انت هنا: الرئيسية العدد 115 الأميـر خالـد الفيصـل يرثـي الواقـع العربي وأبـو الغيط يعلـن برنامجه للجامعة "فكــر 15" : يستشــرف المســتقبل ويضــع خارطــة طريــق للتكامــل العربــي

احتضنت العاصمة الإماراتية أبو ظبي خلال الفترة من 12 إلى 14 من شهر ديسمبر الماضي فعاليات مؤتمر فكر 15 الذي نظمته مؤسسة الفكر العربي بالشراكة مع الأمانة العامة لجامعة الدول العربية برعاية صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة وتحت عنوان " التكامل العربي: مجلس التعاون الخليجي ودولة الإمارات العربية المتحدة" بمناسبة الذكرى الخامسة والثلاثين لإنشاء المجلس، والذكرى الخامسة والأربعين لقيام دولة الإمارات. وقد شهد المؤتمر مشاركة شخصيات عربية مرموقة من المسؤولين والمفكرين الذين تناولوا تجربة مجلس التعاون والاتحاد الإماراتي من زوايا مختلفة، كتجربة مهمة تصب في نهر التكامل العربي، كما شهد المؤتمر إطلاق التقرير السنوي لمؤسسة الفكر العربي الذي جاء تحت عنوان " الثقافة والتكامل الثقافي في دول مجلس التعاون : السياسات ـ المؤسسات ـ التجليات"، وأيضًا شهد المؤتمر توزيع جوائز الإبداع، وهي جوائز سنوية تقدمها مؤسسة الفكر العربي لدعم الإبداع في مجالات مهمة على الساحة العربية، وبالإضافة إلى الجلستين الرئيستين عن دولة الإمارات العربية المتحدة ومجلس التعاون لدول الخليج العربية، جاءت أربع جلسات متوازية متخصصة حول (التكامل الاقتصادي التنموي ـ التكامل الأمني ـ التكامل الثقافي ـ مؤسسات التكامل العربي)، وجاءت توصيات المؤتمر لتؤكد على استمرار مؤسسة الفكر العربي في بحث قضايا التكامل العربي انطلاقًا من الأهداف التي وضعها صاحب السمو الملكي الأمير خالد الفيصل بن عبد العزيز رئيس مؤسسة الفكر العربي منذ مؤتمر فكر 13 في الصخيرات بالمملكة المغربية، ولذلك سوف يركز مؤتمر فكر 16 المقبل على قضايا التكامل العربي خاصة(علاقة الإعلام بمراكز البحث العلمي) ، وقد وضع المؤتمرون في مؤتمر فكر 15 العديد من الأسئلة الاستشرافية لتكون موضوعات أساسية لمحاور المؤتمر المقبل.

وأفتتح المؤتمر صاحب السمو الملكي الأمير خالد الفيصل مستشار خادم الحرمين الشريفين أمير منطقة مكة المكرمة رئيس مؤسسة الفكر العربي بكلمة، تحدث فيها عن واقع الوضع العربي وما تمر به الأمة العربية، وجاءت هذه الكلمة معبرة بدقة عن هذا الواقع غير المرضي جاء فيها :

"لا يُحسد اليوم من يقفُ على منبرِ العروبةِ مُتحدثاً ولا من يتقدّم صفوف المسلمين مُدافعًا، فلقد ظلمنا الإسلام وشوّهنا صورة المسلمين، وخذلنا العروبة وهجّرنا العرب لاجئين، وكفّر المستشيّخون عُلماءنا وسفّه المستغربون خطابنا، وصمتت الأكثريّة هل خشي العلماء الأدعياء؟! واستسلم الحُكماء للجهلاء؟! اعذروني إن كانت الصراحة جارحة" فالجروح صارخة..كنت أودّ أن أكون البشير ولكن الشرّ مُستطير فآثرت أن أكون النذير!!".انهضوا أيها العرب واستيقظوا أيها المسلمون لا تسمحوا للاستعمار أن يعود ولا للتقسيم أن يسود، فعلوا مشروع التكامل البناء وأعملوا العقل لا عدمتم الذكاء واستعينوا بالعلم والصبر على البلاء.

أيها الإخوة والأخوات

إلى متى نبقى أسرى معادلة عقيمة إما التكفير أو التغريب، إما الأصالة أو المعاصرة، إما التشدد أو الانحلال.

لماذا لا نخرج ببديل مبني على دليل، لماذا لا نطرح فكر نهج جديد بالعلم والعمل والرأي السديد لنكتب منه للوطن نشيد".

من جهته،قال معالي السيد أحمد أبوالغيط الأمين العام لجامعة الدول العربية: لا يخفى على أحد ما تواجهه الدولة العربية المُعاصرة من أزماتٍ طاحنة لا مثيل لها في التاريخ الحديث، إنها أزمات تضرب كيانها ذاته، تُمزق نسيجها الجامع، تهدم وحدتها الوطنية.

وأضاف أبو الغيط، ثمة دول تتفكك ويتمزق نسيجها، وأخرى يُناضل أبناؤها من أجل الحفاظ على كيانها. هناك لاجئون بالملايين ونازحون ومشردون يقطنون المُخيمات ويعيشون على الكفاف.. وثمة مهاجرين ضاقت أوطانهم عليهم بما رحبت، فألقوا بأنفسهم في البحر، وفيهم النساء والأطفال، غير مبالين بالموت أو التشريد في بلاد غريبة، وكأنهم يهربون من الجحيم الذي يعيشونه ويعرفونه، إلى جحيم آخر غير معلوم.

واستطرد أبو الغيط: في وسط هذا الاضطراب الكبير قد يرى البعضُ أنه لا وقت للفكر ولا مجال للبحث، وأن "السيف أصدق إنباء من الكُتب" فالتحديات الجسام تفرض علينا – كأمة عربية-أن نحشد الهمم للدفاع عن وجودنا ذاته في مواجهة التهديدات القادمة من داخل دولنا ومن محيطنا القريب... والحقُ أن أزمتنا الكبيرة – كما أراها-هي أزمة في الفكر أولاً، وفي العمل ثانيًا.

البعض ينظر للتكامل العربي باعتباره ترفًا بعد أن صار عددٌ من الدول مهددًا في بقائه. والصحيح في فهمي أن يكون التكامل ذاته هو الطريق للحفاظ على الجسد العربي سليمًا في مجموعه، صحيحًا في بنيته وقوامه... ولكن أي تكامل؟ وما الغاية التي ينشدها هذا التكامل؟

إن مؤسسات العمل العربي المشترك ليست كسيحة أو مُعطلة كما يظن البعض. ما ينقصنا ليس الكيانات المؤسسية، التي ربما نعاني من تخمتها وليس ندرتها. ما نفتقر إليه، في تقديري، هو الفلسفة الناظمة للعمل، والترتيب السليم للأولويات.

لذلك سأختتم حديثي بطرح أولويات ثلاث أراها تقع في القلب من فلسفة التكامل العربي والعمل العربي المشترك:

            أولاً: تجديد معنى العروبة..

          العروبة لا ينبغي أن تظل مفهومًا جامدًا أو فكرة متحجرة منغلقة... العروبة التي ننشدها هي مفهوم رحبٌ.. متسامح مع الآخر المختلف في الدين أوالعرق.. قابلٌ بالشراكة معه في إطار الدولة الوطنية الجامعة.. "دولة كل مواطنيها" التي تقوم على حُكم القانون وحده. اقتناعي الراسخ أن هذه العروبة المنفتحة تظل طوق النجاة لهذه المنطقة من جحيم الفتن والصراعات الطائفية والمذهبية..

 

          ثانيًا: مواجهة أزمات الوجود..

          أعني بهذه الأزمات الانفجار السُكاني والتدهور البيئي والشُح المائي. تلك هي الأزمات الحقيقية التي تهدد وجودنا ذاته، وهي أزمات لا قبل لدولنا بمواجهتها فُرادى ولابد من التنسيق الجماعي للتعامل معها هذه هي نوعية التحديات الخطيرة التي يتعين على جهود التكامل العربي أن تنصرف إليها وتلتفت لها وتنصب عليها. وهي تحديات وجود وبقاء بكل ما تحمله الكلمة من المعنى وتستلزم جهدًا جادًا على صعيد التكامل الاقتصادي والعلمي والتقني، ولدى الجامعة العربية من الخبرات والمؤسسات والكيانات ما يصلح كأساس لتنسيق حقيقي على كافة هذه الأصعدة على أساس علمي ومؤسسي راسخ.

 

أما الأولوية الثالثة للتكامل العربي فهي تحقيق الصحوة الفكرية... وقد ذكرتها ثالثاً ليس لأنها الأقل أهمية بل لكي ألفت النظر إلى أن أيًا من الأولويات السابقة لن يتحقق من دونها. إن النهضة عملٌ فكري في الأساس. وقد رأينا جميعًا كيف خُربت بعضٌ من أزهى حضاراتنا على يد نفرٍ من أبنائها خُربت عقولهم وتلوث فكرهم. خراب العمران هو محصلة لخراب الإنسان. وبناء الإنسان لا يكون سوى بتربية الفكر الناقد، والعقل القادر على استيعاب العالم من حوله. مطلوب من المثقفين العرب صياغة بديل فكري مُتماسك لأيديولوجيات القتل والدمار وسبي النساء... مطلوب تعديل مسار الثقافة العربية لتقوم على الإبداع لا الاتباع، على العقل لا النقل... من المُهم أن ينهمك المثقفون العرب في عمل متضافر ... جماعي ومؤسسي من أجل خلق هذه الثقافة الجديدة القائمة على الابتكار... إن إيجاد هذه الثقافة أهم من أي جهد يُبذل في المجالات الأخرى.

ومن جهته،أثنى الأمين العام لدول مجلس التعاون الخليجي معالي الدكتور عبد اللطيف ابن راشد الزياني على نموذجين مشرفين من التكامل العربي ممثلين في دولة الإمارات العربية المتحدة ومجلس التعاون لدول الخليج العربية، مؤكدًا استعداد الأمانة العامة لمجلس التعاون لتقديم ما لديها من معرفة متراكمة، وخبرة عملية ثرية في كل ما يتعلق بموضوع التكامل، وهي حصيلة ثلاثة عقود ونصف من العمل المشترك، وهو ما يمكن أن يستفاد منه في مناطق عربية أخرى،
وأكد معاليه على الرؤية الطموحة التي يعمل مجلس التعاون على تحقيقها والمتلخصة في توفير بيئة آمنة ومستقرة مزدهرة ومستدامة لدول مجلس التعاون ومواطنيها من خلال التنسيق والتعاون والتكامل والترابط.
وأشار معاليه إلى أهداف تنفيذ استراتيجية العمل الخليجي المشترك، والمتمثلة في تحصين دول المجلس أمنيًا داخليًا وخارجيًا، وزيادة النمو الاقتصادي واستدامته، والحفاظ على مستوى عالٍ من التنمية البشرية، وتحسين السلامة العامة من خلال إقرار استراتيجيات للتوعية بالمخاطر وإدارة الأزمات، وتحسين مكانة مجلس التعاون إقليميًا ودوليًا.
وأبرز الأمين العام بعض جوانب إنجازات مجلس التعاون في المجالات الاقتصادية والسياسية والأمنية والعسكرية، التي تؤكد نجاح النموذج الخليجي في التكامل، وسلامة منهجه، مؤكدًا أن التكامل وسيلة فعالة لتحقيق الأهداف الوطنية.
وفيما يتعلق بمستجدات العمل الخليجي المشترك، قال الدكتور الزياني: إن مسيرة مجلس التعاون شهدت نقلة نوعية وتسارعًا في وتيرة الأداء خلال العام الحالي في ضوء الرؤية الحكيمة لتعزيز العمل الخليجي المشترك التي قدمها خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود ـ حفظه الله ورعاه ـ إلى إخوانه قادة دول مجلس التعاون في قمة الرياض في ديسمبر 2015م، واعتمدها المجلس الأعلى لمجلس التعاون، مشيرًا إلى ما تضمنته هذه الرؤية من أهداف عديدة تبرهن على عمق الالتزام لدى قيادات دول مجلس التعاون بتعزيز الكيان الخليجي من خلال تذليل العقبات التي تعترض استكمال بعض المسارات، ووضع أهداف جديدة ترفع سقف التكامل الخليجي.
وأشار معاليه إلى تشكيل هيأة تعنى بتفعيل التعاون في مجال الشؤون الاقتصادية والتنموية (هيأة الشؤون الاقتصادية والتنموية)، وإلى إقرار إنشاء الهيأة القضائية الاقتصادية المعنية بالنظر في الدعاوى المتعلقة بالمنازعات الناشئة عن تنفيذ أو عدم تنفيذ الاتفاقية الاقتصادية، والقرارات الصادرة لتطبيق أحكامها.

 

قرقاش: الوحدة في حاجة إلى قيادات خلاقة وعدم التراجع

أمام العثرات ولا تقوم على الشعارات بل عمل جاد ومشروع واقعي

 

وعلى الصعيد ذاته،تحدث معالي الدكتور أنور محمد قرقاش وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية عن تجربة الاتحاد في بلاده وسرد مسيرتها وما حققته من إنجازات وكيف تجاوزت التحديات، وقال:

جاء إعلان قيام دولة الإمارات العربية المتحدة في الثاني من ديسمبر 1971م، حدثاً تاريخياً، ونقطةً فارقة، ونقلة حضارية، حقق آمال شعبنا في الوحدة والسيادة والأمن والاستقرار، وانبسطت آثاره في المنطقة ككل.فعلى المستوى المحلي، مثّل إنشاءُ دولةِ الاتحاد، إنهاء الانقسام والفرقة، وعلى المستوى الخليجي، أدى إلى سد الفراغ الذي تركه الانسحاب البريطاني من منطقة الخليج العربي في أواخر عام 1971، وقطع الطريق على بعض القوى التي كانت تستعد وتعمل على ملء هذا الفراغ والتمدد فيه وتحقيق أطماعها، وعلى المستوى العربي، قدمت التجربة نموذجًا ملهمًا، للعالم العربي، في الوحدة والتنمية. وفي هذا يقول المؤسس الراحل الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان "طيب الله ثراه": "إنّ الوحدة العربية، التي تعتبر دولة الإمارات نواتها، ليست حلمًا أو ضربًا من الخيال بل واقع، يمكن تحقيقه إذا صدقت النوايا وتفاعلت الأماني والطموحات بالمساعي والعمل. ونجاحها يدحض مواقف المتشككين في إمكانية قيام أيّ اتحاد بين أجزاء الوطن العربيّ".

 

وعلى المستوى العالمي، فإن إنشاء دولة اتحاد الإمارات، حفظ الأمن والاستقرار في منطقة من أهم المناطق الاستراتيجية بالنسبة إلى اقتصاد العالم وأمنه واستقراره، وأثبتت دولة الوحدة أنها إضافة مهمة إلى عوامل الاستقرار والسلام والتعايش، ومع نجاحها التنموي أسست حضورًا اقتصاديًا مهمًا، مضيفًًا، إن إنشاء دولة الإمارات العربية المتحدة، كان حدثًا تاريخيًا فارقًا، وأتوقف متأملاً ست ملاحظات أردها هنا:

الملاحظة الأولى: إن إنجاح فكرة الوحدة في حاجة إلى قيادات سياسية خلاقة وقادة رأي مؤثرين، مؤمنين بجدوى الوحدة وأهميتها ومنافعها.

الملاحظة الثانية: إن الوحدة ليست بناءً فوقيًا، وإن إرادة الشعب ورغبته وتأييده، هي العنصر الفاعل والقوة الدافعة، لأي مشروع تكاملي وحدوي.

 

الملاحظة الثالثة، الإيمان بأن الوحدة عملية متدرجة في تطورها"

 

الملاحظة الرابعة، الأشياء تعرف بضدها. وقد أثبت نجاح التجربة الإماراتية أن فشل التجارب التكاملية الوحدوية العربية ليس قدرًا محتومًا.

الملاحظة الخامسة، عدم التراجع أمام العثرات مهما كانت شدتها.

 

الملاحظة السادسة: الوحدة لا تقوم على العواطف والشعارات فقط، وإنما هي عمل جاد ومستمر ومشروع عمل واقعي من أجل تحويل الإمكانات والمقومات إلى واقع يشعر المواطن في ظله بالعزة والحياة الكريمة.

د. عبد العزيز بن صقر: ثلاثة عوامل أفشلت إيجاد آلية للأمن القومي العربي

 وفتحت الأبواب للتدخلات الإقليمية والدولية و"الحياد" دعم للأطراف الخارجية

 

ومن جهة أخرى وفيما يخص الجلسات المتوازية الأربع للمؤتمر فقد ترأس الدكتور عبد العزيز بن صقر رئيس مركز الخليج للأبحاث جلسة التكامل الأمني، وتناول الأمن القومي العربي وتحدياته فقال في هذا الصدد: إن المهددات الرئيسية للأمن القومي العربي تكمن في عوامل أساسية لم تتمكن آلية الأمن القومي العربي من تطوير القدرات للتعامل معها بشكل بناء وهي:

الأول: هو عامل التدخلات الإقليمية الخارجية، وهذا النوع من التدخلات يحمل خصوصية خطيرة كونها تحمل نزعة الأطماع التوسعية الجغرافية، وتستخدم عوامل الاختلافات الطائفية والاختلافات العنصرية – الأثنية كوسيلة لدعم سياساتها التدخلية. كما أن قدرة القوى الاقليمية على اختراق الصف العربي ساهم في منع تأسيس نظام عربي أمني موحد يعمل على التصدي لهذه التدخلات.وظاهرة المليشيات المسلحة التي برزت في عدد من دول العالم العربي هي ناتج لعامل التدخلات الإقليمية الخارجية.

وفيما يخص ظاهرة نزعة "الحياد" التي تلجأ إليها بعض الدول العربية في تحديد موقفها تجاه الصراعات القائمة في العالم العربي، لا يمكن أن يكون "للحياد" مكان في مواقف تهدد الأمن القومي العربي بكاملة. ما تمثله الأزمة اليمنية هو تهديد للأمن القومي العربي عبر تدخل فاضح وعلني لدولة إقليمية توسعية استغلت الظروف القائمة في اليمن من أجل بناء قواعد النفوذ والسيطرة عبر دعم مليشيات عقائدية مسلحة للسيطرة على السلطة والدولة لحساب طرف خارجي، وهنايأتي تشبث بعض الأطراف العربية بـ "موقف الحياد" في الصراع اليمني بمثابة دعم للطرف الخارجي التوسعي.

 

الثاني: اعتماد الأمن القومي لعدد من دول العربي (جزئيًا أو كليًا) على عنصر الدعم الخارجي والضمانات الأمنية والدفاعية الخارجية، والفشل في تطوير قدرات الدفاع الذاتي، لا يمكن الركون إليه لكون الضمانات الخارجية عامل متذبذب وقابل للتغيير مع أي تغيير في الظروف او البيئة السياسية الدولية، أو تغيير الأولويات، أو حتى في تغير الحكومات أو القيادة السياسية في الدولة المانحة للضمانات. فالضمانات الأمنية والدفاعية الخارجية (من الدول الكبرى) لا تمنح "للأمن العربي ككل" بل تمنح لكل دولة عربية بشكل منفرد. 

 

الثالث: التركيز على "الإرهاب" بكونه المصدر الأساسي للتهديد أو المخاطر هو تقدير يفتقد للمنطق. دون شك إن نشاطات التنظيمات الإرهابية هي مصدر تهديد، ولكن الإرهاب هو خطر قابل للاحتواء عبر تبني سلسلة من الإجراءات الامنية والسياسية والثقافية. ولا يمكن اختزال التهديدات والمخاطر التي تواجه الأمة العربية عبر التركيز على مكافحة الإرهاب (الموقف الغربي)، وإهمال المخاطر والتهديدات الأخرى التي تشكل تحديات حقيقية للدولة والمجتمع في العالم العربي. فسياسة إيران التدخلية والتوسعية تحمل أخطارًا وتهديدات ذات طبيعة استراتيجية بعيدة المدى، تهدد كيان العالم العربي وتفرض سياسة الهيمنة الاقليمية، وتفتت مجتمعاتنا العربية وتنشر بذور الصراعات الطائفية. لذا يجب أن يكون للأمن العربي الجماعي تقديراته الخاصة، المنبثقة من الواقع الإقليمي، والتي على أساسها يتم ترتيب أولويات الأمن القومي العربي الجماعي.

 

د. هنري العويط: الأمير خالد الفيصل لم يبدو متشائما تجاه الأوضاع العربية

لكنه تحدث بواقعية وما تعاني منه بعض الدول لا يدعو للاطمئنان

 

وحول تقويم أعمال وأنشطة مؤتمر فكر 15 وما هو المأمول من مؤتمر فكر 16 في إطار الأهداف التي وضعها صاحب السمو الملكي الأمير خالد الفيصل رئيس المؤسسة أوضح مدير مؤسسة الفكر العربي الأستاذ الدكتور هنري العويط في حوار لمجلة (آراء حول الخليج ) أن المؤسسة ماضية في تنفيذ رؤيتها واستراتيجيتها من أجل تحقيق التكامل العربي في هذه الظروف الصعبة من تاريخ العمل العربي المشترك، وبدأ بالحديث حول سؤال بشأن كلمة سمو الأمير خالد الفيصل في افتتاح المؤتمر والذي بدا سموه متشائمًا من الأوضاع العربية رغم أن سموه دائم الحلم، وهنا أوضح الأستاذ الدكتور هنري العويط بقوله: لم يبدُ سموه متشائما لكنه تحدث بواقعية،فالمشهد الذي يعاني منه عدد من الدول العربية لا يدعو للفرح والاطمئنان، على سبيل المثال حلب و سوريا بشكل عام، و في اليمن، والعراق، و ليبيا ثم على صعيد العالم العربي ككل، وهذا ليس ما يتمناه المواطن العربي، وانطلاقًًا من الواقع المؤلم و الحزين و يدعو إلى القلق، وانطلاقا من ذلك وترجمة لرؤية سمو الأمير خالد الفيصل تعمل مؤسسة  الفكر العربي ما تستطيع للمساهمة في تغيير هذا المشهد ووقف حالة التدهور والانهيار التي يمكن أن تصبح كالنار في الهشيم وتمتد إلى دول أخرى غير المنخرطة في قلب هذا الدمار وهذه العاصفة حاليًا، هذا من الناحية السلبية.

أما من الناحية الإيجابية نحن في المؤسسة ندعو إلى الاستقرار والازدهار والأمن والرخاء والتنمية والتطوير على مستوى الوطن العربي، وهذا ما تترجمه المؤتمرات التي تعقدها مؤسسة الفكر العربي وما يتمخض عنها من التقارير التي تصدر وكذلك مختلف النشاطات الأخرى، خاصة أن مؤتمرات المؤسسة والورش التحضيرية التي تسبقها تضم نخبًا عربية رفيعة، مع الحرص على تمثيل كل الدول العربية ومن مختلف التيارات باعتبار أن المؤسسة منبر للتفاعل والمشاركة في الهموم والتحديات المشتركة.

وفيما يتعلق بكيفية تفعيل ما تتوصل إليه المؤتمرات وترجمتها على أرض الواقع في ظل التعاون بين مؤسسة الفكر وجامعة الدول العربية ومجلس التعاون الخليجي، قال الدكتور هنري العويط: نحن سعداء من العام الماضي بعد إرساء أسس صلبة للتعاون بل للشراكة مع جامعة الدول العربية وهناك المزيد من التعاون، وبشأن ترجمة التوصيات فالمؤسسة ليست من يتخذ القرار ومن ثم تنفيذه، بل هي مؤسسة فكرية بحثية تدرس القضايا المطروحة وتجمع الخبراء

لكي يدرسوا و يتدارسوا ويبحثوا ويتفكروا مع بعضهم البعض ويقدموا مجموعة من الدراسات والتقارير ويرفعوا التوصيات التي لا تأل المؤسسة جهدًا لإيصالها إلى أصحابها ونأمل ترجمته خاصة بمشاركة جامعة الدول العربية والأمانة العامة لمجلس دول تعاون وهما هيأتان معنيتان بعملية المتابعة والتنفيذ.

 وفيما يتعلق بمحور الإعلام والمراكز البحثية المطروح أمام مؤتمر العام المقبل فكر 16، أوضح الدكتور هنري العويط: من المؤكد أن هذا المحور مهم نظرًا لأهمية الإعلام والمراكز البحثية في طرح الحقائق التي تخدم الدول والشعوب والمجتمعات وصانع القرار في وقت واحد، وسوف يعمل المؤتمر المقبل على توفير الإطار لما يقوم به الإعلام والمراكز البحثية وما يجب الاضطلاع به في هذه المرحلة وفي المستقل من أجل خدمة قضايا التكامل العربي، خاصة أن الإعلام أصبح أداة فاعلة في المجتمعات ومؤثرة بصورة كبيرة جدًا سواء في الإعلام المقروء أو المسموع أو المرئي أو عبر شبكات التواصل الاجتماعي في ظل الانسياب الإعلامي وسرعة انتقال المعلومة بصورة غير مسبوقة من ذي قبل.

د. سمرقندي: عدم تهيئة المواطن العربي والنعرات الطائفية

والحزبية والجهوية كشفت هشاشة الانتماء وعطلت التنمية

وفيما يتعلق بمحاور مؤتمر فكر 15 الأخرى، جاء محور التكامل الاقتصادي الذي تناول الإجابة على سؤال رئيسي هو (كيف تساهم الحكومات العربية والقطاع الخاص وصناديق التنمية العربية في رسم استراتيجيات لتأهيل القطاعات البشرية وإعادة الإعمار؟ وفي هذا الصدد

طرحت الدكتورة نهلة سمرقندي الأستاذ المساعد بكلية الاقتصاد والإدارة بجامعة الملك عبد العزيز في جدة والتي شاركت بمداخلة في هذا المحور عبر مداخلة على ورقة بعنوان كيفية صياغة رؤية استراتيجية تنموية تستجيب لحاجة المواطن العربي والأجيال القادمة، عدة مقترحات لتحقيق التكامل الاقتصادي ورأت أن أهم الأسباب التي أدت إلى تردي الأوضاع الاقتصادية وغيرها تكمن في عدة أسباب من بينها عدم تهيئة المواطن العربي للانفتاح على العالم وقبول الآخر وترسخ مبدأ التعاون والتكامل مقابل زيادة النعرات الوطنية والحزبية والطائفية والمذهبية  والجهوية خاصة عقب أحداث ما يسمى بثورات الربيع العربي التي كشفت هشاشة انتماء وثقافة المواطن العربي خاصة حيال التكامل، وطالبت الدكتورة نهلة سمرقندي بضرورة تعزيز وترسيخ مفهوم الانتماء، وتحقيق المصالحة العربية الشاملة وتنقية الأجواء بين الدول العربية واجتياز الاختلافات المذهبية والطائفية والانغلاق ضيق الأفق على أن يلي ذلك مباشرة وضع استراتيجية تنموية عربية شاملة تحقق التكامل المنشود على أسس المزايا النسبية لدى الدول العربية ومن هنا يتحقق التكامل لا التنافس بمفهومه الضيق الذي ساد المنطقة في أوقات الأزمات.

واختتمت الدكتورة نهلة سمرقندي بضرورة توطين اقتصادات المعرفة والتكنولوجيا في الدول العربية من أجل القدرة على المنافسة الإقليمية والدولية المحتدمة حاليًا، وكذلك مواجهة التكتلات الاقتصادية الكبرى.

 

علي الرباعي: التنمية الثقافية بوابة التنمية الشاملة والمثقف كبش فداء بين الغلو والتعسف

 

وعلى صعيد المحور الثقافي والذي كان العنوان الرئيسي لمؤتمر فكر 15، ومضمون التقرير السنوي لهذا المؤتمر، قال الأديب والناقد السعودي المعروف الرباعي لقد طرح المشاركون من مختلف الدول العربية رؤيتهم للواقع الثقافي العربي، وأجابوا على العديد من الأسئلة المطروحة ومن بينها: هل الفضاء الثقافي العربي بصحة جيدة، وكيف تسهم ثقافتنا وتواكب الخطط العربية الطموحة، وماذا عن تنمية الثقافة باعتبارها أم الأرضيات لأي تحولات؟ ويرى الرباعي أن كل هذه التساؤلات مشروعة وحضرت بقوة في أروقة مؤتمر فكر 15 في أبو ظبي، ويقول: إن التنمية الثقافية ليست مثل التنمية الاقتصادية المرتبطة بزمان ومكان وأدوات محددة، بل مشروع متكامل يضم الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والتاريخي والحضاري والإنساني. حيث لم تعد التنمية الثقافية تكريس الواقع بقدر ما تعني التوجه نحو تحول تاريخي يتجاوز الواقع ويحقق المزيد من النفع العام، وهنا لابد من التطرق إلى علاقة المثقف بالسلطة كون المثقف صوت المتعبين والمهمشين والفقراء، لذلك كان المثقف دومًا ضحية أو كبش الفداء بين التشدد والغلو في الدين وبين مواقف السلطة التي تريد فرض القانون، ومع ذلك يظل المثقفون مصطفين في منظومة لرصد الملاحظات وتقويم الأخطاء البيروقراطية.

ويضيف الرباعي لقد كان المحور الثقافي في مؤتمر فكر 15 مليء بالتطلعات والتمنيات التي وردت من المجمع الملكي الأردني، والمجلس الأعلى للثقافة في مصر والإلسكو، والصالون الثقافي في بيروت، وناقش الآراء نخبة من المثقفين الذين وقفوا كالعادة إلى جانب حرية التعبير وحفظ حقوق المثقف، وإشراك القطاع الخاص في التكامل الثقافي.

وجاء محور "مؤسسات التكامل العربي" عدة أسئلة منها كيف يمكن للمجالس الوزارية المتخصصة في جامعة الدول العربية إيجاد الآليات الضرورية لتنفيذ قرارات ومشروعات التكامل العربي؟ خاصة ما يتعلق بإدارة التنمية المستدامة والتعاون الدولي ـ المجلس الاقتصادي والاجتماعي ـ الأمانة الفنية لمجلس وزراء العدل العرب ـ إدارة الصحة (مجلس وزراء الصحة العرب) ـ إدارة الطاقة (المجلس الوزاري العربي للكهرباء) ـ الأمانة الفنية لمجلس وزراء الإعلام العرب.

كلمات دليلية

الشركات المعلنة