;
الصفحة السابقة

البعد الغائب في تطوير البحث العلمي

انشأ بتاريخ: الثلاثاء، 01 تشرين2/نوفمبر 2011

إن كافة التحديات الكبرى التي واجهت المجتمعات العربية على امتداد خمسة قرون ماضية في تاريخ العالم العربي، كانت تحديات علمية تقنية وفشل العرب في الاستجابة المناسبة لها أو بالأحرى لم يكترث العرب لها، حيث كان العالم منشغلاً بالتطورات التقنية وكان العرب مشغولين بصراعات الماضي، يشرح أنطوان زحلان في كتابه (العرب والتقانة) هذه القضية ويذكر ثلاثة تحديات.

التحدي الأول: دخول الأسطول البرتغالي الخليج 1498

كان هذا أول تحد تقني، يواجه العرب في نهاية القرن الخامس عشر، إذ استطاعت الدول الأوروبية تطوير نوع جديد من السفن عابرة للقارات وحاملة للمدافع، ولم يكن المحيط الهندي كله يعرف هذا النوع من السفن الحاملات للمدافع، وكان الخليج من أهم مناطق التجارة العالمية، وبفضل هذه التقنية استطاعت (البرتغال) وهي دولة صغيرة (مليون نسمة) وبخمس سفن فقط، السيطرة على سواحل الخليج، لتتحكم في التجارة العربية ولتكبد العرب خسائر فادحة، ثم دخل الهولنديون فالبريطانيون من بعدهم وبالسفن نفسها، لقد كانت التجارة العربية في ذلك الوقت تقوم على أفراد يرحلون إلى جنوب شرق آسيا فيشترون البهارات ويعودون بها إلى البصرة للتجارة، ولكن الشركات الأوروبية وبما لديها من أساطيل بحرية متطورة استطاعت السيطرة على السوق إذ كانت تذهب إلى تلك الموانئ والجزر الآسيوية وتشتري كل منتجاتها وتحتكر إنتاجها، وهكذا في خلال خمسين سنة فقط، أصبحت الأسواق العربية في حلب والقاهرة تشتري البضائع الآسيوية من التجار الأوروبيين، وأدى ذلك إلى انهيار الاقتصاد العربي وتفكك المنطقة بين المدن الداخلية والموانئ لأن الناس يتفاعلون اقتصادياً، فإذا كنا لا نتبادل شيئاً فلن تنشأ روابط حضارية، وهكذا تحولت كافة وسائل النقل إلى الموانئ وبدأ تطوير المدن الساحلية على حساب المدن العربية في الداخل.

لا يمكن إنكار الجهود الخليجية الكبيرة في تشجيع البحث العلمي لكنها ليست كافية 

التحدي الثاني: إنتاج البُنْ

كان العرب يحتكرون أسواق العالم، وكانت لتجارة البن أهمية كبيرة في توثيق العلاقات البينية في المنطقة، فقد كان نصف مدخول مصر من العملة الصعبة في القرن السابع عشر من شراء وبيع نصف إنتاج البن اليمني، وكان التجار الأوروبيون أخدوا بذور البن اليمني واستطاعوا بفضل التقنية العلمية تطوير زراعة البن، وهكذا وخلال 100 سنة صار البن يستورد من البرازيل ويباع في الأسواق العربية بينما عان اليمن وهو مهد البن اليمني من انخفاض سعر البن ومن نقص إنتاجه، وكان من نتائجه التأثير في العلاقات المصرية – اليمنية، ووصل الحال وبحسب تقارير منظمة الفاو (FAO) إلى حاجة اليمن إلى مساعدة دولية لتعليم اليمنيين الطرق العلمية لزراعة البن.

التحدي الثالث: التطور في وسائل النقل البحري

لقد كان من أهم أسس الاقتصاد العربي بعد الفتوحات الإسلامية والذي حقق ازدهاراً اقتصادياً في المنطقة، أن العرب نجحوا في إدخال شبكة مواصلات عالمية من المغرب إلى أواسط آسيا عبر (الجمل العربي)، حيث كانت الجمال والقوافل التجارية صناعة عربية متطورة، وكانت دورة الاقتصاد في البلاد العربية تقوم على كافة الصناعات والحرف المتعلقة بالجمال، نقلاً وإيجاراً وتملكاً وتربية إلخ، وكان العرب متحكمين في هذه الشبكة العالمية، لكن الأوروبيين استطاعوا تطوير وسائل النقل البحري فانتقلت التجارة إلى الموانئ، وهكذا خسر العرب سيادتهم على الطرق الجارية.

البحث العلمي في المجتمعات المتقدمة هو ركيزة التقدم والتطور والإنتاج

هذه التحديات العلمية التاريخية الثلاثة، نماذج لما يفعله عجز مجتمعاتنا عن الاستجابة الحضارية الفاعلة لمدى أهمية البحث العلمي والتقني في تقدم وتطوير مجتمعاتنا منذ أن طرح مفكرو النهضة وروادها الأول سؤالهم النهضوي الكبير: لماذا تقدم الآخرون وتخلفنا؟ لكن الحاصل على مستوى المجتمعات العربية عامة أن العرب غير جادين في ميادين البحث العلمي، وما زالوا يعيشون أوهام الماضي المجيد ويحلمون بعودة الخلافة، ويعتقدون أنهم مازالوا خير أمة، لكن العالم يتآمر عليهم بهدف تعويق نهضتهم وعرقلة وحدتهم وإجهاض تقدمهم العلمي، لماذا؟ لأن العالم كله يخشى قوة العرب إذا اتحدوا ونهضوا! وما دامت هذه الأوهام هي الحاكمة للعقلية الجمعية العربية فلا يبدو أن هناك ضوءاً في نهاية النفق المظلم.



فالتحدي العلمي يتطلب مناخاً مجتمعياً مؤاتياً لا تضطر فيه عقول عربية مبدعة للهجرة إلى الخارج حيث الكرامة الإنسانية والأمان والعدل والحرية، حيث تتوافر الشروط الضرورية للإبداع والكشف والابتكار، وللمفارقة المؤلمة أن عندنا كثرة من الأدمغة العربية النابغة من خريجي جامعاتنا، لكن المعضلة تكمن في البيئة المجتمعية الطاردة وضيق مناخ الحريات الفكرية المعوقة للإبداع، وحجم التمويل المرصود للإنفاق على البحث العلمي، لذلك لا يمكن لمجتمعاتنا العربية – عامة – والخليجية – خاصة – أن تحقق الازدهار العلمي المنشود إلا إذا وجد علماؤنا ومبدعونا الملاذ الآمن، والمناخ الحاضن، والبيئة الحريصة على توفير الاستقلال الفكري والحرية العلمية لأبنائها، لا يمكن توطين العلم والتكنولوجيا في المجتمع الخليجي إلا إذا وعينا أهمية البحث العلمي – حقيقة لا شعاراً – لا أنكر الجهود الخليجية الكبيرة في مختلف دول مجلس التعاون في تشجيع البحث العلمي ورصد الجوائز السخية للمبدعين، كما لا أنكر التمويل الضخم المرصود للبحوث العلمية، فدولة الكويت مثلاً خصصت نسبة من إنتاج البترول للبحث العلمي، ودولة قطر لها جهود متميزة ومشهودة في استقطاب العلماء وتعزيز البحث العلمي وتنظيم العديد من المؤتمرات الدولية عبر (مؤسسة قطر للتربية والعلوم وتنمية المجتمع) بهدف توطين وتوظيف الإنتاج العلمي للأدمغة المهاجرة، والتي طرحت مبادرة غير مسبوقة من قبل، إذ أوجدت (وقفية) نوعية تشكل آلية تضمن تمويلاً مستمراً للبحث العلمي، كما أن الساحة القطرية تشهد هذه الأيام اختتام برنامج (نجوم العلوم) المرحلة الثانية من تصفيات استكمال الفريق المكون من 32 مبدعاً ومخترعاً عربياً وصولاً إلى نجم البرنامج في موسمه الثالث، كما أعلن المجلس الأعلى للتعليم عن فتح الباب للترشح لجوائز التميز العلمي بالنسبة للمدارس وللمعلمين، وما هو حاصل في قطر يحصل مثله في دولة الإمارات والمملكة العربية السعودية وبقية دول مجلس التعاون، ولا أبخس هذه الجهود لكني أراها غير كافية، فالقضية في تصوري ليست قضية تمويل وإنفاق (علماً بأننا نردد كثيراً بأن الدول العربية تخصص ما نسبته واحد في المائة من ميزانيتها للبحث العلمي بينما الدول الغربية بل إسرائيل تخصص3 في المائة من الناتج القومي كذريعة وحجة لتفسير ضعف البحث العلمي عندنا). في تصوري أن هذا الكلام غير صحيح على إطلاقه، فالقضية ليست مادية، بل أعمق وأعقد بكثير، فالبحث العلمي في المجتمعات المتقدمة هو ركيزة التقدم والتطور والإنتاج لأن تلك المجتمعات تؤمن إيماناً حقيقياً بأهمية ودور البحث العملي وتراهن عليه في السباق المستقبلي، لكن مجتمعاتنا العربية عامة والخليجية أيضاً لا تؤمن بأهمية البحث العلمي وذلك لأربعة عوامل معوقة:

العامل الأول:

إن المجتمعات العربية إذا نظرنا إليها من منظور نمط الإنتاج الحاكم لمعيشة المجتمع فإنها تنقسم إلى مجتمعات ريعية يأتيها رزقها من السماء رغداً، فلم العناء والشقاء في ميادين البحث العلمي ودروبها المضنية؟ وإما مجتمعات عربية تعيش على المساعدات والقروض والمنح والديون، وهذه مجتمعات اعتادت على امتداد نصف قرن -منذ أن نكبت بثورات بددت الأخضر واليابس – على العيش بأسلوب المعونات والقروض ولا يبدو في الأفق القريب ما يبشر بحدوث تغيير في هذا الأسلوب.

العامل الثاني:

البحث العلمي يتطلب مجتمعاً حراً شفافاً لا يقيد حرية الباحث بسلسلة من الممنوعات والتابوهات المحرقة، وفي مجتمعاتنا المحكومة بسلسلة من المحرمات يتعذر على الباحث التطرق إلى أمور تثير حساسية الرأي العام علمياً أو اجتماعياً أو دينياً، فالقضية عندنا ليست في عدم وجود البحوث، هناك في مصر وحدها في المراكز القومية المتخصصة آلاف البحوث، لكن ما أقل جدواها.

العامل الثالث:

مجتمعاتنا وبخاصة الخليجية، مجتمعات تواكلية، ترفض التغيير وتتشبث بالمألوف والسائد وتكره الخروج عليهما، ونجاح البحوث العلمية يعتمد أساساً على إشاعة المنهج النقدي في المجتمع بدءاً من الأسرة مروراً بالتعليم ووصولاً إلى المنظمات المدنية والسياسية في المجتمع، لكن مجتمعاتنا تخشى (المنهج النقدي) خوفاً على الثوابت أن تتزلزل.

العامل الرابع:

وأخيراً هناك معوق ثقافي يساهم في إضعاف الثقافة العلمية لدى الرأي العام، وهو شيوع العقلية الخرافية التي تنظر إلى الظواهر الطبيعية والاجتماعية وغيرها بمعزل عن أسبابها العلمية والمنطقية، وهي تلك العقلية التي تفسر الكوارث الطبيعية والمآسي المجتمعية والتدهور الاقتصادي وغير ذلك من الظواهر التي تشقى المجتمعات بها وتعاني من ويلاتها بأن كل ذلك عقوبات إلهية بسبب انتشار المعاصي وعدم التمسك بالدين، والمشكلة أن الخطاب الديني السائد في المجتمعات العربية والخليجية على الخصوص وعبر منابر الجمعة والمواقع الإلكترونية يغذي باستمرار هذه العقلية الخرافية المعوقة لأي تقدم علمي أو حضاري.

كلمات دليلية
86 عبدالحميد الأنصاري