;
الصفحة السابقة

البحث التربوي في دول الخليج: الواقع والتحديات

انشأ بتاريخ: الثلاثاء، 01 تشرين2/نوفمبر 2011

لا أحد يستطيع أن يجادل في العلاقة العضوية بين التنمية والتقدم والبحث العلمي، فنتائج الدراسات التي تجري في مراكز البحث في الجامعات المختلفة لها دور كبير في تقدم مجالات الإنتاج المختلفة الزراعية والصناعية والسياحية والاجتماعية والتربوية، وبذلك لم يعد البحث العلمي ترفاً إنما أداة للتقدم والتطور.

لكن البعض لا يزال يرى أن لا ضرورة للاهتمام بالبحث ورصد الأموال الضخمة للباحثين والمؤسسات البحثية طالما أن هناك قدرة على الاعتماد على الآخر عن طريق استيراد منتجاته لأن في ذلك توفيراً للتكلفة، إلا أن هذه النظرة الضيقة قادت إلى عدم التوظيف الجيد للإمكانات البحثية في الجامعات الخليجية المختلفة، فهذه الجامعات تتمتع بالأبنية الحديثة والأجهزة المختلفة التي تسهل القيام بالأبحاث، وبمصادر البيانات المختلفة، وبتزايد عدد طلبة الدراسات العليا.

البحث التربوي في الدول الخليجية يعتبر جزءاً مهماً من منظومة البحث العلمي

إن البحث التربوي في الدول الخليجية يعتبر جزءاً مهماً من منظومة البحث العلمي، حيث يأمل أن يكون إحدى الدعامات الأساسية للتطوير والرقي التربوي، ومما يزيد من أهمية البحث التربوي هو النمو في عدد الطلبة في كافة المجتمعات الخليجية فعلى سبيل المثال بلغ عدد الطلبة في سلطنة عمان مع بداية العام الدراسي 2011/2012 م (529551)، أي ما يمثل ربع سكان سلطنة عمان مما يقتضي وجود بحث تربوي فاعل يبحث في معارفهم واتجاهاتهم، وميولهم، ومهاراتهم، والصعوبات التي تواجههم، وأساليب التدريس المناسبة لهم.

علاوة على ذلك تبدو الحاجة ماسة للبحث التربوي في ظل التغير المستمر في الأنظمة التربوية من أجل تضييق الفجوة بين طبيعة النظام التربوي وبين حاجات العالم المتجددة، مما يتطلب أبحاثاً تربوية تتميز بالموضوعية والمصداقية من أجل أن يكون متخذ القرار التربوي قادراً على الاستناد إلى نتائجها، إلا أن واقع البحث التربوي- رغم هذه الأهمية – يواجه تحديات ويعاني من صعوبات من أبرزها الآتي:

* تظهر معظم الدراسات التربوية في المنطقة بصفة خاصة وفي الدول العربية بصفة عامة على شكل دراسات فردية لأهداف الحصول على الدرجات العلمية أو من أجل الحصول على الترقية العملية، مما يضعف من إمكانية التصدي للمشكلات التربوية ودراسة مختلف المتغيرات التي تؤثر فيها، وتتبع هذه المشكلة لفترة زمنية أطول، لأن مثل هذه الطموحات البحثية بحاجة إلى جهد فريق بحثي وليس إلى باحث منفرد.

* الدراسات التربوية تظهر في صورة أبحاث متكررة، ويمكن القول من دون الدخول في تعميم مطلق، أن كثيراً من الدراسات التربوية تبحث في القضايا نفسها وبالعناوين نفسها وفي كثير من الأحيان بالخلفية النظرية نفسها، وربما يعود هذا إلى بعد الباحثين عن إشكاليات الواقع التربوي في مجتمعهم، وقد يعود أيضاً إلى عدم الاعتقاد بقدرة البحث التربوي على المساعدة في علاج تلك الإشكاليات.

* الدراسات التربوية أبحاث قصيرة الأمد: معظم الدراسات التربوية في المنطقة تبحث القضايا التربوية خلال فترة قصيرة جداً، ولذا نجد وحدة دراسية لتنمية الإبداع تدرس خلال أسبوعين، ونجد برنامجاً لتنمية الوعي السياسي ينفذ خلال شهرين.. وهكذا، لكن لا يوجد اتجاه لتنفيذ البحوث التربوية خلال فترة زمنية تسهم في الخروج بنتائج تتمتع بمصداقية، كما لا تظهر الدراسات التتبعية التي تنفذ خلال سنوات عدة بحيث تحلل الظاهرة التربوية من كافة جوانبها لتعرف الاتجاهات العامة التي تحكمها.

معظم الدراسات التربوية في المنطقة تبحث القضايا التربوية خلال فترة قصيرة جداً

* الدراسات التربوية دراسات كمية، تعالج كثيراً من الدراسات: في الوقت الذي تطورت فيه منهجية البحث الأجنبية في نظرتها إلى عملية التربية باعتبارها عملية إنسانية لا يمكن التعامل معها بالأرقام والإحصاءات كما هو الحال أثناء التعامل مع الظواهر العلمية التطبيقية، ولذلك تركز الدراسات الحديثة في قطاع التربية على الدراسات ذات الطبيعة الكيفية التي تقوم على توظيف المقابلة والملاحظات الحقلية من أجل الوقوف على إشكاليات الواقع والتفاعل المباشر مع المستجيبين، إلا أن الدراسات التربوية في منطقتنا لا تزال كمية تعطي أهمية للرقم وللأساليب الإحصائية على حساب تقديم تفسيرات منطقية عميقة لمجريات العمل التربوي.

* أبحاث للترقية: تحت ضغط متطلبات الترقية في الجامعات التي تعتبر البحث التربوي المعيار الأهم في ترقية الأستاذ الجامعي، يضطر كثير من الأساتذة إلى دراسة مواضيع بسيطة يسهل إنجازها في وقت زمني قصير من أجل مضاعفة رصيد الأستاذ من الدراسات المنشورة، وفي ظل هذا الواقع يقلل التعاطي مع القضايا التربوية التي تتسم بالجدة والأصالة، أو تتطلب دراستها فترة زمنية أطول، وهذا ينعكس لاحقاً على ضعف مساهمة البحث التربوية في تقديم المؤشرات المنهجية الموضوعية للإشكالات التربوية.

* أبحاث للحصول على درجة علمية: كما أن كثيراً من الدراسات التربوية تقدم للحصول على درجة علمية كالماجستير أو الدكتوراه، ويرى بعض الطلبة أن لا داعي لبحث مواضيع تربوية شائكة في هذه المرحلة لأن الهدف الرئيسي هو الحصول على درجة علمية، ويجد بعضهم تشجيعاً من مشرفيهم في هذا الاعتقاد، مما يفقدنا جهود عدد كبير من الباحثين الذين كانوا بدراساتهم سيسهمون في تطوير التربية في منطقتنا، ولذلك يكون مصير هذه الدراسات أرفف المكتبات ولا يعود إليها إلا زملاؤهم من الباحثين الجدد فقط، وتستمر دورة البحث التربوي في كليات التربية من دون أجندة بحثية مستمدة من الواقع من أجل التعرف إليه بشكل أفضل، وتقديم التصورات المناسبة للنهوض به.

* غياب أبحاث المقارنة بين الأنظمة التربوية الخليجية لتعرف جوانب التطوير اللازمة التي يمكن أن تنفذ بجهد جماعي، ومثل هذه الدراسات تسهم في دراسة قضية تربوية في أكثر من دولة مثل الضعف القرائي، وإشكالية تعلم الرياضيات، والرضا الوظيفي عند المعلمين، والتسرب المدرسي، والعنف عند الطلبة، مما يقدم صورة كافية مقارنة عن الأسباب التي تقف وراء هذه الظواهر، مما يقود إلى تعرف أوجه التشابه والاختلاف بين المجتمعات في هذه الظواهر، ويساعد على التأسيس لجهد جماعي في التغلب عليها.

* قلة قنوات نشر الدراسات التربوية: لا يزيد عدد الدوريات التربوية في المنطقة على عدد أصابع اليد الواحدة، مما يقلل من وصول نتائج الدراسات التربوية إلى قطاعات كبيرة من المجتمع ربما يهمها التعرف إلى الواقع التربوي في مجتمعها، والقضايا التي يعاني منها، ونقاط القوة والضعف التي يعاني منها، وهذا يستدعي تأسيس مزيد من القنوات ليجد البحث التربوي من خلالها طريقه إلى المعنيين بشؤون التعليم وتطويره.

* ضعف ثقة متخذي القرار بنتائج الأبحاث التربوية: قادت الصعوبات المتعددة التي يعاني منها البحث التربوي في المنطقة إلى ضعف ثقة متخذي القرار بنتائج الدراسات التربوية، لتوظيفها في اتخاذ قرارات التطوير التربوي، ولذلك تلجأ كثير من وزارات التربية في المنطقة إلى الاستعانة بمنظمات وهيئات استشارية عالمية لدراسة جوانب النظام التربوي بدلاً من الاعتماد على كليات التربية الكثيرة المنتشرة في المنطقة.

* النظرة الدونية للأبحاث التربوية إذا ما قورنت بالأبحاث التطبيقية، ولذلك تظل الفجوة كبيرة بين المشكلات التربوية المتزايدة التي بحاجة إلى دراسة وبين ما ينجز من دراسات تربوية في كل دولة.

* زيادة العبء التدريسي والإشرافي للأستاذ الجامعي في غياب مساعدين له، تجعل من الصعب عليه التوفيق بين مهامه الوظيفية والبحث العلمي، لأن البحث العلمي لا يعتبر من ضمن المهام الفعلية له، وإذا كان مناضلاً فلن يتمكن من إنجاز أكثر من دراسة واحدة أو اثنتين خلال العام الدراسي الواحد.

ومن أجل التغلب على تلك التحديات لابد من إحداث تحول ثقافي بنيوي في النظر إلى قيمة البحث التربوي سواءً من قبل الباحثين أنفسهم، أو كليات التربية، أو متخذي القرار التربوي، كما أنه من المهم أن تحدد كليات التربية بالتعاون مع وزارة التربية أجندة بحثية مشتركة من أجل تفعيل دور البحث في التطوير التربوي. وفي هذا السياق يمكن أن تخصص المكافآت الكبيرة لمن يقدمون إسهامات علمية متميزة أسوة بالاهتمام الذي يمنح لغيرهم من الفئات في المجتمع، كما لابد من تجويد التعليم، والتشدد في تطبيق المعايير والضوابط التي تحكم البحث العلمي حتى لا يتحول البحث ودرجاته العلمية إلى (برستيج) اجتماعي يحصل عليه من يشاء من دون مراعاة لعنصر الكفاية والقدرة العلمية.

إن الباحثين الخليجيين بحاجة إلى دعم مادي يؤمن لهم متطلبات الحياة التي تشغلهم عن البحث العلمي والاستقرار العقلي، فكثير من هؤلاء الباحثين منشغلون بالبحث عن المسكن الملائم والعمل العلمي، كما يرى الدكتور محمد عبدالعليم مرسي أن الباحث يحتاج فضلاً عن العلم والمعرفة، إلى راحة البال وصفاء الذهن من المشكلات، ولا شك في أن المال إن لم يكن ميسوراً لرجل العلم في هذا العصر خاصة، حيث تطغى النزعة المادية وتتنوع أساليب الحياة الحديثة، فإنه يتعرض لضيق وحرج، إن لم يكن لإشباع حاجاته هو فلإشباع حاجات أفراد أسرته، وإذا تعرض إلى مثل هذا الضيق والحرج أصيب بالقلق والتوتر، وابتعد عن الدقة في استيعاب الأمور والتفكير الشديد.

 

كلمات دليلية
86 سيف بن ناصر المعمري