسياسية مع الصين والهند أطلق عليه المثلث الاستراتيجي Strategic Triangles، على الأقل في آسيا والشرق الأوسط وأوروبا في ظل نظام تعددية الأقطاب الدولية ، بالإضافة إلى إعادة الانفتاح على الشرق الأوسط ، وبذلك أعاد التوازن للسياسة الخارجية الروسية كدولة كبرى لها تاثيرها الدولي ؟ و تبنى فلاديمير سياسية بريماكوف الخارجية التي تتجه لدعم الدور الروسي في آسيا، ومما يجدر ذكره هو الخلفية السياسية والأمنية وأنهما عاشا في الحقبة السوفيتية ، وكان التوجه نحو أوراسيا لتشكيل محور يواجه التحالف الأمريكي .

وعززت روسيا الاتحادية نفوذها وتأثيرها الدولي بالتعاون الصيني والروسي مع بعض دول آسيا الوسطى عام 1996م، وتطور هذا التعاون في تأسيس منظمة شنغهاي للتعاون عام 2001م، كانت البداية التعاون في سبيل حل المشكلات الحدودية ومقاومة الإرهاب وتجارة المخدرات، ثم تطور إلى تعاون سياسي واقتصادي ومناورات عسكرية مشتركة بين القوات الصينية والروسية، وهذه التدريبات لها أهدافها السياسية كرد فعل على توسع الناتو، حيث شعرت روسيا بأن ذلك التمدد يهددها، كما أيضًا شعرت الصين بهذا التهديد على مصالحها القومية. وتشمل منظمة شنغهاي للتعاون كل من: الصين، روسيا الاتحادية، كازاخستان، قرغيزستان، أوزباكستان وطاجكستان، والآن أصحبت ثماني دول بعد انضمام كل من الهند وباكستان للمنظمة 2017م، ثم انضمت دول آسيوية أخرى بصفة مراقب وهي؛ بيلوروسيا، تركيا، سيرلانكا، إيران. إن فكرة الآسيوية تظهر في تعاون هذه الدول، حتى أن رئيس وزراء تركيا رجب طيب أردوغان طلب الانضمام لهذه المنظمة، في ظل رفض الاتحاد الأوروبي انضمام تركيا له، وقد يستعمل أردوغان الانضمام لمنظمة شنغهاي كورقة ضغط على الاتحاد الأوروبي. وتضم المنظمة دولتان دائمتا العضوية في مجلس الأمن الدولي وأربعة دول نووية. ولذلك ترى روسيا أن مجال نفوذها وتحالفها يمتد من الصين حتى منطقة الخليج بالتحالف مع إيران والتدخل في الأزمة السورية وتتقرب من طالبان لاستعمالها ضد الولايات المتحدة فعدو الأمس صديق اليوم لاستنزاف الولايات المتحدة في أفغانستان .

 

الأزمة السورية والتدخل الروسي: بوابة أوراسيا

إن الصراع على سوريا ليس جديدًا، فمنذ الحرب العالمية الثانية حاولت الدول الإقليمية تأكيد نفوذها في سوريا ذات الأهمية الاستراتيجية في الشرق الأوسط، تنافست بريطانيا وكذلك فرنسا والولايات المتحدة وروسيا، وما أشبه الليلة بالبارحة.

كان الاتحاد السوفيتي أول دولة تعترف باستقلال سوريا، وأقام معها علاقات دبلوماسية عام 1944م، والاعتراف مشروطًا أن تكون سوريا مستقلة وذات سيادة وطنية بإخراج الفرنسيين وعدم التبعية لأي دولة، وعندما حاولت بريطانيا إقامة وحدة بين العراق وسوريا حذر السفير الروسي دانيل سولود رئيس الوزراء السوري جميل مردم، أن الاتحاد السوفيتي يرفض الوحدة ويدعم سوريا المستقلة، كما حذر الرئيس السوري آنذاك شكري القوتلي، وعندما علم الدبلوماسيون الروس في دمشق 29 مايو 1945م، أن القوتلي يتفاوض مع بريطانيا بالوحدة مع العراق ضغطت الدبلوماسية السوفيتية أنها ترفض الوحدة ودخول روسيا في أحلاف ضد الاتحاد السوفيتي، وبالإضافة للضغط حركت موسكو عملاءها في سوريا الأكراد والأرمن بالإضافة للحزب الشيوعي السوري لرفض الوحدة بين سوريا والعراق، وكانت القنصلية السوفيتية في دمشق تكثف نشاطها الاستخباراتي وكان للأكراد دور مهم في التعاون مع السوفييت. وعرضت موسكو تقديم المساعدات لسوريا في يناير 1946م، في سبيل استقلالية القرار السوري، عندما علمت بعرض بريطانيا والولايات المتحدة بربط مساعداتهما في الفلك الغرب، كما عارض السوفيت عرض الملك عبد الله ملك الأردن عام 1947م، في وحدة سوريا الكبرى كمملكة تحت حكمة.

وقد شهدت سوريا التدخل الخارجي منذ استقلالها الانقلابات العسكرية، ففي 1949م، كانت ثلاثة انقلابات، انقلاب حسني الزعيم هندسته الاستخبارات الأمريكية (مارس 1949)، وانقلاب دموي قاده سامي الحناوي (14 أغسطس 1949م)، بدعم بريطاني قتل فيه الزعيم ، كان انقلابا بريطانيا بعباءة عراقية، ثم في ديسمبر 1949م، انقلاب أديب الشيشكلي وقتل فيما بعد الحناوي في بيروت، وكان الصراع على سوريا في تلك الفترة صراعًا بريطانيًا أمريكيًا لأهميتها الجيواستراتيجية، واستمرت حالة الاستقرار حتى عام 1970م، عندما تولى حافظ الأسد حكم سوريا وأقام الاتحاد السوفيتي القاعدة البحرية في طرطوس وأصبح المصدر الرئيس للسلاح لروسيا وتوطدت العلاقات الاقتصادية والسياسية بينهما.

هذه المقدمة تعكس اهتمام الاتحاد السوفيتي بسوريا لاهميتها الاستراتيجية كدولة محورية، إن سياسة روسيا الحالية نابعة أيضًا من الأهداف السابقة، باعتبار أن سوريا منفذ لها على البحر المتوسط. ولذلك لا نستغرب استخدام روسيا لحق الفيتو في مجلس الأمن الدولي ضد توجية ضربة لسوريا، في 5 أكتوبر 2011م ـ و5 فبراير 2012 و19 يوليو 2012م، وقد بررت روسيا موقفها بأنه " روسيا تدافع عن النظام الدولي العالمي الجديد واستخدام القوة فقط في إطار القواعد الدولية والنظام الدولي" ؟ وزار وفد من الدوما الروسي الولايات المتحدة ولقاء أعضاء من الكونغرس الأمريكي في سبيل إجهاض محاولة الرئيس أوباما أخذ موافقة الكونغرس لتوجيه ضربة عسكرية لسوريا، والواقع أن روسيا تدافع عن مصالحها بدعم النظام السوري من حيث قاعدة طرطوس على البحر المتوسط، ,حلم روسيا القيصرية والاتحاد السوفيتي وروسيا حاليًا الوصول للبحر المتوسط في استراتيجية البحار الدافئة، وبعد فقدان دورها وتسهيلاتها في ليبيا بعد سقوط القذافي، واعتبرت تدخل الناتو وسقوط القذافي خطأً استراتيجيًا لا يتكرر في سوريا، من خلال موقفها في مجلس الأمن الدولي واستعمال حق الفيتو. ويتمحور التدخل العسكري الروسي في سوريا سبتمبر 2015م، لتحقيق الأهداف التالية:

1-استغلت روسيا الظروف الدولية والإقليمية وتورط الولايات المتحدة في كل من أفغانستان والعراق وإعلان الرئيس أوباما الانسحاب من الشرق الأوسط بالتدخل لعودتها للساحة الدولية ويعتقد أن بوتين أخذ موافقة الرئيس أوباما على هذا التدخل، لأن التدخل العسكري والغارات الجوية الروسية تمت بعد لقاء الرئيس أوباما وبوتين على هامش اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة سبتمبر 2015م.

2-اعتبرت روسيا أن الحرب الأهلية في سوريا تهديدًا للاتحاد الأوراسي، لأن معظم اللاأحزاب والجماعات الإسلامية في دول آسيا الوسطى الأعضاء في الاتحاد الأوراسي لها عناصر تقاتل بتنظيم الدولة الإسلامية (داعش) والجماعات الإسلامية الأخرى في سوريا، واعتبرت أن الانتصار على الأنظمة العلمانية يعني انتقال الحرب إلى داخل دول أوراسية، ولأن أفغانستان لها حدود مشتركة مع دول آسيا الوسطى الإسلامية التي هي ضمن الاتحاد الأوراسي، وروسيا لها التزامات أمنية مع هذه الدول، كما أن روسيا بها أكثر من عشرين مليون مسلم وبعضهم يقاتل مع تنظيم الدولة الإسلامية ( داعش ).

3-يمكن لكل من سوريا وإيران أن تنضم إلى منطقة التجارة الحرة ضمن أوراسيا وهذا التكتل التجاري مهم لروسيا وبقية دول الاتحاد، وقد أعلنت سوريا عام 2012م، رغبتها الانضمام للاتحاد الأوراسي، وسوريا تشكل أهمية كبرى في نظر روسيا للاتحاد الاوراسي تتمثل فيما يلي:

أ-إن سوريا لديها احتياط بترول ويحتاج لاستخراجه والاستثمار فيه، وهذا مفيد لدول الاتحاد الأورآسي لما لديها من معدات وقدرات لاستثماره.

ب-إن سوريا بوابة الاتحاد الأوراسي للبحر الأبيض المتوسط ووجود القاعدة البحرية الروسية في طرطوس.

ج-إن التكتل التجاري بأوراسيا والتجارة الحرة يفتح المجال للشركات في دول الاتحاد الأوراسي للوصول لأسواق العالم العربي من خلال سوريا .

ويظهر أن روسيا في علاقاتها المتوترة مع الولايات المتحدة معنية بتشكيل محور يحقق لها مصالحها في الشرق الأوسط روسيا –إيران-سوريا والمقاومة الإسلامية في لبنان وفلسطين وتتعاون مع تركيا، وهذا لا يعني أن روسيا ضد إسرائيل بل من خلال علاقاتها مع دول المحور يمكن تكون وسيطًا لتخفيف التوتر وحل الأزمات ويعزز دورها في القضايا الدولية، ومن ميناء طرطوس على البحر المتوسط تتفاوض الآن مع إرتيريا للحصول على استعمال موانئ إرتيريا على البحر الأحمر، وتبقي تحكمها في علاقاتها مع الخليج المصالح الاقتصادية.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

 

              

 

 

كلمات دليلية