انت هنا: الرئيسية العدد 86مقالاتالعلاقات المصرية– الإسرائيلية بعد ثورة 25 يناير

العلاقات المصرية– الإسرائيلية بعد ثورة 25 يناير

انشأ بتاريخ: الثلاثاء، 01 تشرين2/نوفمبر 2011

هل يمثل ما قامت به إسرائيل ضد الجنود المصريين منذ أسابيع في سيناء، عندما تعدت واخترقت الحدود السيادية للدولة المصرية وقامت بقتل خمسة جنود مصريين بدم بارد، حقيقة السلوك المستقبلي المتوقع أن تنتهجه الدولة العبرية تجاه الدولة المصرية في مرحلة ما بعد ثورة 25 يناير؟ ومن ناحية أخرى، هل يعكس ما قام به المتظاهرون بعد مغيب يوم الجمعة التاسع من سبتمبر الماضي، عندما اقتحم بعضهم أحد ملحقات السفارة الإسرائيلية في القاهرة، حقيقة نظرة الشعب المصري لإسرائيل وطبيعة العلاقات معها في المستقبل؟ وما تأثير هذه التطورات وغيرها على مستقبل العلاقات بين الدولتين، ومستقبل الأمن والاستقرار وشكل توازن القوى الإقليمي في الشرق الأوسط؟

إننا نجادل بأن إسرائيل هي أكثر الأطراف الإقليمية خسارة وتضرراً جراء نجاح الثورة المصرية، حيث بثت هذه الثورة الرعب في قلوب الإسرائيليين1. فعلاقات إسرائيل مع مصر منذ توقيع معاهدة (كامب ديفيد) كانت تعتبر حجر الأساس في الحفاظ على الأمن القومي الإسرائيلي، كونها مفتاح الحرب والسلام بينها وبين جيرانها2. وسقوط نظام (كامب ديفيد) سيبقي إسرائيل من دون حليف استراتيجي، بعد أن انهارت تحالفات إسرائيل السابقة مع كل من إيران وتركيا. ومن المتوقع ألا تظل السلطة الفلسطينية والمملكة الأردنية الهاشمية حليفتين لها في المستقبل. إن سقوط مبارك – يقول ألوف بن – يمثل خسارة كبيرة للاستراتيجية الأمنية الإسرائيلية، ويضع إسرائيل في ضائقة سيتوجب عليها الخروج منها والبدء في بناء سياسة بديلة في ظل بيئة إقليمية تتسم بالغموض الشديد3. 

إذا كانت الثورة المصرية هي مصدر التهديد الرئيسي لإسرائيل، فإن إسرائيل كذلك هي مكمن الخطر ومصدر التهديد الأساسي الذي يواجه مستقبل النظام الثوري المصري، الأمر الذي ينذر بعواقب وخيمة. فقد تندلع حرب مصرية – إسرائيلية جديدة نتيجة للشعور المتبادل بالتهديد والوقوع في شرك الحسابات والتصورات الخاطئة القائلة بسهولة استخدام القوة العسكرية لإزالة هذا التهديد واحتوائه وردعه قبل فوات الأوان.

لقد كانت إسرائيل من أول الأطراف الدولية والإقليمية الرافضة والمعادية لمطالب الشعب المصري المشروعة سعياً وراء الحرية والعدالة والكرامة، وكانت أيضاً (منفردة في ذلك) أول المحرضين على هذه الثورة والداعين لإجهاضها وسحقها وتشويه صورتها أمام العالم منذ الأيام الأولى. إذ إن من يراجع الكتابات الموجودة في الصحف الإسرائيلية ومراكز الدراسات الإسرائيلية والأمريكية الموالية لإسرائيل (يكفي فقط معهدا واشنطن WINEP وميمري MEMRI) يكتشف حجم الحقد والكراهية اللذين تكنهما إسرائيل للشعب المصري. فقد روجت إسرائيل منذ اليوم الأول للثورة المصرية لرؤية تقول إن ما يجري داخل مصر ما هو إلا محاولة من الأصوليين الإسلاميين للانقلاب على نظام (مبارك) وتأسيس نظام أصولي على غرار النظام الإيراني، وأن هذا النظام الجديد سيبادر إلى إغلاق قناة السويس أمام الملاحة الإسرائيلية، التي يمر عبرها ثلث حجم التجارة الإسرائيلية، وأن هذا النظام الأصولي سيشجع استنساخه في مختلف الدول العربية (وفق منطق نظرية الدومينو)، الأمر الذي يوجب على إسرائيل (ويبرر مساعيها) تقوية وزيادة قوتها العسكرية لردع هذا النظام عن التفكير في مهاجمتها مستقبلياً4.

على صعيد آخر، روجت إسرائيل لفكرة أن فقدانها للحليف المصري سوف يخلق حالة من عدم الاستقرار على حدودها الجنوبية، وهو ما من شأنه – من دون شك في رأيها – إحباط مساعيها السياسية الداعية للتخلي عن غزة5. وأخيراً، فإن سقوط نظام (مبارك) أفقد إسرائيل والولايات المتحدة نظاماً كان يساعدهما على احتواء حماس وإضعافها ويضمن بقاء السلطة الفلسطينية ضعيفة. وبالتالي، فإن وصول الإسلاميين إلى الحكم في مصر سيعني أن حماس ستكون قادرة على كسر العزلة التي فرضتها عليها إسرائيل ومصر تحت حكم (مبارك). ومن جانب آخر فإن نشر الجيش المصري بكثرة داخل المدن المصرية سيترك سيناء عارية وأقل حماية ومراقبة، مما سيسمح بتهريب الأسلحة والهجوم على إسرائيل عبرها6.  فقد ادعت إسرائيل بأن حالة من الفوضى ستسود في المنطقة بعد سقوط مبارك، وأن إيران ستقوم باستغلالها وتوجِد لنفسها موقع قدم في غزة، وكذلك احتمال أن تقوم حركة حماس بتهديد العمق الاستراتيجي الإسرائيلي عن طريق تسللها إلى شبه جزيرة سيناء وإقدامها على إطلاق الصواريخ على مدينة إيلات أو المستوطنات الجنوبية، حيث تدعي إسرائيل أن عدم قدرة الجيش المصري على السيطرة على سيناء سيعطي حماس ووكلاء إيران في المنطقة نافذة لاستغلال هذه المنطقة في الهجوم عليها7.

كما أن إسرائيل تخشى من أن تتحول مخاوفها إلى حقائق وسياسات واقعية، خاصة في ظل وجود حكومة مصرية حساسة للغاية (نتيجة طبيعة النظام الجديد وحدة الضغوط الداخلية) تجاه الأوضاع في فلسطين، تريد تخفيف معاناتهم، وهو ما قد يدفعها إلى رفع الحظر والتضييق الذي كان يفرضه عليها نظام مبارك، خاصة في ما يتعلق بحرية حركتها عبر سيناء. ومن جانب آخر الخشية من أن يعود الجيش المصري إلى التفكير في وضع التقييد الاستراتيجي (Strategic Restraint) الذي فرضته اتفاقية (كامب ديفيد) عليه في سيناء، خاصة أن الجيش المصري، وعلى عكس الجيوش العربية، يتمتع باحترام وتقدير العامة وثقتهم به مرتفعة للغاية، لدوره الكبير في مجالات التعمير والإنشاءات وإقامة المشروعات الوطنية، إلى جانب كونه لم يشتبك مع المدنيين أو ساهم في عدم الاستقرار في مصر، وهو ما سيضفي شرعية وقبولاً وتأييداً شعبياً جارفاً لمثل هذه التحركات، التي تعتبرها إسرائيل بمثابة تحركات عدائية8. إن مثل هذه اللحظة التاريخية الراهنة في المنطقة العربية ستُجبر إسرائيل على ضرورة مراجعة استراتيجيتها وسلوكها الخارجي تجاه جيرانها العرب، حيث يرى فيوري (Fiore) أن على إسرائيل أن تتوقع عودة محتملة لمصر العدائية، والاستعداد لمواجهة ذلك الاحتمال، ما يعني احتمال التورط في جولة جديدة من الصراع المسلح (الحرب) مع مصر، بعد هدنة طالت ما يقارب من الثلاثين عاماً9.

والغريب، أن هذه النوايا العدوانية (غير المبررة وغير المقبولة) ظهرت حتى قبل سقوط نظام مبارك، ما يدل على أن إسرائيل كانت قد حسمت أمرها وحددت نوعية علاقاتها المستقبلية تجاه مصر، التي لم تبد ثورتها الشعبية أي سلوك معاد أو كاره لها طوال ثمانية عشر يوماً هي فترة إسقاط نظام مبارك، وهو ما يجعل أمر توقع مستقبل العلاقات المصرية – الإسرائيلية أمراً يسيراً، لا يحتاج إلى تفكير عميق أو تنظير. إن عهد السلام المصري–الإسرائيلي قد ولى، ودخلت الدولتان حالياً في مرحلة الحرب (الباردة) وإن كانت قد أعلنت بصورة استباقية (كالمعتاد) من جانب إسرائيل، بينما مصر الثورة حتى الآن لم تُظِهر أي عداء لها. 

ففي الثاني من شهر فبراير 2011 نشرت صحيفة (يديعوت أحرنوت) نص خطاب وزير الحرب الإسرائيلي الذي قال فيه (إن مصر بعد الثورة لن تواصل سياسة مبارك تجاه إسرائيل وهو ما سيخلق واقعاً استراتيجياً جديداً). هذا الواقع الاستراتيجي الجديد يستدعي في رأيه (القيام باتخاذ بعض الخطوات على المدى القريب للحد من آثار وعواقب الثورة المصرية على دولة إسرائيل)10.  مثل: 

* الاستيلاء مجدداً على محور فيلادفيا الحدودي بين مصر وغزة.

* إعادة صياغة المذهب العسكري والقتالي الإسرائيلي القائم الآن على عدم اعتبار مصر عدواً.

* الإسراع في بناء الجدار العازل بين الحدود المصرية-الإسرائيلية.

* تقليل الاعتماد الإسرائيلي على الغاز المستورد من مصر.

* تقوية محور الاعتدال الوحيد المتبقي في المنطقة (إسرائيل والأردن والسلطة الفلسطينية)

* الإسراع في عقد اتفاق سلام مع الفلسطينيين.

واستطرد وزير الحرب بالقول إن إسرائيل إذا لم تقم باتخاذ مثل هذه الخطوات فإنها (ستجد نفسها محكومة بالعزلة الدولية في وضع إقليمي تحتاج فيه إلى أصدقائها أكثر من أي وقت مضى).

من وجهة نظر إسرائيل فإن الاستراتيجية الأفضل لاحتواء وتقييد حركة الثورة المصرية الوليدة هي ما أطلق عليه سكوت دوران (Scott Doran) باستراتيجية (التوريط) التي دأب على استخدامها الرئيس المصري الراحل جمال عبدالناصر، والتي تعني (توريط طرف ما لطرف آخر عن طريق نخزه أو تحفيزه على اتخاذ أفعال ضد طرف ثالث، من شأنها أن تعود عليه بالنفع)11، حيث يدعي (دوران) أن عبدالناصر كان سيد هذه الاستراتيجية. ففي منتصف خمسينات القرن الماضي قام عبدالناصر، ومن دون علم ملك الأردن الراحل الحسين بن طلال بأعمال فدائية داخل إسرائيل عن طريق الأراضي الأردنية. ولم يكن الغرض من هذه العمليات التوازن ضد إسرائيل بقدر ما كان محاولة منه لتوسيع نطاق الصراع بين الأردن وبريطانيا– ألد أعدائه في مرحلة ما قبل الجلاء – بصورة تدفع الملك حسين إلى طرد الإنجليز والارتماء في حضن مصر.

وفي الوقت الراهن، يُشبه (دوران) ما تقوم به إيران ضد إسرائيل بهذه الاستراتيجية، حيث يجادل – ككثيرين – بأن إيران تستغل وكلاءها وبيادقها المحليين للتورط في أفعال تعود عليها فقط بالنفع، وتورط الآخرين في صراعات وهمية. ويذكر (دوران) مثالاً على ذلك بخطاب الرئيس السوري بشار الأسد الشهير أمام القمة العربية في عام 2006 عندما وصف بعض الزعماء العرب  بـ (أنصاف الرجال) لعدم مساندتهم لحزب الله في حربه ضد إسرائيل. وحتى خلال حرب غزة 2008 عندما قامت وسائل الإعلام الموالية لإيران وسوريا بشن حملة شعواء للتقليل من شأن هذه الدول، وإثارة اللغط حول الدور المصري في الحرب، ووصفه بنظام (قتلة الأطفال والنساء) سعياً لتوريط مصر وشعبها في حرب مع إسرائيل، المستفيد الوحيد منها إيران12. 

وتخبرنا التجربة التاريخية بأن الدول المجاورة للدول الثورية عندما تسود نظرة أو إدراك النخبة السياسية فيها الشعور بالتهديد والخوف من نوايا وقدرات الدول الثورية، الساعية لتغيير أوضاع توازن القوى السائد قبل الثورة، فإن ذلك غالباً ما أدى إلى وقوع صراعات مسلحة بينهم. وبناء على هذا، فإن إسرائيل ستحاول القيام بتوجيه ضربة استباقية أو إجهاضية ضد مصر، أو تعمل على (توريطها) في صراعات ونزاعات داخلية أو خارجية تستنزف مواردها وتبعدها عن إسرائيل، التي ستحاول بكافة السبل إعادة تشكيل منظومة التحالفات والتكتلات الإقليمية لمواجهة التهديد الذي باتت تمثله لها مصر الثورة.

وطبقاً لتقرير (التوازن العسكري) الذي ينشره المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية (IISS) فإن توازن القوى بين مصر وإسرائيل متقارب لدرجة كبيرة، وإذا كان التفوق الإسرائيلي النوعي (الأدوات والعتاد) يقابله تفوق مصري كمي (الوزن الديموغرافي وعدد القوات) إلا أن التوازن كان يميل لصالح إسرائيل لسببين. الأول: امتلاكها للسلاح النووي. والآخر: هو وجود نظام سياسي مصري ضعيف يميل للمهادنة والالتحاق بركبها أكثر من التوازن ضدها. أما الآن، بعد الثورة، فإن بزوغ نظام ثوري جديد، نجح في إقامة نظام ديمقراطي حقيقي في الداخل، تُشكل حكوماته عن طريق الانتخاب الحر المباشر النزيه، وتعبر سياساته الخارجية عن إرادة الشعب المصري وآماله من دون مبالاة أو خضوع للإملاءات الأمريكية أو الغربية، ويعمل على إعادة بناء واستغلال كافة موارده الوطنية وتوظيفها في بناء قاعدة اقتصادية – صناعية – تكنولوجية قوية، سوف يجعل التوازن يبدأ في الميل لصالح مصر، وهو ما قد يدفعها إلى إعادة تشكيل منظومة التحالفات والترتيبات الأمنية، بل في معاهدة السلام مع إسرائيل، خاصة أن مدتها القانونية شارفت على الانتهاء، وتُظهر استطلاعات الرأي وجود رفض شعبي لتجديدها والاستمرار فيها.

هذا التحول في توازن القوى سيعني إعادة تشكيل العلاقات المصرية–الإسرائيلية، حيث ستراجع مصر سياساتها وسلوكها تجاه إسرائيل بصورة تعيد إليها سيادتها وحقوقها وكرامتها، خاصة في ما يتعلق بالشأن الفلسطيني، الذي يراه البعض من أهم أسباب تراجع القيادة المصرية الإقليمية13. لهذه المراجعة قد تشمل، كما يقول ماجد كيالي، إعادة النظر في البنود المجحفة بحق مصر في اتفاقية (كامب ديفيد) على الصعيدين الأمني والاقتصادي، وحقها في وجود قوات عسكرية ثقيلة في سيناء وهو ما تمنعه بنود الاتفاقية، التي تنص على بقاء الجزء الأكبر منها منزوع السلاح، وإعادة النظر في ملف تصدير الغاز بأبخس الأسعار، وحق استعمال إسرائيل لقناة السويس للأغراض العسكرية، ومسار التطبيع بينهما (رغم الرفض الشعبي المصري الجارف) ومسألة سيادة مصر على حدودها مع فلسطين (قطاع غزة) وتقويض سياسة إسرائيل الداعية لفرض الحصار على الشعب الفلسطيني14. أما على المستوى الإقليمي، فمن المتوقع أن يسترجع النظام الإقليمي العربي عافيته بعد التغيير الذي حدث في مصر،  وربما سوريا، وسيكون أكثر قدرة على تحجيم مكانة إسرائيل في المنطقة.

إن إسرائيل ترى أن مثل هذه الخطوات من جانب مصر قد تُضيع إنجازات ثلاثة عقود من السلام والاستقرار، جنت خلالها مصر مكاسب غير معدودة، حيث يدعي البعض بأن معاهدة السلام المصرية–الإسرائيلية قد عادت بالفائدة العظيمة على الشعب المصري من عدة نواح15:

* عودة سيناء لمصر من دون حرب بعدما فقدت ما يقارب عشرة آلاف جندي في حرب أكتوبر.

* تدفق المساعدات الخارجية الأمريكية إلى مصر، والتي بلغت حوالي 70 مليار دولار منذ 1979.

* زيادة عائدات الطاقة نتيجة تصدير الغاز الطبيعي لإسرائيل.

* تشجيع التجارة الحرة مع الغرب وإسرائيل بفضل اتفاقية الكويز– المناطق الصناعية المؤهلة.

* التوسط في السلام بين إسرائيل وجيرانها العرب.

* تقليل نسبة الإنفاق العسكري المصري من إجمالي الناتج القومي المصري من حوالي 20 في المائة في عام 1979 إلى حوالي 2 في المائة عام 2009، ما يعني إعادة توزيع هذه الأموال وإنفاقها في مجالات التنمية الاقتصادية والاجتماعية التي أدت إلى تحسين مستوى معيشة الشعب المصري.

لقد أثبتت الثورة المصرية أن السلام المصري– الإسرائيلي كان سراباً، كونه كان قائماً بالأساس على افتراض بقاء نظام (مبارك) الراغب في السلام، ولو رغماً عن الشعب المصري وإرادته. هذه الخطيئة التي راهنت عليها إسرائيل أثبتت كذلك أنه لا يمكن لأية دولة أن تقيم سلاماً مع دولة أخرى من دون وجود رغبة صادقة من الشعب وسعيه لتحقيق السلام والديمقراطية مع أعداء الأمس، حيث يؤكد لنا التاريخ أن السلام لا يكون مع الحكومات، لكنه يجب أن يكون مع وبين الشعوب وبعضها بعضاً، ولا يتم تحصينه باتفاقيات وترتيبات أمنية من دون أن يكون محاطاً بالقبول والتأييد الشعبي. فالاتفاقيات وحدها لا تضمن الاستقرار، الأمر الذي قد يفسر سلوك الحكومة الإسرائيلية المتخبط وردة فعلها المبالغ فيه للغاية وحزنها على سقوط وانهيار نظام (مبارك)16. 

وتعتبر إسرائيل وجود نظام مدني– ليبرالي متوافق مع الغرب في مصر بعد الثورة بمثابة خطر شديد على مصالحها ومكانتها في المنطقة وعلى علاقاتها مع الدول الغربية، حيث جادل (يوآف برومر) منذ سنوات بأنه (كلما انتشرت الديمقراطية في الشرق الأوسط، مثل ذلك خطراً على إسرائيل).

وهو ما يفسر ميل إسرائيل الشديد إلى عقد اتفاقيات سلام مع نظم غير ديمقراطية، والحفاظ عليها في ظل هذه العلاقة. لقد أكدت الثورة المصرية أن هناك علاقة عكسية بين انتشار الديمقراطية واحتمال تحسن العلاقات مع إسرائيل، التي روجت منذ فترة طويلة، على لسان مسيلمة الإسرائيلي شمعون بيريز في كتابه (الشرق الأوسط الجديد) وبنيامين نتنياهو في كتابه (مكان تحت الشمس)، لفكرة مثلث السلام والرخاء والتنمية والقائلة بأن السلام بين العرب وإسرائيل سوف يحفز ويدفع بعجلة التنمية الاقتصادية والتحول الاجتماعي في المنطقة للأمام، وذلك عن طريق التعاون بين الفكر الإسرائيلي ورأس المال الخليجي (الذي باتت إسرائيل تعتبره حليفاً تكتيكياً17) والأيدي العاملة المصرية. ووفقاً لهذا المنطق فإن الرخاء الاقتصادي سيزيد الطلب من جانب شعوب المنطقة على الديمقراطية18.     

من جانب آخر، فإن إسرائيل تخشى من أن تفقد تفردها باعتبارها (الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط) بعد بزوغ الديمقراطيات العربية الجديدة، بما قد يُفقدها التأييد والدعم الغربي ويُقيد حرية حركتها في المستقبل، حيث يجادل (شادي حميد) بأن الديمقراطيات العربية سوف تقيد الحركة الإسرائيلية، كونها حكومات تعبر عن الشعور الجماهيري، الذي هو معاد بصورة كبيرة لإسرائيل (وليس لليهود) وللهيمنة الأمريكية على المنطقة بشكل عام. وعلى ذلك، فمن المحتمل أن يُقلع النظام الثوري المصري الجديد عن سياسات الاستجداء والارتهان للمطالب الإسرائيلية – الأمريكية، وأن يتخذ سياسة خارجية حازمة للجم عنجهية إسرائيل وتعنتها إزاء الفلسطينيين وغيرهم من الشعوب العربية. ففي حالة وقوع صراع بين العرب وإسرائيل أو اندلاع حرب أخرى (في غزة أو لبنان أو غيرهما) فإن الحكومات العربية–علمانية كانت أو إسلامية–ستكون تحت ضغط كبير يحثها على اتخاذ قرارات وأفعال حادة للدفاع عن حقوق الفلسطينيين، حيث يؤكد البعض أن الضغوط الداعية للتورط في الحروب والصراعات في النظم حديثة التحول للديمقراطية يصعب جداً مقاومتها أو التعامل معها19.

الطريق إلى القدس يمر عبر القاهرة  

منذ نجاح الثورة المصرية بدا جلياً أن إسرائيل تعيش في حالة رهيبة من عدم التيقن والشك والخوف، فهناك خوف شديد في الداخل من أن تتحول مصر إلى نظام إسلامي، يتحكم فيه الإخوان المسلمون، ويشيدون نظاماً إيرانياً على بعد أقل من 200 كيلو متر جنوب حدود إسرائيل، ومسلحاً حتى أخمص قدميه بأسلحة أمريكية حديثة ومتطورة20. فمصر بعد مبارك – تجادل إسرائيل – ستنضم إلى محور الممانعة والمقاومة، الذي سيكتسب سلاحاً جديداً ورهيباً، ألا وهو (الجماهير العربية) التي تشعر الآن بحريتها أكثر من أي وقت مضى، وبدأت في تنظيم نفسها لصالح تحقيق أهدافها الوطنية، البعيدة تماماً عما كان يريده (مبارك) وإسرائيل. 

إن عودة إسرائيل لانتهاج سياسات عنيفة ضد الشعب الفلسطيني ستساهم من دون شك في انفجار الشارع العربي بالمظاهرات المعادية لها، ليس فقط في مصر ولكن في أغلب الدول العربية، لكنها في مصر ستكون مرتبطة بحليف أساسي لهذا المحور وهو جماعة (الإخوان المسلمون) وما شابهها من التيارات الإسلامية، التي ستتخذ من السياسة الإسرائيلية ذريعة لتنظيم العامة ولمعاداة إسرائيل21، حيث سيساهم القرب الجغرافي بين مصر وإسرائيل في تجييش مشاعر المصريين وتعاطفهم مع إخوانهم الفلسطينيين، إذ لاحظ أحد الباحثين أنه كلما كانت المسافة والقرب الجغرافي بين الإسلاميين وإسرائيل، كان ذلك عاملاً في تصعيد العداء معها، كما هو الحال في مصر والأردن، حيث تحتل إسرائيل مرتبة متقدمة في أجندات الإسلاميين، بينما في بلاد بعيدة عن مناطق الصراع – كدول المغرب العربي ودول الخليج العربية– فإن موضوع القضية الفلسطينية جاء في مرتبة متأخرة على سلم أولوياتهم22.

إن مثل هذه التحولات الجذرية ستجعل إسرائيل أكثر حرصاً على ترميم الصدع مع حلفائها وتقليل حجم خلافاتها معهم، وعلى رأس هؤلاء الحلفاء تركيا، التي ستعمل إسرائيل بكل جهد على إعادة ترميم علاقاتها معها، حتى في ظل استمرار حكم الإسلاميين في أنقرة، حيث ستعمل إسرائيل على إبعاد تركيا (الإسلامية) عن إيران (الراديكالية) ومصر(الثورية) وهو الوضع الذي إن حدث فإنه سيكون بداية النهاية لدولة إسرائيل ولعصر الهيمنة الغربية على هذه المنطقة الممتدة منذ أن وضع نابليون قدميه على شواطئ الأسكندرية في 1798. خاصة أن هذه التحولات أثبتت لإسرائيل أنه لا يمكنها الاعتماد على مساندة ووقوف الولايات المتحدة أو أوروبا إلى جوارها طوال الوقت، حيث كان الموقف الأمريكي– الأوروبي من هذه الثورات أقرب للعجز وأكثر ميلاً للتجاوب معها ومساندة الشعوب في مقابل التخلي عن حلفائها. إن السلوك الذي اتخذته إدارة الرئيس أوباما مع (حسني مبارك) يؤكد مخاوف إسرائيل من أن الولايات المتحدة قد تضحي بها لو تعارضت مصالحها مع مصالح الدولة العبرية23. وأن إسرائيل باتت تعيش في (غيتو) فرضته عليها الثورات العربية، بعدما ظلت تتمنى ذلك، إلا أنها هذه المرة مرغمة على المكوث فيه رغماً عنها. وهنا مكمن الخطر، فمهما كانت نوعية النظام المصري فإن إسرائيل ستظل تنظر إليه النظرة نفسها، فصراعاتها مع مصر لن تنتهي مادامت تحكمها عقدها النفسية المتأصلة في الشخصية الإسرائيلية ذاتها بخصوص المصريين. كما أن إسرائيل تحكمها عقدتان متناقضتان. الأولى عقدة أنها منبوذة ومكروهة لذاتها، كونها شعب الله المختار. والثانية عقدة شمشون أو (الماسادا) التي تعني (الانتحار/القتل الجماعي وقت الخطر). فعندما ستشعر إسرائيل بأن نهايتها قد شارفت، فإنها لن تتردد في هدم المعبد على رؤوس الجميع. 

إن (الثورة) التي قام بها الشعب المصري في يناير 2011، التغيير الجذري التي أحدثته–وستحدثه– في البنية السياسية والاجتماعية، والشخصية المصرية من جانب، وبالتضافر مع الهبات الجغرافية والطبيعية والاستراتيجية التي منحها إياها الله، سوف تساهم في تحويل مصر من (رجل الشرق الأوسط المريض) كما كانت تلقب خلال العقود الثلاثة الأخيرة من القرن العشرين، إلى أن تصبح (الأمة التي لا غنى عنها) في منطقة الشرق الأوسط خلال أقل من عقد من الزمن. ومن جانب آخر أكدت قوة الشعوب العربية، التي خرجت من القمقم لكافة الأطراف الإقليمية والدولية أن مارداً جديداً ظهر على الساحة، سيحاول بكافة السبل استعادة كرامته وحقوقه المسلوبة وأيضاً استعادة مكانته ودوره في المنطقة، وأنه لن يتساهل مع من يحاول الوقوف في وجهه لتحقيق مآربه، كما ذكر توماس فريدمان. إن الثورة المصرية سوف تجبر– على سبيل المثال– إسرائيل على مراجعة استراتيجيتها وطريقة تعاملها مع الفلسطينيين وفي دبلوماسيتها الإقليمية وطريقة إدارة الصراع العربي–الإسرائيلي. فمصر لن تقبل بحصر البدائل المقترحة لحل هذا الصراع (وليس إدارته أو تسويته) في طريق المفاوضات وحده. والسلام لن يظل الخيار الاستراتيجي الوحيد للعرب (كما دأب مبارك على التصريح طوال عشرين عاماً) وإنما ستكون هناك خيارات (استراتيجية) متعددة (متاحة وممكنة)، الأمر الذي سيزيد من عزلة إسرائيل ويقلل من شعورها بالأمن، كونها لم تعتاد على الحياة بهذه الطريقة. إن وجود مصر قوية ولا غني عنها للعرب سيعني تحرير الأراضي العربية المحتلة، وعلى رأسها فلسطين. 

إن نجاح مصر في تعبئة واستغلال مواردها الطبيعية والبشرية والمادية، واستعاداتها لعافيتها الاقتصادية، وإعادة ترميم مكانتها الثقافية والفكرية والأدبية والفنية (كهوليوود للشرق) وتحديثها لجيشها الوطني وتسليحه بأحدث المعدات والأنظمة الدفاعية (والهجومية) وبناء قاعدة صناعية–تكنولوجية–عسكرية، وقبل كل ذلك بناء نهضة علمية حديثة (نظرية وتطبيقية) ستحولها لأن تكون ليس فقط الأمة التي لا غنى عنها في العالم العربي، وإنما أن تكون (أهم بلد في الدنيا) على حد قول نابليون. إذ إن تحقيق ذلك ليس مستحيلاً أو ضرباً من ضروب الخيال. فالمستحيل قد حدث بالفعل في ميدان التحرير، يوم أسقط المصريون الفرعون الأخير. والقبلة الآن صوب القدس.     

الهوامش:

1-

Massimiliano Fiore: “How Israel Can Turn the Unrest in the Middle East into an Opportunity for Peacemaking”. Instituto Affari Internazionali, IAI Working Papers # 1105, (March 2011), p. 2.

2-

Michael Herzog: “Israel’s Strategic Concerns over Upheaval in Egypt”. The Washington Institute for Near East Policy, PolicyWatch # 1762 (February 23, 2011), p. 1.

وللوقوف على التطورات في العلاقات المصرية – الإسرائيلية منذ كامب ديفيد انظر:

Kenneth Stein: “Egyptian–Israeli Relations”. Middle East Review of International Affairs, Vol. 1, No. 3 (September 1997), pp. 1-11. Kenneth Stein: “Continuity and Change in Egyptian–Israeli Relations 1973-1997”. Israel Affairs, Vol. 3, No. 3 & 4 (Spring/Summer 1997), pp. 296-320.

3- مـــاجد كيــالي: (التغيير السياسي في مصر وأثره ...). مرجع سابق: ص ـ. 95-96. جاد: . عمــاد جــــاد: (إسـرائيـل والثـورة المصـريـة). مجلة شؤون عربية، العدد 145 (ربيع 2011). ص ـ. 93.

4- جاد: المرجع السابق: ص ـ. 86.

5-

Massimiliano Fiore: “How Israel Can Turn the Unrest …”, op, cit, p. 9.

6-

Fakhro and Hokayem: “Waking the Arabs”, op, cit. Inbar: “Regional Ramifications …”, op, cit, p. 2.

7-

Massimiliano Fiore: “How Israel Can Turn the Unrest …”, op, cit, p. 4. Ehud Yaari: “The Arab Revolutions: An Israeli Perspective”. The Washington Institute for Near East Policy, PolicyWatch # 1778 (March 15, 2011), p. 4.

8-

Lisa Anderson: “Demystifying the Arab Spring: Parsing the Differences between Tunisia, Egypt, and Libya”. Foreign Affairs, Vol. 90, No. 3 (May/June 2011), pp. 2-7.

وللمزيد عن دور الجيش المصري في الحياة العامة ونظرة الشعب المصري له يرجى مراجعة:

Ibrahim Karawan: “Politics and the Army in Egypt”. Survival, Vol. 53, No. 2, (April-May 2011), pp.                 43-50. Robert Satloff: “Army and Politics in Mubarak’s Egypt”. (Washington D. C.: The Washington Institute for Near East Policy, 1988). Hillel Frisch: “Guns and Butter in the Egyptian Army”. Middle East Review of International Affairs, Vol. 5, No. 2 (Summer 2001), pp. 1-12.

9-

Massimiliano Fiore: “How Israel Can Turn the Unrest …”, op, cit, p. 4. Frank Gaffney Jr.: “The Muslim Brotherhood is the enemy”. Washington Times, January 31, 2011.

10-  مـــاجد كيــالي: (التغيير السياسي في مصر وأثره ...). مرجع سابق: ص ـ. 97.  

11-

Scott Doran: “The Heirs of Nasser …”, op, cit, p. 20.

12-

op, cit, p. 21.

13-

Maria Celeste Baranda: “Post-Mubarak Egypt …”, op, cit.

14-  مـــاجد كيــالي: (التغيير السياسي في مصر ...). مرجع سابق: ص . 97. 

15-

David Makovsky: “Reviewing Egypt’s Gains from Its Peace Treaty with Israel”. The Washington Institute for Near East Policy, PolicyWatch # 1772 (March 7, 2011), pp. 1-2.

16-

Jonathan Rynhold: “US Policy Regarding the Upheaval in Egypt: Endangering the Strategic Foundation of Regional Stability”. The Begin-Sadat Center for Strategic Studies, BESA Center Perspective Paper No. 128 (February 7, 2011). Herzog: “Israel’s Strategic Concerns over Upheaval …”, op, cit, p. 3.

17-

Yoel Guzansky: “Tacit Allies: Israel and the Arab Gulf States”. Israel Journal of Foreign Affairs, Vo. 5,   No. 1 (January 2011), pp. 8-17.

18-  عماد جاد: مرجع سابق. ص. 85-86. ولنقد هذه الأطروحات انظر: أحمد محمد أبوزيد: (بنيامين نتنياهو: مكان تحت الشمس). الكتب: وجهات نظر، السنة الحادية عشر، العدد 126 (يوليو 2009).  ص 8-15.

19-

Shadi Hamid: “The Rise of Islamists …”, op, cit, p. 45.

وللمزيد من التفاصيل عن العلاقة بين الدول حديثة التحول الديمقراطي والنزوع نحو التورط في الصراعات والحروب انظر:  

Jack Snyder: “From Voting to Violence: Democratization and Nationalist Conflict”. (New York: W.W. Norton, 2000). Edward Mansfield and Jack Snyder: “Electing to Fight: Why Emerging Democracies go to War”. (Cambridge; MA: MIT Press, 2005).

20-

Massimiliano Fiore: “How Israel Can Turn the Unrest …”, op, cit, p. 2.

21-

Scott Doran: “The Heirs of Nasser …”, op, cit, p. 20. See also Jonathan Paris: “Confronting the New Nasser in Iran”. Studies, BESA Center Perspective Paper, No. 18 (June 19, 2006). Leon Hadar: “Burying Pan-Arabism”. The National Interest, March 4, 2011. Available at:  http://nationalinterest.org/commentary/burying-pan-arabism-4956

22-

Shadi Hamid: “The Rise of Islamists …”, op, cit, pp. 41-42.

23-

Michael Herzog: “Israel’s Strategic Concerns …”, op, cit. Efraim Inbar: “Turkey’s Changing Foreign Policy and its International Ramifications”. The Begin-Sadat Center for Strategic Studies, BESA Center Perspective Paper, No. 132 (February 27, 2011

كلمات دليلية

الشركات المعلنة