انت هنا: الرئيسية العدد 115 العلاقات بين دول الخليج وأوروبا من وجهة نظر أوروبية: علاقة ودية في الظاهر ..ومتقطعة ومترنحة في الواقع

كان عام 2016م، نقطة تحول على صعيد السياسة الخارجية لمجلس التعاون الخليجي، حيث شكل انهيار النظام الإقليمي الذى بدأ بانتفاضات الربيع العربي في نهاية عامي 2010 و2011م، فراغًا سعت دول مجلس التعاون الخليجي في بادئ الأمر لتداركه عن طريق المشاركة في الشؤون الإقليمية بدرجة أكبر، إلا أن عواصم دول مجلس التعاون الخليجي أدركت بحلول عام 2016م، أن العديد من القضايا على الصعيد الإقليمي قد خرجت إلى النطاق الدولي، وفي خضم هذه العملية، بدأت قوانين اللعبة السياسية في تهميش تأثير دول الخليج، وكنتيجة لذلك، بدأ الاهتمام بإعادة التوجه للقضايا المحلية وذلك بالتركيز على التهديدات الأمنية الوطنية المحورية والمؤثرة بصورة مباشرة على استقرار دول الخليج، ويشمل ذلك نقطتين أساسيتين: الحرب في اليمن ومنع التدخل الإيراني من الوصول إلى منطقة الخليج.

وعندما واجهت دول الخليج الاضطراب المتصاعد في الدول المجاورة، كانت استجابتها في البداية عبارة عن سياسات خارجية عدائية إلى حد ما، تشمل تدعيم الانتفاضات التي حدثت في سوريا وليبيا، والتدخل في اليمن لمنع جهة غير حكومية كالحوثيين من توسيع نطاق سيطرتهم على البلاد، ودعم مصر في محاولتها لاستعادة استقرارها المحلي بعد تولي الرئيس السيسي للحكم. ولكن بنهاية عام 2015م، أصبح من الواضح أن تأثير مجلس التعاون الخليجي على التطورات في كل من هذه النواحي لم يكن مرضيًا، ويرجع ذلك في جانب منه إلى قدرات دول مجلس التعاون الخليجي المحدودة، ولكنه يرجع أيضًا الى اتساع رقعة تدخل المجتمع الدولي في الشؤون الإقليمية (التدخل الروسي في سوريا، والدور الرئيسي للولايات المتحدة في محاربة الدولة الإسلامية، والتدخل التركي في العراق)، فقد نقلت دول المجلس محور اهتمامها إلى شبه الجزيرة العربية ومحيطها المجاور المباشر. وحيث أن هذا التحول لم يكن كاملاً، إذ أن دول الخليج مازالت مستعدة للتدخل في حال كان الأمر مرتبطاً بمصالحها المباشرة، فإن الدور الذي تضطلع به الجهات الدولية الرئيسية وعدم رغبتها بشكل عام في معالجة العديد من الأسباب الجذرية للصراع، كان وراء هذا التحول.

وقد أدى ذلك إلى أن القضايا التي كانت تشارك فيها دول مجلس التعاون الخليجي بشكل صريح أضحت في مرتبة ثانوية، بما فيها القضايا الخاصة بالعراق وسوريا ومصر وليبيا ولبنان، وبينما في كل حالة منها مازال لدى دول الخليج مصالح محورية قائمة تتطلب من حين إلى آخر مبادرات واستجابات بشأن السياسات، إلا أنها لم تعد هي المتصرف الفعلي الذي يرغب في تشكيل الأحداث أو التأثير على الشؤون الداخلية في تلك البلاد، وعوضًا عن ذلك أصبح المنظور العربي الخليجي للأوضاع أن غالبية الشرق الأوسط الآن يعتبر قضية دولية تقتضي حلولاً وقرارات ممكنة فقط عن طريق تفاعل المجتمع الدولي بأكمله. وفي الوقت الراهن، تعتبر اليمن والقلق حول سياسة تدخل إيران في شبه الجزيرة العربية خطوطاً حمراء لا يمكن الاستهانة بها.

ويؤثر السياق السابق أيضًا على الدور الذي تحافظ من خلاله دول مجلس التعاون الخليجي على علاقاتها الدولية الأساسية، وبشكل رئيسي مع الولايات المتحدة، وكذلك مع روسيا وأوروبا وآسيا. ولم يكن التحول جوهريًا في هذه الحالة كما حدث على الجبهة الإقليمية، فمازال تركيز مجلس التعاون الخليجي منصبًا على العلاقة القوية مع الولايات المتحدة بالرغم من الاعتراضات العديدة الموجهة إلى السياسات التي تتبعها حكومة أوباما.  وقد ثبت عدم صحة الافتراضات التي تزعم الانفصال عن واشنطن أو إعادة توجيه السياسة الخارجية العامة لدول الخليج بعيدًا عن الولايات المتحدة، وبالرغم من أن دول مجلس التعاون الخليجي ستستمر في تطوير العلاقات الدولية المعتمدة على مصالحها بالتحديد والتي لا ترتبط فقط بالولايات المتحدة، إلا أن التوجه نحو الغرب يظل أمرًا جوهريًا.

العلاقات مع الولايات المتحدة

كانت المخاوف تجاه الفجوة الآخذة في الاتساع بين مصالح دول مجلس التعاون الخليجي ومصالح الولايات المتحدة فيما يخص أمن الشرق الأوسط واستقراره من أولى العوامل التي أدت إلى اتخاذ مجلس التعاون الخليجي موقفًا فعّالاً بخصوص الشؤون الإقليمية، وفي أوائل عام 2016م، أصبح مجلس التعاون الخليجي على اقتناع تام بأن حكومة أوباما الأمريكية لن تفي بما كان يعد مصالح جوهرية لمجلس التعاون الخليجي. وكانت نتيجة ذلك عملية انفصال متواصلة انتظرت فيها ببساطة دول المجلس حتى انتهاء فترة رئاسة أوباما، وتمثل هذا الابتعاد في عدم إجراء أي زعيم من زعماء مجلس التعاون الخليجي أي زيارة رسمية لواشنطن في عام 2016م، وكانت زيارة الرئيس أوباما إلى الرياض في أبريل 2016 م، حيث التقى معظم زعماء مجلس التعاون الخليجي زيارة ودية لم تسفر عن أي أحداث يجدر ذكرها.

وقد قوبل انتخاب دونالد ترامب في نوفمبر 2016م، بقدر من الاندهاش والمفاجأة ولكن ليس بالضرورة بنفس القدر من التخوف الذي شهدته أوروبا والمناطق الأخرى، ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى أن فترة ولاية الرئيس أوباما حملت خيبة أمل من حيث الشكل والجوهر، فاتسمت السياسة الخارجية للولايات المتحدة تحت حكومة الرئيس أوباما بأنها تطبيق حرفي للسلطة الأمريكية في المنطقة، حيث أن استعداد أوباما الواضح لإعطاء إيران التفويض المطلق فيما يتعلق بالشؤون الإقليمية المتزامن مع الاتفاقية الشاملة لبرنامج إيران النووي، بالإضافة إلى أن انتقاده لاعتمادية مجلس التعاون الخليجي على الحماية الأمنية الأمريكية اعتُبر بأنه موقفًا ساذجًا بل خطيرًا أيضًا. فخلال حكم أوباما، لم تشعر أبدا دول الخليج بأنه عندما يأتي وقت الحسم، ستجد واشنطن سنداً لها.

ويعد التدخل في اليمن عبر تحالف تقوده المملكة العربية السعودية مثالاً على ذلك، ففي الوقت الذي رأت فيه السعودية ودول أخرى في مجلس التعاون السيطرة المحتملة للحوثيين على اليمن بأكملها على أنه تهديد لأمنها، كانت واشنطن ترى بأن الرياض تبالغ في رد فعلها وأن التحالف -من خلال الأعمال العسكرية - قد فتح فرصة أخرى غير ضرورية لحدوث اضطراب في الشرق الأوسط، والجدير بالذكر أن السعودية وشركاءها كانوا على وعي بتخوف حكومة أوباما، ومن ثم لم يُقدم إلى واشنطن الإنذار الكافي المسبق للتدخل الوشيك الذي حدث. لقد استمرت حالة عدم الاتفاق بين الجانبين طوال عام 2016م، كما تواصل النقد المتزايد من واشنطن تجاه الحملة العسكرية التي تجري في اليمن، كما وُجهت دعوات لوضع قيود على بيع الأسلحة في دول الخليج.

لقد اتضحت مسألة تضرر الثقة بين حكومة أوباما ودول مجلس التعاون الخليجي بشكل لا يمكن إصلاحه بإصدار قانون العدالة ضد رعاة الإرهاب (جاستا)، وبالرغم من أن أوباما استخدم حق النقض (الفيتو) للاعتراض على تشريع القانون إلا أن تجاهل الكونجرس للفيتو بعدها كان بمثابة دليل أمام الخليج العربي على أن الحكومة الأمريكية قد دافعت على مضض ضد تشريع القانون وأنها لم تبذل إلا القليل من الجهد لمنع إقرار التشريع بالفعل.

وعلى خلفية خيبة الأمل تلك، فإن انتخاب دونالد ترامب لمنصب الرئيس القادم قوبل بشيء من التفاؤل والأمل لاستعادة العلاقات بما يتوافق مع المصالح المباشرة لمجلس التعاون الخليجي. فمن جانب كان هناك تصور بأن في حال انتخاب هيلاري كلنتون لم يكن  هناك الكثير من التغييرات في أسلوب تعامل الولايات المتحدة مع منطقة الخليج، بل في الشرق الأوسط ككل، حيث أن العديد من الشخصيات التي عملت تحت رئاسة أوباما كانت ستستمر في العمل تحت رئاسة هيلاري كلينتون. وعلى الجانب الآخر، وفي الوقت الذي بدأ فيه الرئيس المنتخب ترامب بإعلان فريق السياسة الخارجية الخاص به، كان هناك شعور بأن الكثير من تخوفات مجلس التعاون الخليجي تجاه المنطقة لا سيما تلك المتعلقة بإيران ستصل أخيرًا إلى واشنطن، وأنه من هذا المنطلق ستعود مصالح مجلس التعاون الخليجي والولايات المتحدة إلى مستوى أكثر ترابطًا.

ولكن مازال الأمر مجهولاً ما إذا كان هذا السيناريو سيحدث بالفعل أم لا، إلا أنه من المؤكد أن الحيرة التي تحيط بالنهج الذي سوف تتبعه حكومة ترامب فيما يتعلق بالخليج والشرق الأوسط جعلت المنطقة بأكملها تدخل في حالة من الترقب. وبالرغم من تركيز ترامب على الأولويات المحلية وإعلانه عدم رغبته في التدخل في الشؤون الإقليمية، فإنه من غير المؤكد بعد ما إذا كان الشرق الأوسط يفرض نفسه بطريقة أو بأخرى على أجندة ترامب أو ما إذا كان في الإمكان منع تفكك المنطقة بدون تدخل أكبر من الولايات المتحدة. وعلاوة على ذلك، فمن المرجح أن يظل الخطاب المعادي للتيار الإسلامي الذي يتبناه الكثيرون من معسكر ترامب والتأثير المحتمل لتشريع قانون جاستا محل خلاف بين الولايات المتحدة ومجلس التعاون الخليجي. فالعلاقات بين مجلس التعاون الخليجي والولايات المتحدة مازالت على المحك وفي حاجة إلى اتحاد قوي.

العلاقات مع روسيا

مع التدخل الروسي في سوريا سرعان ما ظهرت موسكو مرة أخرى كقوة لا يستهان بها، إلا أن أثرها على العلاقات المباشرة مع دول مجلس التعاون الخليجي كان ضئيلاً، ومن منظور مجلس التعاون الخليجي، فإن عدم رغبة الولايات المتحدة في اتخاذ موقفًا مباشرًا ضد نظام الأسد والدعم الإيراني لدمشق أتاح الفرصة التي انتهزتها روسيا على الفور، وقد أثار تدخل روسيا المباشر في سوريا تساؤلات أكثر مم قدم أجوبة لا سيما وسط قلق مجلس التعاون الخليجي من دعم روسيا للسياسات الإيرانية في المنطقة.

وبالمقارنة مع علاقات مجلس التعاون الخليجي مع الولايات المتحدة، نجد دول الخليج وقد أولت اهتماماً دبلوماسيًا بشكل أكبر بكثير لتصريحات موسكو، وكان الاجتماع المنعقد في مايو 2016م، بين روسيا ووزراء خارجية مجلس التعاون الخليجي واحداً من بين أمثلة عديدة تبادل فيها الطرفان وجهات النظر وناقشا أولوياتهما فيما يتعلق بالتطورات الإقليمية، وبالرغم من أن الكثير من هذه الاجتماعات تضمنت ما يطلق عليه "النقاشات الصريحة" إلا أنهما أخفقا في نهاية الأمر في تقليل الاختلافات في الرأي حول معظم القضايا.

إن مجلس التعاون الخليجي على وعيِ تام أنه لا يمكن تجاهل روسيا في المنطقة، فالعلاقات القائمة منذ أمدِ بعيد بين إيران وروسيا بالإضافة إلى قرار روسيا بالتدخل العسكري في سوريا تُعد مؤشرات على أنه ينبغي الاعتراف بصلاحيات السياسة الروسية وإدراكها عندما يتعلق الأمر بالشرق الأوسط. إلا أن مسألة اتحاد روسيا مع الخصوم الرئيسيين لمجلس التعاون الخليجي في المنطقة قد سلطت الضوء على القيود القائمة عندما يتعلق الأمر بتطور أكبر في العلاقات بين الطرفين، وبالنسبة لمحاولة روسيا تحقيق التوازن في سياسة الشرق الأوسط الخاصة بها بين أربعة محاور: إيران وإسرائيل وتركيا والدول العربية، فمن المرجح أن تتخبط هذه المحاولة وسط تناقضاتها من منظور دول الخليج. وتظل وجهة نظر العواصم الخليجية إلى أن تطبيق أساليب موسكو قصيرة المدى يتم على حساب تحقيق استراتيجية متماسكة بعيدة المدى.

وفي هذا الصدد، فإن تطلع موسكو إلى أن تضطر دول الخليج إلى اللجوء إليها - بسبب خيبة الأمل جراء سياسة الولايات المتحدة، ولأن بعض القضايا مثل قضية سوريا لا يمكن حلها دون تدخل روسيا - من المرجح أن يؤول ألى الاحباط. وتتضح مسألة عدم وضع روسيا علاقاتها مع دول مجلس التعاون الخليجي كأولوية من حقيقة أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتن لم يقم بزيارة دول مجلس التعاون الخليجي إلا مرة واحدة فقط عام 2007م، وكانت تُجرى جميع الاجتماعات واللقاءات مع بوتن في روسيا.

وبشكل عام، ثمة حدود واضحة لما يمكن لدول مجلس التعاون الخليجي أن تقدمه إلى روسيا لحثها على تغيير موقفها تجاه المنطقة، فمن الواضح أن الحوافز الاقتصادية غير كافية وكذلك الحدود التي يجب أن يتوقعها مجلس التعاون الخليجي من روسيا عندما يتعلق الأمر بإدارة الصراع الإقليمي. وبذلك، ستحتفظ دول مجلس التعاون الخليجي بخطوط التواصل مع موسكو ولكنها لن تعتبر روسيا كبديل حقيقي يمكن له أن يشارك بدوره في حماية مصالحها مثلما تستطيع الولايات المتحدة.

العلاقات مع أوروبا

إن العلاقات بين دول مجلس التعاون الخليجي وأوروبا تبدو ظاهريًا علاقات ودية، ولكنها في الحقيقة علاقات متقطعة ومترنحة، وقد أكدت التطورات في عام 2016م، أنه من المرجح أن تؤثر عوامل عديدة بشكل كبير على العلاقة بين أوروبا والخليج على كل من المستوى الثنائي بين الخليج وأوروبا، وعلى المستوى متعدد الأطراف بين الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي.

  أولاً - إن الاتفاقية الشاملة للبرنامج النووي الإيراني قد فتحت الباب لمزيد من الروابط الجديدة والمختلفة بين أوروبا وطهران. ومع أخذ دور الاتحاد الأوروبي باعتباره المفاوض الرئيسي في الاتفاقية، فإن دور أوروبا لا يقتصر فقط على الاسهام في إنجاح الاتفاقية، بل إن مسألة نجاحها أو فشلها في نهاية المطاف تقع إلى حد كبير في يد الاتحاد الأوروبي ومدى قدرته على إقناع إيران بأن الاتحاد الأوروبي ومجموعة الدول الأوروبية الثلاث –بوصفهم المتفاوضون مع إيران حول الاتفاق- يوفون بالتزامهم في الصفقة، ولن يكون ذلك مهمة سهلة خاصة مع قدوم حكومة ترامب، ومع ذلك سوف تبذل أوروبا جهودًا بالفعل لضمان تحقيق الاتفاقية الشاملة  وعدم تجاهلها، وهنا تأتي نقطة الخلاف بين أوروبا ومجلس التعاون الخليجي، إذ تظل الاتفاقية محل شك بين دول الخليج حيث يكمن الخوف في استغلال إيران للاتفاقية للتغطية على سياساتها المرفوضة في المناطق الأخرى، وبالتحديد في الخليج وفي سوريا، وأن إيران تواصل بعض البحوث النووية التي يمكن أن تُفعَّل فور انتهاء مدة الاتفاقية. وفي هذا السياق، ومادامت أوروبا مستمرة في افتراض حسن النية في تعاملها مع إيران، فستبقى العلاقات تتأثر مع دول مجلس التعاون الخليجي.

ثانياً -في الوقت الذي تحرص فيه أوروبا على تعزيز العلاقات مع طهران، تخضع سياسات دول مجلس التعاون الخليجي الخارجية والأمنية للمراقبة الدقيقة، حيث تنظر أوروبا بتشكك الى وضع النشطاء في دول المنطقة العربية خاصة في اليمن وليبيا وسوريا، وذلك على المستويين الرسمي والشعبي. ونتيجة لذلك تجد دول مجلس التعاون الخليجي المناخ السياسي في العواصم الأوروبية وفي بروكسل أقل ترحيبًا من ذي قبل. ويمكن لذلك أن يتغير بتركيز دول مجلس التعاون الخليجي على القضايا الداخلية والقريبة منها أكثر من تركيزها على القضايا الخارجية. ولكن تظل الحقيقة أن أي إجراء تتخذه دول الخليج هو موضع تساؤل، حيث ينظر الكثيرون في أوروبا إلى دول الخليج بوصفها جزءًا من المشكلة أكثر من كونها جزءًا من الحل، ويتضمن ذلك على وجه الخصوص مسألة تصدير الأسلحة ومسألة حقوق الإنسان.

ثالثًا – إن انفصال المملكة المتحدة عن الاتحاد الأوروبي -بالرغم من أنه مازال هناك بعض الوقت لإتمامه- سيؤدي بلا شك الى أن تتسم العلاقات بين الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي، بالإضافة إلى الروابط الفردية بين أوروبا والخليج، بدرجة من انعدام اليقين، ومن الواضح -بجانب العملية الصعبة المتوقعة لخروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي- أن الاتحاد الأوروبي سينهال عليه عدد من القضايا ذات الأولوية مثل تزايد عدد السكان وقضية اللاجئين والمشاكل المستمرة في منطقة اليورو (اليوروزون)، ولن تكون العلاقات مع دول الخليج في مقدمة تلك القائمة، ومع كون المملكة المتحدة واحدة من أهم كيانات السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، بالإضافة إلى كونها الدولة الأوروبية التي لديها دور تاريخي عميق في الشؤون الخليجية، فيبدو أنه من غير المرجح أكثر من ذي قبل، أن يكون لدى أوروبا منهجًا متماسكًا متعدد الأطراف تجاه منطقة الخليج، كما أن خروج المملكة المتحدة سيقلل من تأثير السياسة الدفاعية والأمنية الأوروبية المشتركة.

ومن الجدير بالذكر أنه مع تلاشي إمكانية وجود سياسة مشتركة أوروبية مباشرة تجاه الخليج، فستظل دول الخليج تتطلع إلى أوروبا للحفاظ على بعض العلاقات الأمنية التي تضعف تدريجيًا نتيجة لتقلص الحضور والاهتمام الأمريكي تجاه المنطقة. ولذلك فكما تستطيع أوروبا أن تُحدث تأثيرًا واضحًا على الشؤون الإقليمية، فإن ما يصيب أوروبا نفسها من افتقار للتماسك والاهتمام بالخليج سيُضاعف من صعوبات الفراغ الأمني الناشئ.

 

رابعاً – قد يساهم كذلك انتخاب دونالد ترامب في خلق حالة من التباعد بين أوروبا ودول الخليج العربي، فمن ناحية، من المرجح للعلاقات بين أوروبا والولايات المتحدة أن تكون محل نزاع بشكل متزايد على خلفية عزم الرئيس المنتخب على إعادة التفاوض بشأن الاتفاقية الشاملة للبرنامج النووي الإيراني، وما صرح به من رغبته في اتخاذ موقفًا صارمًا بمواجهة طهران، وبذلك قد تكون إيران قضية أساسية سوف تختلف عليها سياسات كلا من الولايات المتحدة وأوروبا بشكل واضح، وهذا بدوره قد يعيد بعض المصداقية للولايات المتحدة فيما يتعلق بدول مجلس التعاون الخليجي، ولكن قد يأتي ذلك على حساب موقف غربي موحد. وعلى الجانب الآخر فإن الحكومة الأمريكية الجديدة سيقل اهتمامها بالقضايا الديموقراطية الليبرالية التقليدية مثل حقوق الإنسان والدفع في سبيل إصلاحات سياسية في الشرق الأوسط، واضعة أوروبا -التي تنقصها المملكة المتحدة - كجهة رئيسية فعالة لضمان عدم تجاهل المبادئ الديموقراطية الليبرالية تمامًا، وبسبب الموقف العدائي لدول مجلس التعاون الخليجي تجاه أي تدخل في شئونها المحلية، فإنه من المتوقع أن تدور مناقشات هامة تنطوي على الخلاف والجدل مع المسئؤولين الأوربيين.

 

ويشير كل ما سبق إلى مجموعة من العلاقات المعقدة والفردية التي ستطرح الكثير من الأسئلة حول الافتراضات الماضية بشأن العلاقات بين أوروبا ودول الخليج-وخاصة العلاقات بين الاتحاد الأوروبي ودول الخليج، لذلك ينبغي التعمق أكثر في مسألة ما إذا كانت أوروبا لا تزال قادرة على أن يكون لها دور في البيئة الاستراتيجية لمنطقة الخليج وتأثير ذلك على مشاركة القوى الأخرى.

 

العلاقات مع آسيا

 

من منظور دول مجلس التعاون الخليجي، استمرت العلاقات مع الدول الآسيوية الرئيسية على نفس النهج كما في الأعوام السابقة مع التركيز على توسيع الروابط الاقتصادية وإيجاد طرق لتعزيز العلاقات السياسية والاستراتيجية. وقد أكدت زيارة الرئيس الصيني شي جينبينج في يناير 2016م، وكذلك زيارة رئيس الوزراء الهندي نارندرا مودي في أبريل ويونيو 2016م، على الأهمية التي توليها الدول الآسيوية الكبرى لعلاقاتها مع دول مجلس التعاون الخليجي، وهو الموقف الذي يتبناه الخليج أيضًا. فمثلاً شارك ولي ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان بدور واضح أثناء قمة العشرين في هانجزو بالصين، وانتهز الفرصة لتشجيع الاستثمار الآسيوي في المملكة كجزء من خطة "رؤية السعودية 2030 " لإصلاح الاقتصاد السعودي، وبصورة مماثلة أجرى ولي العهد زيارة إلى اليابان في سبتمبر 2016م، ركزت على الحصول على الاستثمار الياباني لمساعدة المملكة في تحقيق بعض الأهداف الإصلاحية في "رؤية السعودية 2030"، وهنا برز بنك ميزوهو الياباني للخدمات المالية والذي يوجد له فرع في الرياض بوصفه بوابة حيوية لتأمين المستثمرين الآسيويين أمام الطرح العام الجزئي المخطط لشركة أرامكو السعودية.

 

أثناء زيارات مسؤولي مجلس التعاون الخليجي إلى آسيا كان الاهتمام منصبًا على الاستثمار وعلى الأمن البحري، ومع إصرار الصين على مواصلة مبادرتها "حزام واحد – طريق واحد"(One Belt – One Road)  [1]والتي تركز على توسيع الروابط الاقتصادية وأيضًا على فتح قنوات للنقل الملاحي لصادرات الطاقة، فقد كان لمسألة أمن الممرات المائية أهمية خاصة، ويعد ذلك أمرًا إيجابياً بالنسبة لدول الخليج والتي ترى في آسيا المحرك الرئيسي للطلب على النفط في المستقبل، ولكن من جهة أخرى يبدو جليًا أن إصرار آسيا -بجانب آخرين- على أن يكون لها دور مباشر في شؤون الشرق الأوسط أمرًا لا يمكن أن يعد في صالح دول الخليج، وفي الحقيقة يأتي الدافع وراء ذلك  بشكل كبير من التغيرات الواقعة في النظام الدولي، ومن حالة عدم اليقين تجاه دور الولايات المتحدة المستقبلي في كل من الخليج وآسيا، وعدم اليقين هذا أكد على حاجة البلاد الأسيوية إلى الحفاظ على العلاقات مع دول كروسيا وإيران، خاصة مع تدخل روسيا في الصراع السوري وتوقيع طهران للاتفاقية الشاملة للبرنامج النووي الإيراني مع المجتمع الدولي. وعلى سبيل المثال أعلنت اليابان عن استعدادها لاستثمار ما يصل إلى 10 مليارات دولار أمريكي في إيران لتشجيع مصالحها الاقتصادية هناك، حيث ارتفعت واردات النفط من إيران إلى اليابان إلى 60% خلال الفترة من مايو 2015 إلى مايو 2016. وعلى نفس النهج أجرت رئيسة كوريا الجنوبية بارك جوين-هاي زيارة رسمية إلى طهران في مايو 2016 حيث التقت بكل من الرئيس الروحانيوآية الله خميني، وقد شاركت إيران أيضًا بدور رئيسي في مبادرة الصين "حزام واحد – طريق واحد". ووسط هذه المعادلة تحاول الدول الآسيوية أن تحافظ على التوازن في علاقاتها في منطقة الخليج، ساعية الى توسيع علاقاتها مع دول مجلس التعاون الخليجي وإيران في نفس الوقت.

الخاتمة

 

تدرك دول الخليج جيدًا بأن المحيط الدولي يتغير وأن حقبة الحرب الباردة-حيث كان الاختيار واضحًا بين طرف وطرف آخر- قد ولًت وانتهت. وتظل العلاقات مع الولايات المتحدة من الأمور الهامة ذات الصدارة، ولكنها أيضًا ليست الوحيدة من نوعها. وعوضًا عن ذلك برزت فلسفة جديدة في عالم سريع التغير تحكمه العولمة، وهي تلك التي تشجع وتؤمن المصالح الوطنية الخاصة بكل دولة بغض النظر عن التحالفات  الماضية، كما أضحت الحاجة إلى تنويع العلاقات الدولية وفي نفس الوقت الاعتماد على الذات والاستقلالية في اختيار السياسة الخارجية أمرًا معترف به.

لقد أثار عام 2016م، بعضًا من هذه التوجهات وسرًع من حدوثها. ويعتمد مدى استمرار ذلك بشكل كبير على حكومة ترامب القادمة في واشنطن وعلى السياسات التي ستتبعها الولايات المتحدة وعلى ردود الأفعال التي ستنشأ في العواصم العالمية الأخرى. كما يعي مجلس التعاون الخليجي الحاجة إلى تبني منهج أكثر تميز واختلاف، ولكنه يدرك أيضًا أن تأثيره في كل أنحاء المنطقة وما وراءها لن يكون بلا حدود. وفي تلك المعادلة ستعتمد العلاقات مع الجهات الدولية الرئيسية في عام 2017 بشكل كبير على المنهج الذي تتبعه الكثير من تلك الدول على صعيد القضايا المحورية مثل قضية اليمن والتدخل الإيراني فيما يتعلق بدول مجلس التعاون الخليجي.

 

[1] تهدف تلك المبادرة الى تسهيل التبادل التجاري والاستثماري وتعزيز الروابط الدبلوماسية بين دول وسط وجنوب آسيا وأفريقيا وأوروبا وتعزيز فرص النمو على امتداد «طريق الحرير» القديم، الذي كان يربط بين الحضارتين العربية والصينية لقرون عدة..

كلمات دليلية

الشركات المعلنة