;
الصفحة السابقة

تركيا بين (تصفير الأزمات) والخيارات الضيقة

انشأ بتاريخ: الثلاثاء، 01 تشرين2/نوفمبر 2011

أصبحت تركيا قاسماً مشتركاً في معظم الملفات الإقليمية إن لم يكن مجملها. فإلى جانب دورها المهم في الأزمة السورية الحالية سواء لجهة محاولاتها الضغط على نظام الرئيس السوري بشار الأسد لإنهاء تعامله الأمني الوحشي مع المحتجين والبدء في تدشين خطوات إصلاحية حقيقية، أو لجهة تعاطيها المباشر مع قوى المعارضة السورية سعياً وراء دور ونفوذ، ربما يكون غير مضمون، في حالة دخول الأسد قائمة (الرؤساء العرب السابقين).

شاركت تركيا (لوجستياً) في عمليات حلف الأطلسي ضد نظام العقيد الليبي معمر القذافي بعد فترة تردد ورفض وجيزة. واجتهدت من أجل ضمان موطئ قدم لها في عملية إعادة ترتيب التوازنات الإقليمية في الشرق الأوسط على خلفية الموجات الثورية التي تجتاح المنطقة في الفترة الحالية، من خلال الترويج لـ (نموذجها السياسي) باعتباره أكثر الأنظمة ملاءمة للدول العربية، وبدا ذلك جلياً في الجولة التي قام بها رئيس وزرائها رجب طيب أردوغان إلى الدول الثلاث التي أسقطت الثورات أنظمتها السياسية وهي مصر وتونس وليبيا.

وقبل اندلاع الموجات الثورية التي تجتاح الدول العربية في الوقت الحالي، فتحت أنقرة قنوات تواصل مباشرة مع منظمات المقاومة الفلسطينية وعلى رأسها حركة (حماس)، كما حاولت التوسط لتسوية أزمة الملف النووي بين إيران والغرب، وبذلت جهوداً حثيثة لضمان موطئ قدم في الترتيبات السياسية في العراق، وسعت لدى الأطراف اللبنانية المختلفة إلى تقليص حدة التوتر السياسي.

نجاح أنقرة في لعب دور بارز في الملفات الإقليمية الأكثر سخونة في المنطقة، مبعثه انتهاجها ما يسمى دبلوماسية (الأحلاف المفتوحة) و(السقوف الاستراتيجية اللينة) و(الأبواب غير الموصدة) التي استطاعت من خلالها التواصل مع كل الأطراف في المنطقة وتجاوز حالة الاستقطاب الإقليمي بين ما يسمى (محور الاعتدال) و(محور الممانعة). ففي الوقت الذي احتفظت فيه بعلاقات استراتيجية مع إسرائيل منذ عام 1949 الذي اعترفت فيه تركيا، كأول دولة إسلامية، بالدولة العبرية، نجحت في تأسيس شراكة قوية مع كل من إيران وسوريا ألد أعداء تل أبيب الإقليميين، بل إن هذا التحالف الاستراتيجي، الذي كان (تأشيرة الدخول) التي مكنت أنقرة من تأسيس علاقات مميزة مع الغرب وعلى رأسه الولايات المتحدة الأمريكية، لم يمنعها من استضافة وفد من حركة المقاومة الإسلامية (حماس) في عام 2006.

علاقات تركيا  القوية مع إيران لم تحل دون سعيها إلى لعب دور الوسيط بين إسرائيل وسوريا في 2008

وفي المقابل، فإن علاقاتها القوية مع إيران لم تحل دون سعيها إلى لعب دور الوسيط بين إسرائيل وسوريا في عام 2008، للتوصل إلى اتفاقية سلام، تستعيد بمقتضاها دمشق هضبة الجولان مقابل تنازلات عديدة لاسيما في ما يتعلق بفك تحالفها مع إيران وحلفائها الإقليميين مثل (حزب الله) اللبناني وحركة (حماس) الفلسطينية.

مأزق الخيارات الضيقة

هذا التطور المهم في الدور الإقليمي التركي كان يهدف، في قسم منه، إلى تدعيم محاولات تحقيق الهدف الأهم بالنسبة لأنقرة وهو الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، من خلال توجيه رسالة إلى الأوروبيين والغرب عموماً بأن تركيا يمكن أن تستخدم إمكاناتها المتعددة وموقعها الاستراتيجي المهم للعب دور (همزة الوصل) بين الغرب والشرق الأوسط، والمساهمة في تحقيق الأمن والاستقرار في هذه المنطقة، وهي القضية التي تحظى بأهمية خاصة بالنسبة للأوروبيين، فضلاً عن تقوية دعائم الشراكة الاقتصادية مع دول المنطقة باعتبارها أحد أهم أسباب ومرتكزات نمو الاقتصاد التركي، الذي وصل إلى المرتبة السابعة عشرة على المستوى العالمي، خصوصاً بعد أن تجاوز معدل التبادل التجاري بين تركيا والدول العربية حاجز الثلاثين مليار دولار.

لكن المشكلة هنا تكمن في أن اللعب على المتناقضات من خلال فتح قنوات تواصل مع معظم القوى في المنطقة يفرض عليها، في بعض الفترات، مواجهة (خيارات ضيقة) واتخاذ قرارات صعبة، لاسيما في ظل تصاعد حدة الصراع بين هذه القوى. كما أن سياسة (تصفير الأزمات) التي طرحها وزير الخارجية التركي أحمد داوود أوغلو باعتباره العنوان الرئيسي للتحرك الإقليمي التركي في المنطقة تواجه بدورها صعوبات عديدة. ففضلاً عن أن تقاطع وتشابك المصالح بين الأطراف والخصوم الإقليميين يجعل من الوصول إلى تصفير المشكلات أمراً صعب المنال، فإن وقوع تركيا وسط منطقة إقليمية مفعمة بكثير من عوامل الاحتقان والتوتر يعني أن الطموح في (التعايش في هدوء) مع هذا الجوار يبقى (محض خيال) أو (أضغاث أحلام).

والأمثلة على ذلك كثيرة، فقد عاد التوتر إلى العلاقات بين تركيا وأرمينيا بعد تعثر الاتفاقات التي وقعت لفتح الحدود وإقامة علاقات دبلوماسية بين الطرفين على خلفية إصرار أنقرة على ربط ذلك بتحقيق تقدم في الوصول إلى تسوية للنزاع القائم بين أرمينيا وأذربيجان حول إقليم (ناغورنو قرة باغ). كما دخلت علاقاتها مع النظام السوري في نفق مسدود، وحتى في حالة نجاح هذا النظام في الإفلات من شبح السقوط، فإنه سوف يعيد ترتيب أوراقه مرة أخرى خصوصاً في ما يتعلق بعلاقاته مع أنقرة. وانتقل التوتر من الكتمان إلى العلن في العلاقات مع إيران بسبب التزام أنقرة بتطبيق العقوبات المفروضة على إيران وضبطها بعض شحنات الأسلحة المتجهة إلى حلفاء الأخيرة، إلى جانب موافقتها على نشر رادار متقدم لحلف الأطلسي مخصص لرصد الصواريخ القصيرة والمتوسطة المدى التي قد يتم إطلاقها من الشرق الأوسط وتحديداً من إيران. وتصاعدت حدة خلافاتها مع روسيا أولاً بسبب نشر أجزاء من الدرع الصاروخية على أراضيها وثانياً بسبب دعم موسكو للقسم اليوناني من جزيرة قبرص.

أما عن العلاقات مع إسرائيل فحدّث ولا حرج، إذ شهدت تصاعداً في حدة التوتر منذ قيام إسرائيل بشن حربها على قطاع غزة في ديسمبر 2008 ويناير 2009، ووصل الاحتقان إلى ذروته مع قيام القوات الإسرائيلية بالهجوم على (قافلة الحرية) التي كانت متجهة لفك الحصار عن غزة، في 31 مايو 2010، ما أسفر عن مقتل تسعة أتراك.

في هذه اللحظة تحديداً، بدأت (الخيارات الضيقة) تفرض نفسها على تركيا، فإما الحفاظ على العلاقات القوية مع إسرائيل، وبالتالي مع الغرب، ومن ثم عدم منح القضية اهتماماً كبيراً، أو المخاطرة بخسارة هذه العلاقات مقابل وضع القضية على قمة أولويات الدبلوماسية التركية واتخاذ خطوات عقابية متدرجة تجاه تل أبيب.

تركيا فشلت في إقناع النظام السوري بالتوقف عن استخدام آلة القمع تجاه المحتجين

أنقرة حاولت إمساك العصا من المنتصف، فهي لم ترغب في فقدان حليفها الاستراتيجي المهم في المنطقة، ووجهت في هذا السياق إشارات كثيرة منها مشاركة طائرات تركية في عمليات إطفاء حريق (الكرمل) في أواخر العام الماضي، وموافقة رئيس الحكومة التركية أردوغان على عدم المشاركة في أسطول (قافلة الحرية 2) بناءً على تدخل من جانب الرئيس الأمريكي باراك أوباما. لكنها في الوقت نفسه لم تستطع غض النظر عن الأزمة التي حظيت باهتمام واسع على الساحة الداخلية ومثلت محكاً مهماً لاختبار قدرة  الحكومة على تنفيذ أجندتها وترجمة طموحاتها إلى واقع، لاسيما في ظل حالة التربص التي تبدو عليها أحزاب المعارضة خصوصاً حزب الشعب الجمهوري الذي يتحين الفرص لتوجيه سهام انتقاداته للحكومة.

من هنا وضعت الحكومة التركية شروطاً لتسوية الأزمة مع إسرائيل عنونتها بـ (الخطة- أ) التي تركزت على ضرورة تقديم إسرائيل اعتذاراً وتعويض الضحايا وفك الحصار عن غزة، لكنها في المقابل وافقت على تأجيل نشر تقرير (لجنة بالمر) وهي اللجنة التي شكلتها الأمم المتحدة برئاسة جيفري بالمر رئيس الوزراء النيوزيلندي السابق وحملت اسمه، للتحقيق في الهجوم الإسرائيلي على القافلة، أملاً في الحصول على اعتذار إسرائيلي يحفظ ماء الوجه التركي أمام الرأي العام الداخلي ويعفي الحكومة من تبني إجراءات تصعيدية.

لكن رفض تل أبيب الاستجابة للشروط التركية، فضلاً عن قيام صحيفة (نيويورك تايمز) في 2 سبتمبر 2011 بنشر مضمون التقرير وضع أنقرة أمام موقف حرج. فرغم أن التقرير انتقد إفراط إسرائيل في استخدام القوة، إلا أنه قال إن حصار إسرائيل لقطاع غزة قانوني، وأكد حق إسرائيل في منع كسر الحصار (حتى لا يتم تهريب أسلحة)، واعتبر الهجوم (عملية دفاع عن النفس)، مشيراً إلى أن (عناصر البحرية الإسرائيلية واجهوا مقاومة منظمة وعنيفة من مجموعة من الركاب الذين كانوا على متن سفينة مافي مرمرة).

وعلى خلفية ذلك اندفعت تركيا إلى تنفيذ ما يسمي (الخطة- ب) القائمة على فرض خمس عقوبات على إسرائيل هي: تقليص التمثيل الدبلوماسي مع إسرائيل إلى مستوى السكرتير الثاني، وتجميد العمل بكافة العقود العسكرية التي أبرمت مع تل أبيب، ونقل ملف حصار غزة إلى محكمة العدل الدولية، ورفع دعاوى قضائية ضد المسؤولين المباشرين أو غير المباشرين عن الهجوم على (أسطول الحرية) في المحاكم التركية والأجنبية، واتخاذ خطوات لضمان حرية حركة الملاحة البحرية في شرق البحر المتوسط، مع الإعلان عن تسيير سفن حربية تركية لمرافقة سفن المساعدات التركية إلى قطاع غزة، وهو تحرك مرتبط بإصرار أنقرة على منع إسرائيل من استغلال موارد البحر المتوسط خصوصاً الغاز بشكل منفرد.

لكن هذا الهجوم التركي المضاد لا ينفي أن خروج التقرير بهذه النتائج يمثل فشلاً للدبلوماسية التركية، لاسيما في ظل وجود ممثل لأنقرة في اللجنة هو سليمان أوزدم سنبرك بما يعطي انطباعاً بأنها لم تستطع الحيلولة دون الوصول إلى هذه النتائج أو على الأقل كانت على علم بها منذ فترة. وربما يفسر ذلك إلى حد بعيد الانتقادات الداخلية الواسعة التي تواجهها الحكومة التركية، والتي تركزت في مجملها حول السلبيات المتعددة التي أنتجتها سياسة (تصفير الأزمات).

أهداف أخرى

ومع ذلك، فإن هناك من يرى أن حرص أنقرة على التصعيد تجاه تل أبيب في هذا الوقت تحديداً لا يرتبط فقط بالتحيز الملحوظ لإسرائيل الذي اتسم به (تقرير بالمر) ورفض الأخيرة الاعتذار، وإنما يتصل أيضاً بهدفين آخرين: أولهما، التغطية على قرار أنقرة نشر أجزاء من الدرع الصاروخية على أراضيها، والذي كان من الممكن أن يثير سجالاً داخلياً بسبب تأثيراته المتوقعة على علاقات تركيا مع كل من إيران وروسيا، لولا تعمد أنقرة الإعلان عن تدابيرها العقابية تجاه إسرائيل بالتزامن مع ذلك. وثانيهما، صرف الانتباه عن مأزق (البدائل الضيقة) الذي تواجهه تركيا في سوريا، خصوصاً بعد فشل (نصائحها)، أو بالأحرى تهديداتها بإقناع النظام السوري بالتوقف عن استخدام آلة القمع تجاه المحتجين، وعجزها عن اتخاذ موقف حاسم إزاء ذلك، بشكل يهدد فعلاً طموحاتها للعب دور إقليمي مميز في المنطقة.

من هنا يمكن القول إن تركيا باتت على أعتاب مرحلة جديدة سوف تفرض عليها في كل الأحوال إعادة النظر في سياسة (تصفير الأزمات)، لاسيما في ظل التحول الملحوظ في توازن القوى الاستراتيجي في الشرق الأوسط بفعل الموجات الثورية المتتالية التي تجتاح الدول العربية في الوقت الحالي وتقف حالياً على أبواب دمشق. 

كلمات دليلية
86 محمد عباس ناجي