انت هنا: الرئيسية جميع المقالاتالعدد 110إفتتاحيةالخليج وأمريكا اللاتينية: علاقات مؤجلة

الخليج وأمريكا اللاتينية: علاقات مؤجلة

انشأ بتاريخ: الأربعاء، 03 آب/أغسطس 2016

العلاقات التاريخية بين المنطقة العربية عامة وشبه جزيرة العرب خاصة مع دول قارة أمريكا اللاتينية قديمة وتعود لأكثر من 500 سنة عندما رست سفن البحارة العرب على شواطئ هذه القارة، والتي قصدها لاحقًا أبناء الدول العربية في القرن التاسع عشر الميلادي بقصد الهجرة والتوطن الدائم، واختلفت الإحصاءات حول عددهم هناك لكن في المتوسط تخطى عددهم طبقًا لبعض الدراسات حاجز الـ 25 مليون نسمة و يمثلون 10 % من إجمالي عدد سكان القارة اللاتينية، وتجدد التقارب بين المنطقتين في منتصف القرن العشرين و نتج عنه إنشاء منظمة الدول المصدرة للبترول (أوبك)، ومجموعة عدم الانحياز أو مجموعة الـ 77 لاحقًا، إضافة إلى وجود ثلاث دول من هذه القارة  في الوقت الحاضر ضمن مجموعة العشرين التي تضم المملكة العربية السعودية أيضًا.

كما أن دول القارة اللاتينية كانت في مقدمة دول العالم التي ساندت القضايا العربية خاصة القضية الفلسطينية باعتبارها القضية العربية المركزية وأطول القضايا الإقليمية أمدًا وأكثرها سببًا في عدم الاستقرار الإقليمي والدولي، قبل أن تطل برأسها آفة الإرهاب التي باتت تقض مضاجع دول وشعوب العالم بأسره.

وفي الوقت الحاضر طرأت مشكلات جديدة على الساحة الدولية تهم المنطقتين، دول الخليج والدول اللاتينية، وهي مشكلة انخفاض أسعار النفط، ووجود الطاقة البديلة باعتبار أن الكتلتين من منتجي ومصدري النفط الخام ومشتقاته، ومن ثم فإن انخفاض أسعار النفط سوف يؤثر على اقتصاد الطرفين بصورة مباشرة، إضافة إلى تأثيره على تدني نسب معدلات النمو في الاقتصادات الناشئة التي تنتمي إليها دول الكتلتين أو أكثرها على الأقل، وهذا ما حدث بالفعل خلال العامين الأخيرين.

ومع ما تقدم ذكره من أواصر مهمة وتحديات مشتركة تستوجب توثيق العلاقات بين الجانبين،   ورغم أهمية دول أمريكا اللاتينية للأمن الجماعي العربي والخليجي، فقد تراجع الحضور العربي في هذه القارة وقابله حضور دولي كبير بل تنافس بين مجموعة دول لها أجنداتها الخاصة ومصالحها التي تتعارض مع المصالح العربية والخليجية وفي مقدمتها إيران وإسرائيل وغيرهما من الدول الإقليمية ذات المصالح المتقاطعة في كثير من الأحيان مع  مصالح منطقتنا، ومن المعلوم أن دول أمريكا الجنوبية هي البوابة الخلفية للولايات المتحدة الأمريكية وقارة أمريكا الشمالية برمتها ومن ثم فهي محط أنظار الكثير من دول العالم، ناهيك عن مساحتها الشاسعة وما تمتلكه من موارد طبيعية متنوعة خاصة الزراعة والمياه العذبة وغير ذلك.

مؤخرًا، وبعد الغياب العربي طويل الأمد عن دول أمريكا اللاتينية والذي اقترب من نصف قرن، عاد العرب ليفكروا في أهمية دول أمريكا الجنوبية، أو بتعبير أدق سعت الدول اللاتينية إلى التقارب مع الدول العربية من خلال القمة الدورية المشتركة بين الجانبين والتي بدأت بقمة البرازيل عام 2005م، وتوالت فكانت القمة الثانية في العاصمة القطرية الدوحة عام 2009م، ثم القمة الثالثة في ليما بجمهورية البيرو عام 2012م، وأخيرًا القمة العربية ـ اللاتينية الرابعة التي استضافتها الرياض في شهر نوفمبر من العام الماضي 2015م.

والبيانات الختامية لهذه القمم تجسد تطور مضمونها وأهميتها وتوجه الزعماء العرب واللاتينيين حيال القضايا الثنائية والإقليمية والدولية، خاصة أن الجانبين يسعيان إلى توسيع التحالفات والانضمام إلى الكثير من التكتلات الاقتصادية الإقليمية باعتبارهما من دول الاقتصادات الناشئة التي تسعى إلى زيادة دورها الإقليمي والدولي بما يتواكب مع إمكانياتها الاقتصادية وأهميتها السياسية، وبالفعل قطعت الدول اللاتينية شوطًا كبيرًا في الإفلات من هيمنة الولايات المتحدة عبر إنشاء اتحاد دول أمريكا اللاتينية (ميركوسور) وكذلك تكتل مجموعة دول أمريكا اللاتينية والكاريبي.

لكن رغم المحاولات لإحياء العلاقات العربية ـ اللاتينية، ورغم ما حققته القمم الدورية المشتركة خلال عشر سنوات من تقارب، ورغم تنامي العلاقات الاقتصادية والمبادلات التجارية التي ارتفعت قيمتها بشكل ملحوظ في الميزان التجاري الخليجي ـ اللاتيني مؤخرًا، تظل العلاقات بين المنطقتين دون المستوى المطلوب ولا ترقى للطموحات التي تواكب الإمكانيات الموجودة لدى الطرفين، وكذلك الفرص الممكنة ومنها على سبيل المثال فرص الاستثمار الزراعي المتوفرة في دول أمريكا اللاتينية، وفرص التصنيع الزراعي والغذائي، وكذلك التعاون في مجال التصنيع العسكري وتوطين التكنولوجيا اللاتينية في دول الخليج حيث تمتلك دول أمريكا الجنوبية قدرات جيدة في هذه المجالات وقطعت شوطًا بعيدًا في هذا الشأن، وفي المقابل تمتلك دول مجلس التعاون النفط ومشتقاته والرغبة في الشراكة الاقتصادية بل الاستراتيجية مع دول أمريكا الجنوبية الصاعدة، كما لديها خططها في زيادة استثماراتها الخارجية، وأيضًا جذب استثمارات جديدة في إطار توجهها ورؤيتها لمرحلة ما بعد النفط.

وأيضًا من الضروري زيادة التعاون الأمني والعسكري لمواجهة آفة الإرهاب التي تسللت إلى جميع مناطق العالم بما فيها أمريكا اللاتينية التي تتواجد فيها ميلشيات حزب الله المدعومة من إيران بقوة، إضافة إلى عناصر القاعدة، وكذلك شبكات التهريب الدولية العابرة للحدود المتخصصة في تهريب المخدرات حيث تستفيد الجماعات الإرهابية من عائدات المخدرات المهربة في التمويل والتسليح وغسل الأموال ومن ثم تنفيذ الجرائم الإرهابية في مختلف دول العالم.

وإذ تخصص مجلة (آراء حول الخليج) هذا العدد  لمناقشة العلاقات الخليجية ـ اللاتينية، فهي تطرح المعلومات الكافية عن طبيعة العلاقات بين الطرفين وآفاقها والتحديات التي تواجهها من أجل رسم معالم أكثر جدية ووضوحًا للتعاون المستقبلي، واستفادة الطرفين من المعطيات المتاحة ومواجهة المعوقات والتحديات بشكل واقعي من أجل تفعيل التعاون والارتقاء به إلى حد الشراكة في مختلف المجالات بما يعود بالنفع على الجانبين في ظل عالم تحكمه المصالح مع وجود التكتلات الكبرى خاصة في المجال الاقتصادي الذي يأتي في مقدمة أطر التعاون باعتباره يخدم مصالح الشعوب ويأتي في أولوية اهتماماتها، إضافة إلى مواجهة الإرهاب والتصدي للعبث بمقدرات الشعوب، ومحاربة الجريمة المنظمة العابرة للحدود والتي لا تعترف بالحدود الجغرافية أو السياسية أو الديانات أو تنوع الحضارات والثقافات، كما أنه يجب التركيز في القمم المشتركة المستقبلية على تنفيذ المشاريع المشتركة بعيدًا عن لغة السياسة الفضفاضة، مع إيجاد الحلول الواقعية لمشكلة النقل بين المنطقتين بما ينعكس مباشرة على التبادل التجاري.

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*رئيس مركز الخليج للأبحاث      

كلمات دليلية

الشركات المعلنة