انت هنا: الرئيسية جميع المقالاتالعدد 121 رأيتقسيم السلطة الأمريكية حقق أسوأ نتيجة .. والدوائر المؤثرة ثابتة النخبوية والشعبوية في الديموقراطية الأمريكية: الخداع الأمريكي

تقسيم السلطة الأمريكية حقق أسوأ نتيجة .. والدوائر المؤثرة ثابتة النخبوية والشعبوية في الديموقراطية الأمريكية: الخداع الأمريكي

انشأ بتاريخ: الإثنين، 24 تموز/يوليو 2017

الديموقراطية الأمريكية ليست سيمفونية لموزارت يتغنى بها العالم، ولا هي إحدى لوحات مايكل آنجلو المنقوشة في سقف "سيستين" القابعة في الفاتيكان حتى تُبهر جميع الأمم والأقطار في العالم. إذ يعتقد البعض أن الديموقراطية الأمريكية تجسد المثل الأعلى الذي ينبغي أن يناضل الآخرون لبلوغه، ودائمًا ما يُشير السياسيون والمواطنون الأمريكيون إلى العيوب التي تشوب الأنظمة الأخرى متجاهلين العيوب التي تتخلل نظامهم الديموقراطي. إن من الأهمية بمكان أن نرسم خطًا فاصلاً بين الديموقراطية-النظرية، وديموقراطية التطبيق أو الممارسة، وهذا المقال ينصب حول النظام الديموقراطي الأمريكي برمته، ومدى تأثير النخبوية والشعبوية على ذلك.

بالرغم من الثغرات التي تشوب الأنظمة الديموقراطية في العديد من الدول، إلا أن الشعوب ما زالت تتمسك بحبالها خوفًا من أن يسقطوا وتسقط معهم الديموقراطية التي جاءت مضادة للديكتاتورية وهذا هو السبب الجوهري من وجهة نظري الذي جعل الكثير من " أنصار الديموقراطية " يتغنون بها باعتبارها أحد أهم المعالم السياسية التي تمكن المواطنين من الممارسة الحرة والمتساوية لتقرير المصير السياسي، والتي ستكفل لهم عدم عودة الأنظمة الاستبدادية في كثير من البلدان.

ومع ذلك تظل الديموقراطية ليست الوصفة السحرية للحكم الديمقراطي، بل وسيلة لتحقيق النفوذ والسلطة، وقد وجه عالم الاجتماع الأمريكي رايت ميلز سهام النقد إلى النظام السياسي الأمريكي الذي كانت تحكمه طبقة حاكمة في الحقبة الخامسة وهو ما يُعرف بـ " النخبة الحاكمة ".

وكون السلطة تتمركز في ثلاث حلقات هي: القوة العسكرية – الشركات الخاصة – النخبة السياسية (بحسب ميلز)، فإن الولايات المتحدة كانت تحكمها نخبة تنحدر من 200 عائلة، ولستُ هنا بصدد شرح وتحليل نشأة هذه الطبقات، ولكن الأهم هو تولي أبناء هذه الفئات المناصب الحاكمة في البيت الأبيض والكونغرس ووزارتي الدفاع والخارجية وفي أكبر مئة شركة أمريكية.

من هنا يتضح لنا كيفية تمكن هذه الفئات من التحكم بأكبر قدر من السلطة، ومحاولتهم بكل السُبل عدم تسلل هذه السلطة لأي دائرة خارجة عن هذه الدوائر بأي حال من الأحوال ومهما كان ثمن الحفاظ عليها باهظًا وغير أخلاقي، ومهما كلف من خسائر بشرية واقتصادية، الأمر الذي أدى عمليًا إلى انتزاع القدرة على اتخاذ قرار في تحديد المصير السياسي من بين يدي المواطن الأمريكي العادي.

وهذا يؤكد لنا، أن أسوأ نتيجة لهذا التقسيم في السلطة بات حقيقة ملموسة وأن الذين يتخذون القرار في الدولة الأمريكية هم من ذات الدوائر التي تنتمي إلى نفس التوجهات السياسية والاقتصادية، الأمر الذي يُفسر لنا قرارات متماهية ومن ذات النوع، وهذا ما يطرح تساؤلاً جادًا حول ما إذا كان يتم خداع الناخب في حقيقة اختياره لمن يمثله في ظل نظام يقول إنه ديموقراطي في الوقت الذي لا يمثل هذا النظام فيه إلا نفسه؟ 

إذًا النخبة ليست بحاجة لتأييد جماهيري ( كما كان يفترض)،ذلك أنها تقتصر في حكمها على مواصفات ذاتية تتمتع بها، وهذا ما يجعلها تكسب ميزة تؤهلها لاحتكار المناصب منطلقةً من حقيقة "القلة الحاكمة والأغلبية المحكومة " ، وهذا تحديدًا ما يخالف طبيعة الديموقراطية التي جاءت في الأصل من منطلق الأغلبية التي تحكم. 

كانت تلك هي جذور "الشعبوية". الجذور التي نبتت لتكون حركة ثائرة  ضد " النخبوية ". علمًا بأن مفهوم الشعبوية قد استعمل للمرة الأولى في نهاية القرن التاسع عشر بغرض توصيف نمط محدد من الحركات السياسية حيث تأتي الشعبوية على أنها إيديولوجية الاستياء حيال كل سيطرة قسرية اجتماعية وسياسية نتيجة سيطرة فئوية-سلطوية على الثروات والامتيازات الاجتماعية والسياسية والثقافية. وهذا التعريف" للشعبوية "من قبل  إدوارد شيلز ، يؤكد لنا أنها جاءت ردًا على النخبوية ، كما يوضح لنا أن النخبوية جعلت من النظام الديموقراطي نظامًا ظاهريًا، لأن أساس الديموقراطية هو " حكم الشعب " وليس نظام مفروض على الشعب من قبل طبقة عليا بعينها.

ولم يقف وصف الشعبوية على هذا فقط ، بل طالت الرئيس السابق باراك أوباما إذ وجه له سابقًا اتهامًا بالشعبوية فقط لأنه صرح بأنه سيكون سعيدًا لو حصلت زيادة طفيفة على الضرائب المفروضة على أصحاب رؤوس الأموال الكبرى ، إذن نفهم من هنا أن وصف " الشعبوية"، تارة تأتي على أنها من ضروب الاتهامات المجانية التي يتم اطلاقها بقصد النيل من الخصوم بوصفهم غير مسؤولين، وغير أخلاقيين ، وبالسلطوية والغوغائية والابتذال وبالرغبة الملحة في التعدي وفرض شيء على الطبقات العليا في الولايات المتحدة بدافع الحقد والمماحكة. وتارة أخرى تأتي على أنها ثورة ضد " النخبوية " ، التي جاءت من أجل تحقيق الإرادة الشعبية وتحرير الشعب من قبضة " النخبة الحاكمة". جدير بالذكر أن صحيفة وول ستريت جورنال سبق واتهمت هيلاري كلينتون " بالشعبوية " لأنها اعتبرت أن على الكونغرس أن يركز على خلق  فرص عمل ويحسن من دخل عائلات الطبقة الوسطى. 

إذا افترضنا أن إعلان الانحياز للطبقات الاجتماعية الأدنى يشكل فعلاً انحرافًا عن مبادئ الديموقراطية العادية، تلك التي من المفترض أنها تعمل عبر السماح بالتعددية وتوفير مساحة للتفاوض والمساومة بين المصالح الاجتماعية دون الانحياز لأي منها، إذًا فكيف نقبل بأن نتهم من ينحاز إلى هذه الطبقات " بالشعبوية " ؟ على الرغم من أن النظام الديموقراطي ينادي بالمساواة .. أين المساواة؟
لا أريد هنا أن أكون في موقف المتحامل  على " النخبويين " ولا في صف المدافع عن " الشعبويين" ، كون "النخبة الحاكمة" ترفض الانحياز للطبقات الوسطى والفقيرة ، هذا لا يبرر حركة " الشعبويين " ، لأن هذا باعتقادي عمل يبرز شخصنة أكثر من كونه عمل يدفع إلى المؤسساتية، وهو كذلك عمل يتسم بغريزة العاطفة على حساب العقلانية، ومثابر وحسب على إيجاد إجماعات أكثر من اهتمامه بالمحافظة على التعددية. 

النخبة خلقت نظامًا ديموقراطيًا زائفًا. الأمر الذي ساعد شعبوي دفع أخيرًا باتجاه اختيار دونالد ترامب رئيسًا على حشد وتعبئة ائتلاف للولايات المتحدة الرجل الذي وصف بأنه يتبنى الخطاب" الشعبوي" أبان حملته الانتخابية، وهذا دليل كاف ربما على وجود خلل في العملية الديموقراطية. إن الدفع بالناخبين هو الهدف التحصيلي من ذلك التوجيه الخطابي المتوالي, وليصبح الناخب فيما بعد كما لو أنه ليس فاعلاً سياسيًا على صعيد الحرية الحقيقة في الاختيار. لقد كانوا (الناخبون) يضعون أصواتهم في صندوق " اللاوعي" بشكل أو بآخر. أذكر أنني لست بصدد نقد سياسة ترامب، بل العملية الديموقراطية نفسها التي أدت لانتخابه رئيسًا.

الخلاصة، أن الديموقراطية قديمًا جاءت لتُعنى بمشاكل مرحلة ما، ومع تطور المجتمع الحديث وزيادة عدد السكان أدى ذلك إلى ظهور الديموقراطية الحديثة التمثيلية التي هي نتاج وصنيعة "النخبة الحاكمة "، حيث جعلت هذه النخبة من النظام الديموقراطي نظامًا ظاهريًا وحاولت إبقاء المواطنين العاديين خارج عملية صنع القرار ، الأمر الذي أدى إلى ظهور مثل هذه الحركات الشعبوية  الثائرة بعد أن فقدوا الأمل في " النخبة الحاكمة" ، ولكن يظل باعتقادي أن الشعبوية لن تقود إلا إلى عدم إيمان الكثير مستقبلاً بالنظام الديموقراطي بصفته يضع الحرية الفكرية أحد أركانه الأساسية ، لا تغييب العقل واستغلال عاطفة المواطن كما يدفع بذلك الخطاب الشعبوي. وحكم الشعب هو الغاية أولاً وأخيرًا لا وسيلة للوصول للسلطة وحسب. المساواة احترام رأي جميع الطبقات وليس إقصاء طبقة دون الأخرى، والديموقراطية ليست مراكز اقتراع وحملات انتخابية وشعارات براقة لا تجد تطبيقًا عمليًا حقيقيًا لها على أرض الواقع في أعرق الدول ديموقراطية: الولايات المتحدة الأمريكية!

إن الديموقراطية الحقيقية برأيي هي عندما تطبق فعليًا ولا تستغل شعوب الدول بادعاءات زائفة، ذلك أن الديموقراطية الأمريكية إذا ما لبست ثوب المعافاة، فسينعكس ذلك حتمًا إيجابًا على هذه المنطقة التي تسمى الشرق الأوسط، والعالم.

كلمات دليلية

الشركات المعلنة