انت هنا: الرئيسية العدد 86مقالاتعودة إلى سياسة الاغتيالات الإيرانية

عودة إلى سياسة الاغتيالات الإيرانية

انشأ بتاريخ: الثلاثاء، 01 تشرين2/نوفمبر 2011

جاء الاتهام الأمريكي الأخير للحكومة الإيرانية، بالتورط ومن أعلى المستويات، بمحاولة اغتيال السفير السعودي في واشنطن (عادل الجبير) ليفتح الباب على مصراعيه للتكهنات والاستنتاجات التي ذهبت في كثير من الأحيان إلى حد المبالغة في التصديق أو النفي. والسبب في ذلك ربما يكمن في التوقيت والظروف البالغة الحساسية التي تشهدها المنطقة، حيث تزامن هذا الإعلان مع توتر شديد في العلاقات السعودية-الإيرانية، وجاء بعد سلسلة من الأحداث والمواقف المتشنجة بين البلدين، لعل أبرزها التدخل الإيراني الأخير في أحداث البحرين، والموقف السعودي الصارم والمعارض لتصرفات النظام السوري (الحليف العربي الوحيد والاستراتيجي لطهران).

كما جاء هذا الإعلان بعد أسبوع فقط من أحداث الشغب التي شهدتها بلدة العوامية شرق المملكة والتي أعلنت المملكة ضلوع دولة مجاورة فيها، كانت تريد زعزعة الأمن والاستقرار في المملكة، في إشارة صريحة وواضحة إلى طهران، وعندما نقول إشارة واضحة وصريحة من قبل المملكة فإننا نجزم بأن السعودية لديها من الأدلة ما يكفي لتوجيه الاتهام الصريح لطهران، فالمملكة العربية السعودية اشتهرت على الدوام بالتريث الشديد في توجيه الاتهامات الصريحة لأي طرف من الأطراف وفقاً لمنهجها وسياستها المعتدلة التي تميل دوماً نحو  السلم وعدم افتعال الأزمات مع دول الجوار.

لكن هذه الظروف المعقدة ذاتها جعلت البعض يميل إلى تكذيب الرواية الأمريكية واصفاً إياها بالسيناريو الأمريكي المفتعل لتوتير العلاقات الإيرانية-السعودية المتوترة أصلاً، ولصب الزيت على النار في ظل ظروف المنطقة المشتعلة، مستدلين على ذلك بتوقيت إعلان الخبر، وبخطة الاغتيال التي ذكرت الحكومة الأمريكية أنها كانت ستتم بالتعاون مع إحدى عصابات المخدرات المكسيكية، وهي الطريقة التي استبعد البعض لجوء إيران إليها، في ظل وجود الأذرع الإيرانية التقليدية التي اشتهرت بتنفيذ عمليات الاغتيالات نيابة عن ملالي طهران، وفي ظل المراقبة الأمريكية الشديدة لهذا النوع من العصابات الحدودية. إضافة إلى التساؤل الذي يطرحونه حول الفائدة السياسية التي ستجنيها إيران من هذه العملية الرعناء وفي هذا التوقيت الحرج.

لكن أصحاب هذا الرأي المعارض يتناسون أن إيران دائماً ما كانت تلجأ إلى أسلوب الاغتيالات السياسية اليائسة وغير المبررة عندما يضيق عليها الخناق وعندما تجد أنها تتعرض إلى خسائر متلاحقة، فخروجها من أزمة البحرين خالية الوفاض بعد الحشد السياسي والإعلامي الإيراني المبالغ فيه، وقربها من خسارة حليفها الاستراتيجي العربي الوحيد في المنطقة (النظام السوري)، وفشلها في الاختراق الداخلي لدول الخليج من خلال شبكات التجسس، وافتعال الفتن الطائفية ، كلها عوامل ربما أدت بالنتيجة إلى حدوث حالة اختلال التوازن لدى النظام الإيراني الذي مازال يعيش زهو ما حققه من انتصارات سهلة على أعدائه التقليديين في العراق (نظام صدام حسين) وفي أفغانستان (نظام طالبان)، والتي جعلته يظن أنه أحكم قبضته على مكامن القوة في المنطقة، وأن طريق المجد والحلم الفارسي القديم بات على مرمى حجر ومفروشاً بالورود. إلا أن رياح التغيير العربي جاءت بما لم يكن في حسبان النظام الإيراني، وبدأت خيوط اللعبة تفلت منه شيئاً فشيئاً ليعود مجدداً إلى ممارسة هوايته القديمة سياسة التخبط والاغتيالات السياسية.

إن المتابع لتاريخ النظام السياسي الإيراني الحالي، ومنذ قيام الثورة الإسلامية في عام 1979، يجده حافلاً بالاغتيالات السياسية، التي يضيق المقام بذكرها، وكلها كانت بدوافع الانتقام والجريمة لا غير، ولم يحقق النظام الإيراني منها أي مصلحة قومية أو وطنية واضحة تستحق عناء التخطيط لها، وكانت في كثير من الأحيان تعود بالويلات والمصائب والعقوبات على الشعب الإيراني. والغريب في الأمر أن الملالي في طهران لا يجدون غضاضة في تأييدها والحث عليها، وتزداد وتيرتها كلما كان النظام يمر بمآزق سياسية داخلية أو خارجية. ولذلك ووفقاً لهذا التاريخ فإننا لا نجد صعوبة بالغة في تصديق الرواية الأمريكية الأخيرة بضلوع النظام الإيراني في محاولة اغتيال السفير السعودي (الجبير)، ليس لأن الأمريكان لا يكذبون، بل لأن النظام الإيراني دائماً ما يضع نفسه موضع الشبهات، وكما تقول الحكمة (من وضع نفسه موضع الشبهات فلا يلومن من أساء به الظن)، هذا مع احترامنا غير الشديد للنفي الإيراني الرسمي السريع والشكوى التي تقدم بها مندوب إيران لدى الأمم المتحدة حول ما وصفه بالمؤامرة الأمريكية ضد إيران.

كلمات دليلية

الشركات المعلنة