انت هنا: الرئيسية جميع المقالاتوقفة العراق .. نموذج الأزمات العربية

العراق .. نموذج الأزمات العربية

انشأ بتاريخ: الإثنين، 30 تشرين1/أكتوير 2017

معاناة العراق الدولة والشعب، جزء من معاناة عربية عامة، لكن العراق تعرض للمخطط مبكرًا، وكان أول من تعرض لمبضع الجراح الأجنبي الذي رسم خريطة التقسيم في الجسد العربي منذ مطلع القرن العشرين، أي منذ سايكس ـ بيكو، فما كنا نظنه من نسج خيال العقليات التآمرية، أصبح حقيقة، والعراق هو النموذج الأوضح في استهداف التجزئة العربية، وأسباب كثيرة جعلته يتقدم إلى مشرحة التقسيم، منها موقعه، وقدراته، وفسيفساء تركيبته السكانية، والدول المجاورة له.

لذلك، فكل ما مر به العراق من نكبات ليس صدفة، حتى اختيار حكامه ليس صدفة، ومجيء صدام حسين وذهابه ليس صدفة، وما أتى من العراق وانعكست تداعياته على الأمة العربية ليس صدفة، فمنذ قيام الثورة الإيرانية عام 1979م، والمجيء بالخميني من باريس إلى طهران بمساعدة غربية، ومباركة أمريكا لنظام ولاية الفقيه، ثم الزج بصدام حسين في أتون حرب السنوات الثماني مع إيران، واستدراجه بعد ذلك لغزو الكويت كان مخططًا بعناية، ليحدث ما حدث، ومن ثم انتقال العدوى إلى دول عربية أخرى، في مقدمتها السودان، سوريا، ثم اليمن أي دول الاثنيات التكوينية سواء فيما يتعلق بالمذهب، أو العرق، أو القومية.

بدأت إيران بتصدير ما يسمى بالثورة الإسلامية، وإن كانت فشلت في ذلك إلا أنها زرعت حزب الله في لبنان، والحشد الشعبي في العراق، والحوثيين في اليمن، بل شكلت ودعمت جماعات الإسلام السياسي في العديد من الدول العربية لتكون معاول طهران للهدم في العمق العربي، وقد وجدت ضالتها في سقوط نظام صدام حسين، وأخيرًا فيما يُعرف بثورات الربيع العربي التي فتحت الباب على مصرعيه أمام طهران للتدخل في الشأن العربي.

العراق لم تستهدفه إيران فقط، بل إسرائيل أيضًا، التي رفعت أعلامها إلى جانب العلم الكردي بإقليم كردستان  يوم استفتاء الأكراد للانفصال في الخامس والعشرين من سبتمبر الماضي، حيث لإسرائيل علاقات  قديمة ومعلنة مع كردستان، واكبها تواجد إسرائيلي على أرض كردستان موثق بأدلة دامغة، حيث لها مصالح كبرى   وأهداف استراتيجية في الإقليم الكردي، فإسرائيل تريد إقامة دولة عرقية كردية لتصبح مبررًا لقيام دويلات عرقية أو دينية أخرى لتكون ليس وحدها الدولة الدينية في المنطقة، كما تريد إضعاف العراق حتى لا يأتي إليها التهديد من الشرق، وأيضًا تريد أن تكون موجودة على حدود إيران وتركيا والعراق، وبذلك تصبح اللاعب الأقوى في الشرق الأوسط.

تركيا من جانبها، تريد إشغال الأكراد بحروب مع بغداد حتى تحاصر النزعة الانفصالية الكردية على أراضيها، كما أنها المستفيد الأول اقتصاديًا من كردستان باعتبارها منفذ الأكراد وبوابتهم إلى العالم وبذلك تجني أرباحًا طائلة من حالة تأرجح العلاقات الكردية مع بغداد.

أما الجماعات الإرهابية في العراق، فهي صناعة، وتجارة، وأدوات لاستمرار الصراع، ومبرر للتواجد الخارجي، فحتى الآن غير معروف من هي (داعش)، وهل هي تنظيم إسلامي صرف، أم صناعة أجهزة استخبارات، كما لا يعرف أحد بدقة مصادر تمويلها وتسليحها، وطبيعة وأهداف عناصرها، وهل المقصود إضعاف وسط العراق أكثر مما هو عليه من ضعف وإبادة المكون السني في حرب دائمة، أم إيجاد المبرر لوجود الحشد الشعبي وإيران وأمريكا وإسرائيل في هذا الصراع الذي لم يحقق سوى إضعاف العراق وجيشه واقتصاده ؟!

الوضع في العراق أخطر مما يبدو على السطح، فهو بركان يصدر حممه إلى كافة أرجاء الوطن العربي ؛ ولن يترك في معقله إلا ضياع دولة عربية كانت قوية وحائط صد، وسوف يظل الأمر هكذا ما دام العراق ومعه العرب والعالم يركز على ظواهر الأمور ويبحث عن حلول ترقيعية لإخماد ألسنة الحرائق دون إطفاء جذوتها المستعرة تحت الرماد، سرعان ما تشتعل لتأكل الأخضر واليابس.

أما عن الحلول، فهناك حلول عاجلة تستطيع أن تقدمها حكومة بغداد، وأخرى بعيدة المدى تتطلب موقفًا عربيًا ودوليًا جماعيًا، أما الحلول السريعة فتتمثل أن تتبنى حكومة بغداد سياسات واضحة حيال تحقيق مصالحة وطنية جامعة بالتخلي عن الطائفية كنمط للحكم وللحياة السياسية والإدارية، وإلغاء مظاهر التسليح خارج الجيش وأجهزة الأمن، وتطبيق معايير الدولة المدنية لا العقدية المذهبية، وأن تمنح حقوق المواطنة لكل العراقيين بما فيهم الأكراد، وأن تستقل بقراراتها الداخلية عن إيران بقدر الإمكان، مع إسراع الخطى نحو العودة إلى البيت العربي.

وعلى المدى البعيد، فيجب على الدول العربية، وتحت مظلة جامعتهم، بحث نقاط الضعف والاختراق التي يعاني منها النظام العربي بما فيه العراق، والتعامل معها بوضوح وتسمية الأشياء بأسمائها، ووضع الحقائق في نصابها.. هذا في حالة رغبة مواجهة إعصار التفتيت الذي سيغرق المنطقة برمتها.

كلمات دليلية

الشركات المعلنة