;
الصفحة السابقة

الحشد البحري .. والأمن العربي

انشأ بتاريخ: الخميس، 15 شباط/فبراير 2018

من المسلم به أن المنطقة العربية موجودة على الممرات المائية الاستراتيجية في العالم، خاصة أن هذه الممرات تقع في أهم طرق التجارة العالمية، وكما قال علماء الاستراتيجيات أن من يسيطر على البحار يسيطر على التجارة، ومن يسيطر على التجارة يسيطر على العالم. ورغم كل هذه المزايا الكبيرة، مازالت الدول العربية تتعامل مع الممرات المائية بأقل من المطلوب، بينما تدرك هذه الدول أهمية تلك البحار وسبق أن استخدمتها كأدوات لتحقيق الانتصارات العسكرية القديمة والحديثة ولعل نصر أكتوبر 1973م، يؤكد دور البحر الأحمر في تحقيق النصر.

والواقع يؤكد أن البحر الأحمر يشهد تنافسًا محمومًا على التواجد العسكري الأجنبي كما هو حال دول قارة إفريقيا الداخلية أو المطلة على البحر الأحمر والتي تشهد صراعًا من دول كثيرة بشكل غير مسبوق في التاريخ، والخطير في هذا التهافت أنه يستهدف إقامة قواعد عسكرية في البر والبحر بطرق مختلفة وملتوية وبعضها مستأجر بمبالغ مالية زهيدة، وبعضها يأتي في إطار اتفاقيات غامضة وتؤدي إلى تواجد أجنبي طويل الأمد تحت بنود سرية.

وبعد أن كان اللاعبون التقليديون في إفريقيا قاصرون على الولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوروبية، أي الاستعمار القديم، دخل في الوقت الحاضر إلى الساحة لاعبون جدد منهم: الصين، اليابان، والهند، ثم إسرائيل ، تركيا ،إيران، وروسيا وبعض هذه الدول استأجرت أراض من الدول الإفريقية لإقامة قواعد قرب مدخل باب المندب، وبعضها تمدد إلى الاتجاه شمالًا كما فعلت إسرائيل، ثم تركيا بعد ذلك ؛ فقد أقامت إسرائيل مبكرًا قواعد في إثيوبيا أي إرتريا بعد استقلالها فكان لها موطئ قدم في أهم الجزر الإرترية، ثم جاءت تركيا وأقامت قاعدة في الصومال، ومؤخرًا تم الإعلان عن استئجارها جزيرة سواكن السودانية لمدة 99 عامًا وسط احتمالات غير مؤكدة عن استخدامها للأغراض العسكرية، والجدير بالذكر أن تركيا تضع قارة إفريقيا في مقدمة أولوياتها الاستراتيجية حيث بلغت قيمة استثماراتها هناك 8.5 مليار دولار، وأقامت 1150 مشروعًا استثماريًا، وبلغ عدد سفاراتها 39 سفارة سوف يرتفع عددها عام 2023م، إلى 44 سفارة، وتتوجه الخطوط التركية إلى 48 وجهة، وتعمل ثلاثة مكاتب تابعة لوكالة التعاون الدولي التركية في 37 دولة إفريقية مع إعلانها أن الاستثمارات التركية في إفريقيا سوف تصل إلى 50 مليار دولار عام 2023م.

وتستغل الدول الأكثر ثراءً حالة العوز في الدول الإفريقية لاستئجار الجزر أو أراض في اليابسة لإقامة القواعد كما فعلت أمريكا والصين واليابان وفرنسا حيث تدفع هذه الدول مجتمعة 235 مليون دولار سنويًا لجيبوتي مقابل استئجار قواعد عسكرية في هذه الدولة الاستراتيجية من حيث الموقع الجغرافي، والفقيرة من حيث الموارد الاقتصادية.

كما أن هناك دولا إقليمية أخرى تزاحم بقوة لإيجاد دور لها عند مدخل البحر الأحمر وهو ما تفعله إيران سواء عبر تواجدها الاستثماري والثقافي في عمق القارة الإفريقية، أو عبر استخدامها لميليشيات الحوثي في اليمن كأداة لتواجدها العسكري في البحر الأحمر ومضيق عدن.

كل ذلك وأكثر يحدث عند مدخل الممر الملاحي للبحر الأحمر ، الذي تطل عليه سبع دول عربية بسواحل ممتدة من بحر العرب حتى خليج السويس، والمدخل الجنوبي لقناة السويس، مقابل تأثير عسكري عربي هامشي ومحدود كما يرى الدكتور أحمد سليم البرصان أستاذ العلوم السياسية، والذي يطالب بإقامة منتدى لأمن البحر الأحمر يضم مصر ، السعودية ،الإمارات ،الأردن ،السودان ،الصومال، وجيبوتي ومن ثم إقامة تكتل من هذه الدول يخدم مصالح المنطقة ويقلل من خطر التدخل الأجنبي، ويقترح أيضًا إقامة منتدى مماثل بين دول مجلس التعاون الخليجي من جهة، والهند وباكستان من جهة أخرى لاحتواء إيران وتحجيم خطرها في الخليج العربي وبحر العرب والمحيط الهادي، فهو يرى أن أمن الدول العربية المحيطة بالممرات المائية ضرورة استراتيجية، معتبرًا أن احتواء إيران ومواجهة الخطر الإسرائيلي الذي يتمدد بقواعد عسكرية وعلاقات اقتصادية وسياسية مع إفريقيا ضرورة قصوى وآنية.

أخيرًا، على الدول العربية الفاعلة والمعنية بما يحدث أو سيحدث في البحر الأحمر أن تبادر بدرء المخاطر ولا تنتظر حدوث الصدامات عند بواباتها المائية، أو على حافة سواحلها، خاصة أن البحر الأحمر والخليج العربي شريانان تجاريان هامان في المنطقة، بل ركيزة أساسية للأمن الوطني الداخلي لكل دولة، وأمن قومي شامل لجميع دول المنطقة.

كلمات دليلية