انت هنا: الرئيسية جميع المقالاتتقرير خاص ثلاثة سيناريوهات مستقبلية .. والاستقرار السياسي لم يتحقق منذ 1921

ثلاثة سيناريوهات مستقبلية .. والاستقرار السياسي لم يتحقق منذ 1921

انشأ بتاريخ: السبت، 28 تشرين1/أكتوير 2017

  ليس من المبالغة القول إن العراق ومنذ تأسيس الدولة الحديثة فيه عام 1921م، ولم يشهد استقرارًا سياسيًا كاملاً بما يحتويه هذا المفهوم من مؤشرات ومظاهر، وعلى الرغم من قساوة الوصف إلا أن الواقع يشهد على ذلك بسبب ما مرت وتمر به البلاد من أحداث وتطورات سياسية وأمنية واجتماعية واقتصادية وتغير في شكل وطبيعة النظام السياسي في العراق عدة مرات وكل ذلك حال دون وصول العراق إلى مرحلة من الاستقرار السياسي التام، وعند الوصول إلى مرحلة ما بعد عام 2003م، التي احتلت بها الولايات المتحدة الأمريكية العراق وتشكل فيه نظام سياسي جديد قائم على أساس مبدأي الديمقراطية والتعددية على أنقاض نظام الحزب الواحد الشمولي وفي الوقت الذي كان من المؤمل تحقيق نوع من الاستقرار في ظل هذه المرحلة التي تضمنت إقرار العديد من متطلبات تحقيق الاستقرار السياسي إلا أن ذلك الاستقرار لم يتحقق في ظل أزمات سياسية وأمنية واقتصادية متتالية وتكاد تكون مستمرة تعصف بالبلاد بين الحين والآخر، حتى وصل الحال إلى دعوات الانفصال عن العراق مؤخرًا التي تجسدت باستفتاء إقليم كردستان حول مسألة البقاء في العراق الموحد أو إعلان دولة مستقلة عنه الأمر الذي يدل على وجود أزمة أو أزمات تهدد وحدة العراق وسيادته واستقلاله.

   وعند التطرق بالحديث عن الاستقرار السياسي في العراق تثار عدة أسئلة مهمة تتمثل بـ: ما طبيعة الاستقرار السياسي في العراق؟ وما متطلبات هذا الاستقرار؟ وما هي المعوقات أو التحديات التي تعيق تحقيقه؟ وكيف ينعكس استفتاء كردستان ونتائجه على الاستقرار السياسي في البلاد؟ وما هي التوقعات المستقبلية التي من الممكن أن يكون عليها الاستقرار السياسي في العراق في ظل الأحداث والتطورات المختلفة التي تشهدها البلاد؟

    طبيعة الاستقرار السياسي

   لا يختلف مفهوم الاستقرار السياسي عن العديد من المفاهيم في العلوم الإنسانية والسياسية بشكل خاص من حيث غموضه وتعقده وعدم وجود تعريف شامل له متفق عليه، ويُعد هذا المفهوم معياريًا فما قد يتسبب في استقرار جماعة ما قد يكون سببًا في عدم استقرار جماعة أخرى في الوقت ذاته، وتتركز أهمية مفهوم الاستقرار السياسي كونه يشكل مطلبًا جماعيًا، فمهما كان نوع ونمط النظام السياسي القائم في أي دولة من دول العالم سواء كان النظام ديمقراطي أم ديكتاتوري فإن مبتغى وهدف هذا النظام أو ذاك في أن يكون حكمه مستقرًا من أجل الاستمرار والبقاء([1]) .

   ويعني الاستقرار بصفة عامة استتباب النظام والأمن القائمين على أسس مقبولة من قبل غالبية المجتمع بفئاته المختلفة، وسيادة الاستقرار تضمن سير الحياة بشكل طبيعي وبنّاء في إطار السلام، الذي لا بد من توافره بشكل ملائم وبقدر ما يضمن حياة طبيعية لأفراد المجتمع([2]). ومهما تعددت واختلفت تعريفات الاستقرار السياسي إلا أن الكثير منها تضمن عنصرين لهذا المفهوم: الأول يتمثل بالنظام (اللافوضوي) الذي يعني عدم اللجوء إلى استخدام العنف والقوة والإكراه والقطيعة من النظام السياسي. والثاني الاستمرارية التي تعرف الاستقرار بأنه الغياب النسبي للتغيير في مكونات النظام السياسي([3]).

   ويمكن القول أن ظاهرة الاستقرار السياسي لا تتخذ وتيرة واحدة أو منطلق متساوي، فما يُعد استقرارًا سياسيًا في دولة أو مجتمع ما لا يشكل ذلك في دولة أو مجتمع آخر، وذلك يرتبط باختلاف درجة التطور والوعي السياسي ونمط النظام السياسي القائم وطبيعة وضع وشكل الدولة والمجتمع وطريقة إدارة السلطة للأحداث والتطورات الجارية طبقًا لما تشكله هذه الأحداث من ضغوطات على المجتمع والسلطة([4])، والحال الذي ينطبق على طبيعة ظاهرة الاستقرار السياسي في العراق من حيث اختلافها من مرحلة إلى أخرى وتغيرها وتأثرها بالأحداث والتطورات التي تشهدها البلاد.

   وإذا ما عدنا إلى مؤشرات الاستقرار السياسي التي تتمثل بـ : التداول السلمي للسلطة والانتقال القانوني للسلطة داخل الدولة، وشرعية النظام السياسي، وسيادة الدولة، والثبات في مناصب القيادات السياسية، والاستقرار البرلماني، والديمقراطية وتدعيم المشاركة السياسية، وغياب العنف واختفاء الحروب الأهلية والحركات الانفصالية والتمردات، وترسيخ مبدأ المواطنة ووجود اقتصاد ناجح وقلة الهجرة الداخلية والخارجية([5])، فإنها – أي هذه المؤشرات – لا تتوفر كاملة في الوضع العراقي مثلما تتغير من مرحلة إلى أخرى، وما يمكن أن يتطبق في مرحلة ما فإنه ينعدم في مرحلة أخرى الأمر الذي يدل على عدم وجود حالة من الاستقرار السياسي في العراق طبقًا لهذه المؤشرات وأنه حتى في حالة توفر نوع من الاستقرار السياسي فإنه استقرار نسبي سرعان ما يتعرض إلى فقدان عدد من مؤشراته لصالح حالة عدم الاستقرار .

 مقومات الاستقرار السياسي في العراق

   يتطلب الاستقرار السياسي في حالة العراق أن يتم تحقيق مجموعة من المتطلبات والمقومات منها ما يمثل متطلب اعتيادي لتحقيق أي استقرار سياسي في أي تجربة منها ما هو مرتبط بالحالة العراقية وخصوصيتها وتتمثل بــــــــــ:

-       تُعد الهوية المميزة الموحدة أحد أهم عوامل الاستقرار ووحدة تماسك الدولة والمجتمع وتعكس التضامن الاجتماعي وتجانس المجتمع وتقوية الروابط الوطنية وترسيخ المواطنة وتعزيز الانتماء ما يحتم على المؤسسة السياسية أن تتحمل مسؤولية تجسيد الهوية الموحدة التي تجمع أعضاء المجتمع وتحارب التشتت والتفرقة([6]) فالمجتمع العراقي يتسم بتنوع وتعدد مكوناته عرقيًا ودينيًا ومذهبيًا الأمر الذي يتطلب صهر هذهِ التفرعات بهوية وطنية جامعة تساهم في ترسيخ الاستقرار بدلاً عن الولاءات الفرعية أو على أقل تقدير تغليب الهوية الوطنية على الهويات الفرعية .

-       الاعتماد على معيار الكفاءة والاستحقاق بدلاً عن المحاصصة الطائفية والسياسية في تشكيل الحكومة وتولي المناصب والمهام السياسية والإدارية، بما يضمن المشاركة في عملية صنع واتخاذ القرار والسياسة، والابتعاد عن سياسات الإقصاء والتهميش التي اتبعت في سنوات سابقة وبالضد من مكونات وجماعات معينة والعمل على ضمان مشاركتها في الحياة العامة بمختلف جوانبها([7]).

-       العمل على ترسيخ التجانس الفكري والثقافي والايديولوجي بين القوى السياسية والاجتماعية التي تتفاعل داخل نظام الحكم القائم، بما يسمح لإيجاد الحوار وتبادل الأفكار ووجهات النظر بشكل سليم يؤدي إلى تحقيق المصلحة العامة والتوافق المجتمعي ويحقق فكرة الاستقرار السياسي.

-       أن تتحقق قدرة النظام على الجمع بين القدرة الاستخراجية والقدرة التوزيعية، إذ تشير الأولى إلى كفاءة النظام من خلال تعبئة الموارد المادية والبشرية واجتذابها من البيئتين المحلية والدولية، بينما تشير الثانية إلى قدرته على توزيع المنافع والخدمات والفرص بين أفراد المجتمع على مختلف تنوعاتهم([8]).

-       يتطلب استقرار النظام أن يكون قادرًا على الاستجابة للتحديات المختلفة التي يتعرض لها على الصعيدين الداخلي والخارجي، التي تتمثل –على الأغلب-بالمطالب والتهديدات فالنظام الساسي الذي يتمكن من مواجهة هذهِ التحديات يحقق الاستقرار([9])، فالعراق الذي يواجه وبشكل مستمر التحديات والتهديدات المختلفة يتوجب على صنّاع القرار فيه والقوى السياسية ومختلف مؤسسات نظام الحكم أن تمتلك زمام المبادرة وتحقق القدرة على معالجة ما يواجه المجتمع والدولة من تحديات من أجل ضمان استقرار سياسي مناسب للبلاد.

-       وجود توافق بين مشروع السلطة ومشروع المجتمع، وبالشكل الذي يؤدي كل طرف فيه دوره الطبيعي في البناء والتطور، في ظل انسجام الخيارات السياسية والثقافية بين السلطة والمجتمع.

-       تعزيز وترسيخ الثقة المتبادلة بين القائمين على الحكم من جهة والمجتمع من جهة أخرى، لأن الأمن والاستقرار المطلوب لابد أن يرتكز على توفر الثقة العميقة والمتبادلة بين السلطة والمجتمع.

-       توفر الحريات السياسية والثقافية، كونها تشكل مرتكزًا مهمًا في تحقيق الاستقرار وتساهم في تقوية المجتمع لمواجهة التحديات، فالاستقرار السياسي هو وليد طبيعي لتوفر الحريات في الداخل العربي([10]) ومن ضمنه الداخل العراقي.

-       أهمية الاستناد والرجوع إلى المؤسسات الدستورية والعمل وفقاً للقانون ومنح الحرية لمختلف التجمعات والتكتلات والاحزاب السياسية التي ينظم عملها بقانون وتفعيل عمل منظمات المجتمع المدني، وترسيخ أسس الديمقراطية والتعددية وحقوق الإنسان وتعزيز حقوق الأقليات والتأكيد على مبدأ التعايش السلمي بما يضمن تحقيق الاستقرار السياسي([11]).

-       تفعيل تطبيق اللامركزية الإدارية والسياسية كونها أداة مرتبطة بالديمقراطية ولها أهميتها في تحقيق الاستقرار السياسي نظريًا وعمليًا، لا سيما في الدول التي تعاني مجتمعاتها من مشاكل تتعلق بتعدد التركيبة المجتمعية وتقبل الآخر والهويات الفرعية كالعراق، فالفيدرالية واللامركزية تمنع الاستبداد بالسلطة واتخاذ القرارات وتضمن مشاركة مختلف مكونات المجتمع في صنع القرار والسياسة وفقًا للأسس الدستورية وتنظيم العلاقة بين المركز والمحافظات والأقاليم ما يعني مساهمتها في تحقيق الاستقرار وحماية المجتمع من التمزق([12]) .

-     تحقيق مصالحة وطنية حقيقية بين القوى السياسية المشاركة في العملية السياسية فيما بينها، وكذلك تحقيق مصالحة بين الحكومة والقوى المعارضة للعملية السياسية ومن دون وضع شروط غير قابلة للتطبيق أو تشكل حجر عثرة أمام مسار تحقيق مصالحة وطنية شاملة تضمن قبول الآخر وتنصف المتضررين من سياسات المرحلة السابقة.

معوقات الاستقرار السياسي

     تواجه ظاهرة الاستقرار السياسي في العراق مجموعة من المعوقات تأتي نتيجة لأوضاع وأحداث تشهدها الساحة العراقية وتختلف في عدد من جوانبها عن مؤشرات عدم الاستقرار السياسي المتعارف عليها، وتدفع هذهِ المعوقات صوب وجود حالة من عدم الاستقرار يعاني منها العراق، وتختلف حدتها بين الحين والآخر فما أن يحصل نوع من الاستقرار لمدة معينة حتى ينتكس هذا الاستقرار بأزمة أخرى أو حدث ما آخر، ولعل أهم هذهِ المعوقات هي:

-       عجز أو تلكؤ النظام السياسي أو الحكومة عن أداء وظائفها وتأدية الخدمات التي يحتاجها المجتمع بكفاءة وفاعلية الأمر الذي يزعزع ثقة المواطنين فيها، وعجز النظام عن جلب المساندة والدعم الشعبي له([13])، ويتجلى هذا الأمر بصورة كبيرة في ضعف قطاعات عديدة ومنها قطاع الكهرباء والصحة والتربية والصناعة والزراعة وغيرها التي تعاني من أزمات لم تتمكن الحكومات المتعاقبة منذ عام 2003م، من الارتقاء بها إلى مستوى مناسب ما أدى إلى ظهور عدم الرضى الشعبي على الأداء الحكومي بصور عدة عبر الاحتجاجات والمظاهرات والرفض من خلال وسائل التواصل الاجتماعي ووسائل وقنوات الإعلام.

-       المحاصصة الطائفية والسياسية التي ظهرت مع تشكيل مجلس الحكم الانتقالي عام 2003م، ولا زالت مستمرة وعلى الرغم من عدم وجود نص دستوري أو قانوني يقر بها إلا أنها اصبحت بمثابة عرف سياسي متبع في العملية السياسية منذ ذلك الوقت، وتنعكس المحاصصة على الاستقرار السياسي في العراق بشكل مباشر وآخر غير مباشر، وانسحبت على النسيج الاجتماعي العراقي وحددت قدرة النظام السياسي على الفعل المؤثر وصياغة القرارات الاستراتيجية المهمة في مجالات التنمية والاستقرار والتطور في العراق([14]).

-       وجود العديد من الأحزاب السياسية ذات الايديولوجية الطائفية والعرقية التي لم تستطع استيعاب مفهوم الديمقراطية كونها مجرد واجهات لشخصيات طائفية أو سياسية أو عشائرية، ولم تكن قادرة على الانفتاح على الأفق السياسي الرحب والوطني، فكانت أحد أسباب بروز أزمة الهوية وتعدد الولاءات الفرعية، فضلاً عن دخولها في صراعات مع بعضها البعض كانت سببًا في موجة العنف الطائفي ودخول البلاد في حالة حادة من عدم الاستقرار السياسي.

-       الصراعات السياسية بين النخب الحاكمة والقوى السياسية المشاركة في العملية السياسية وضعف أو انعدام الثقة في ما بينها والتضارب في المصالح الشخصية والحزبية وتغليبها على المصلحة العامة والوطنية وعدم الاعتماد على قواعد التنافس واللعبة الديمقراطية واستشراء الفساد السياسي والإداري، كل ذلك أثر ويؤثر سلبًا وبشكل كبير على الاستقرار السياسي المطلوب في العراق([15]).

-       استمرار العديد من الملفات والقضايا العالقة دون معالجة، ومنها: الخلافات بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كردستان وعدم حسم ملف المناطق المتنازع عليها بينهما والخلاف حول توزيع الصلاحيات الإدارية بين المركز والمحافظات.

-       انتشار السلاح خارج نطاق سيطرة الدولة ولاسيما امتلاك العشائر والقبائل الأسلحة المختلفة ونشوب صراعات متكررة فيما بينها، وجود جماعات ومليشيات مسلحة، وما يؤديه ذلك من زعزعة الاستقرار بمختلف جوانبه.

-       تعرض العراق أكثر من أي دولة أخرى لخطر الإرهاب منذ العام 2003 إذ وصل الأمر إلى استيلاء تنظيم داعش في مرحلة ما بعد 10 يونيو 2014م، على مدن ومناطق وأراضي واسعة من العراق ليعلن "دولته المزعومة" وما لذلك من تداعيات كبيرة وآثار سلبية على المجالات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.

-       فضلاً عن ذلك تشكل العوامل الخارجية مؤثرًا آخرًا على حالة الاستقرار السياسي في العراق ولاسيما التنافس والصراع الاقليمي في الساحة العراقية ووجود حركات وقوى عراقية مرتبطة بهذه الجهة الاقليمية أو تلك وتعمل وفق أجنداتها على حساب مصلحة العراق، ناهيك عن تأثير العامل الدولي وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية منذ وجودها كدولة احتلال في عام 2003م، وما بعد الانسحاب العسكري عام 2011م، كانت سببًا في حالة عدم الاستقرار السياسي بما اتخذته من قرارات وسياسات غير مناسبة مع الوضع العراقي.

 

انعكاسات استفتاء إقليم كردستان

    أجرت حكومة إقليم كردستان استفتاء حول إعلان دولة كردية منفصلة أو البقاء كإقليم ضمن العراق الفيدرالي الاتحادي يوم 25 سبتمبر / أيلول المنصرم، وقد أثار هذا الإجراء ردود أفعال رافضة له وبشكل كبير على الصعيد الداخلي وعلى الصعيد الخارجي ببعديه الإقليمي والدولي، لما للأمر من تداعيات وانعكاسات تتعارض مع الحفاظ على وحدة واستقلال العراق من جهة، ومصالح الجهات الإقليمية والدولية من جهة أخرى.

   وانعكس إجراء الاستفتاء على مختلف مجالات الحياة في العراق السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية، فسياسيًا تمثلت تداعياته بمخالفة الدستور عبر فعل أحادي الجانب من قبل حكومة الإقليم بإجراء الاستفتاء وتعقيد حل الخلافات بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كردستان وإثارة أزمة جديدة بين الطرفين، وتفاقم أزمة المناطق المتنازع عليها بين المركز والإقليم وبروز خلافات بين القوى السياسية العراقية، وحتى نوع آخر من الاختلاف بين الحركات والأحزاب الكردية حول إجراء الاستفتاء وتوقيته. وانعكست أمنيًا في التأثير على الجهود العراقية والدولية في مجال مكافحة الإرهاب وإعادة السيطرة على كافة المناطق التي استولى عليها داعش سابقًا ولا سيما أن الحرب على داعش توشك على انتهائها، مثلما أدت زيادة قوات البيشمركة في المناطق المتنازع عليها إلى إخراجها من سيطرة الحكومة الاتحادية والقوات الأمنية العراقية ناهيك عن حصول مشاكل بين القوات الأمنية وقوات البيشمركة في مناطق التماس بينهما.

   وفي المجال الاقتصادي تمثلت الانعكاسات في التأثير على صادرات العراق النفطية لاسيما من شمال العراق إلى تركيا، وتعطيل حركة مرور التجارة عبر منافذ إقليم كردستان والمنافذ مع إيران وتركيا من جهة وبين محافظات إقليم كردستان والمحافظات الأخرى من جهة ثانية.

     أما اجتماعيًا فالانعكاسات تتضح بتنامي النزعات العرقية والقومية لدى مكونات المجتمع العراقي وما يمكن أن يؤديه ذلك من خلافات بين أبناء المجتمع على أسس عرقية وإدخال العراق في دوامة العنف من جديد.

   وبالتالي انعكس ذلك وبشكل سلبي على الاستقرار السياسي في العراق وإضافة أزمة معقدة جديدة على أزمات عدة تعانيها البلاد.

التوقعات المستقبلية

     في ظل الأمنية والاقتصادية الراهنة التي تمر بها البلاد نشأت أزمة أخرى جرّاء إجراء حكومة إقليم كردستان الاستفتاء يوم 25 سبتمبر/ أيلول الماضي ما أدى إلى بروز تداعيات وانعكاسات أثرت على مختلف مجالات الحياة السياسية والأمنية والاجتماعية والاقتصادية كما ذكرنا، وبناءً على ذلك وإضافة إلى ما في الواقع من معطيات ومؤثرات لهذا الوضع، ومن خلاله يمكن توقع ثلاثة مشاهد من الممكن أن يؤول إليها الاستقرار السياسي مستقبلاً:

-       مشهد تحقق الاستقرار السياسي، ويفترض هذا المشهد تحقق نوع من الاستقرار السياسي في العراق وتسوية الأزمة الناجمة عن استفتاء إقليم كردستان ومن الممكن في ظل هذا المشهد أن تجمد نتيجة الاستفتاء وتتجه أطراف الأزمة لتسوية الخلافات فيما بينها أو حتى تأجيل حسم عدد من القضايا العالقة في ظل إدراك هذه الأطراف بخطورة التوجه لاستخدام القوة في معالجة الأزمة.

    ناهيك عن أن الحرب على داعش قد أوشكت على الانتهاء بعد تحرير بلدتي الحويجة وعانة والتوجه نحو إعادة استكمال السيطرة على آخر معاقل داعش في الأراضي المحاذية للحدود العراقية السورية في ظل دعم إقليمي ودولي للعراق وإعادة تحسن علاقات العراق مع تركيا ودول الخليج العربي، وبروز العديد من مؤشرات الاستقرار السياسي مؤخرًا كالتوجه للمشاركة السياسية والتغيير في توجيهات العديد من الأحزاب السياسية صوب تبني التوجهات الوطنية وارتفاع أسعار النفط التدريجي الذي سينهي الأزمة الاقتصادية وغيرها.

- مشهد استمرار الوضع الراهن، الذي يفترض استمرار الأوضاع الحالية في الساحة العراقية وبقاء العديد من القضايا والملفات العالقة دون حل في ظل توجه الحكومة العراقية صوب اكمال جهودها في محاربة الإرهاب وإعادة السيطرة على كافة الأراضي والمناطق التي استولى عليها داعش، ومحاولة ترحيل الملفات العالقة إلى ما بعد الانتخابات الوطنية المزمع إجراؤها عام 2018 م.

- مشهد تدهور وتراجع الاستقرار السياسي، يمكن أن يحدث ذلك في حال ازدياد الهوّة بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كردستان وتصاعد الخلافات بينهما في ظل إصرار الطرفين على مواقفهما إزاء البعض واللجوء إلى أسلوب القوة في معالجة القضايا العالقة ولاسيما بعد إجراء الاستفتاء , فضلاً عن احتمالية بقاء عدد من مؤشرات عدم الاستقرار الأخرى مثل ازدياد الأزمة الاقتصادية وإجراءات التقشف وتأخر عودة النازحين إلى مناطق سكناهم بعد تحريرها من سيطرة داعش ، ووجود عدد من الخلافات بين القوى السياسية التي تؤثر على مسار العملية السياسية .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

**كاتب وأكاديمي ـ العراق

 

[1]- محمد صالح بو عافية، "الاستقرار السياسي قراءة في المفهوم والغايات"، مجلة دفاتر السياسة والقانون، العدد الخامس عشر، (يونيو 2016)، ص 309.

[2]- صدقة بن يحيى فاضل، (الاستقرار السياسي) في الدول النامية، متاح على الرابط: http://www.araa.ae/index.php?view=article&id=974:2014-06-30-14-56-59&Itemid=172&option=com_content

[3]- كريمة بقدي، الفساد السياسي وأثره على الاستقرار السياسي في شمال إفريقيا – دراسة حالة الجزائر-رسالة ماجستير، جامعة ابو بكر بلقايد، كلية الحقوق والعلوم السياسية، تلمسان، 2011-2012م، ص 50.

[4]- عادل ياسر ناصر، "ازمات ومرتكزات الاستقرار السياسي في المجتمعات العربية"، مجلة السياسية والدولية، العدد 25، (2014)، ص232.

[5]- انظر: مزابية خالد، الطائفية السياسية وأثرها على الاستقرار السياسي (دراسة حالة لبنان)، رسالة ماجستير، جامعة قاصدي مرباح، كلية الحقوق والعلوم السياسية، ورقلة، 2013 م، ص 10-11.

[6] - عادل ياسر ناصر، مصدر سبق ذكره، ص232.

[7] - انظر: فراس الياس، مستقبل العملية السياسية والديمقراطية في العراق، متاح على الرابط: http://cutt.us/bhpS

[8] - للمزيد انظر : كريمة بقدي ، مصدر سبق ذكره ، ص ص55-58

[9] - أحمد صالح بو عافية ، مصدر سبق ذكره ، ص322 .

[10] - شاهر الشاهر، الاستقرار السياسي .. معاييره ومؤشراته، متاح على الرابط:http://www.dampress.net/?page=show_det&category_id=48&id=73497

[11] - أحمد عدنان عزيز، معوقات الاستقرار السياسي والمجتمعي في العراق، متاح على الرابط: https://pulpit.alwatanvoice.com/content/print/145693.html

[12] - مجاهد الطائي، كيف يتحقق الاستقرار السياسي في العراق؟، متاح على الرابط: http://cutt.us/xWsSP

[13]- كريمة بقدي، مصدر سبق ذكره، ص61.

[14]- عماد علو، المحاصصة الطائفية والسياسية وأثرها في الاستقرار، متاح على الرابط: https://www.azzaman.com/?p=76407

[15]- أنظر: أحمد فاضل جاسم، "عدم الاستقرار المجتمعي في العراق ما بعد 2003 .. دراسة تحليلية في التحديات المجتمعية .. والافاق المستقبلية"، مجلة السياسية والدولية، العدد 25، (2014)، ص 188-189.

كلمات دليلية

الشركات المعلنة