انت هنا: الرئيسية جميع المقالاتالعدد 103 متابعات(آراء حول الخليج) تتابع الانتخابات الأمريكية 2016 "2" : استطلاعات الرأي متغيرة .. ومقدمة السباق للمرشح الهجومي

(آراء حول الخليج) تتابع الانتخابات الأمريكية 2016 "2" : استطلاعات الرأي متغيرة .. ومقدمة السباق للمرشح الهجومي

انشأ بتاريخ: الأحد، 03 كانون2/يناير 2016

تدخل الحملة الانتخابية الرئاسية في الولايات المتحدة الأمريكية مرحلة السباق الحقيقي مع اقتراب موعد المؤتمرات الوطنية بولاية أيوا والانتخابات التمهيدية لنيوهامبشاير التي ستنعقد بعد أقل من شهر واحد، ومع بداية الحملة الحقيقية سوف يضيق مضمار السباق الذي لا يزال مزدحما على الجانب الجمهوري بتسعة مترشحين مقابل ثلاثة في الجانب الديمقراطي، كما أن ذلك سيمكن المترشحين الجدّيّين من الصعود إلى المرحلة الوطنية.

ولكن هذه الحملة كانت خارجة عن المألوف منذ البداية حيث استولت عليها ثلّة من الدّخلاء، لاسيما من الجانب الجمهوري، مما جعلها تبدو كإحدى أبشع السباقات وأكثرها غموضا على الإطلاق في تاريخ عمليات اختيار مرشح الرئاسة. حيث تفرز استطلاعات الرأي كل أسبوع مرشحا مفضلا مختلفا، في تأرجح مذهل بين الدخلاء والغرباء المتناوبين على مركز الصدارة محولين سباق 2016 إلى مسابقة بين أقدرهم على التهجم والعدوانية للفوز بالقدر الأكبر من الاهتمام.

ثم أتت الهجمات الإرهابية على باريس وسان برناردينو في كاليفورنيا لتدفع بقضايا الأمن القومي والإرهاب إلى الصدارة حيث أصبحت تشكل الأولوية القصوى للحملة الانتخابية. وتحوّل النقاش عن الهجرة إلى هجوم على اللاجئين السوريين والمهاجرين من المسلمين في هذا البلد. وأصبح الاستفتاء يركز على أكثر المرشحين شدّة وبأسا ومن يستطيع الإدلاء بأكثر التصاريح عنفاً لكسب تعاطف القواعد الانتخابية الأمريكية المذعورة.  أصبح الخوف سيّد الموقف في هذه الحملة وخيمت عليها أجواء الحرب. في خضم هذا الرعب الذي ساد الحملة، أصبح الإسلام والمسلمون الأمريكان في مقدمة الضحايا.

وقد تحول تركيز الحملة الانتخابية الرئاسية الأمريكية نحو السياسة الخارجية والأمن القومي فور وقوع هجمات باريس. وهو ما ذكّر الناخبين الأمريكيين بأن الحملة ليست مسابقة ملكات جمال وإنما عملية انتخاب جدية لاختيار قائد أعلى ليكون زعيما للبلاد ويحفظ أمن أمريكا وهيبتها في العالم. وها قد آن الأوان للانتقال من مجرد الانجذاب إلى الصفات الشخصية نحو تقييم السمات القيادية والخبرة.  وقد احتلت قلّة الخبرة والدراية لدى المترشحين الأوفر حظا صدارة المواضيع المتداولة في النقاشات الدائرة.  إلا أن ردة فعل وأداء أبرز مرشحين جمهوريين، دونالد ترامب وبن كارسن، ترك قيادة الحزب الجمهوري في حالة من الهلع من أن يكون هذين المرشحين أو أحدهما في مواجهة هيلاري كلينتون كمرشح محتمل للرئاسة الأمريكية. ويكمن الخوف في أن هيلاري كلينتون سوف تفوز في مواجهة أي من هذين المترشحين.

وقد كانت هجمات سان برناردينو بمثابة قارب النجاة بالنسبة لدونالد ترامب الذي كان مركزه قد بدأ في التراجع حسب استطلاعات الرأي مع ارتفاع المخاوف الشعبية من التهديدات الإرهابية في عقر ديارهم. وقفز ترامب على الفرصة واستغل عامل الخوف لنيل المزيد من الدعم من الأمريكان الغاضبين الخائفين، لاسيما في الأوساط المسيحية من أنصار الحزب الجمهوري. وقد فعل ما يحسن فعله أكثر. وارتقى إلى القمة. وقد دعى ترامب إلى "إغلاق كامل وشامل" للحدود ومنع كافة المسلمين من دخول الولايات المتحدة. حيث قال " إنه أمر بديهي لأي شخص أن الكراهية بلغت حدا يتجاوز المعقول. من أين تأتي هذه الكراهية وما سببها، سوف يتوجب علينا تحديد ذلك.  وإلى حين نصبح قادرين على فهم هذه المشكلة والتهديد الخطير الذي تمثله، لا يمكن لبلادنا أن تكون ضحية للهجمات البشعة من طرف هؤلاء الذين لا يؤمنون إلا بالجهاد وليس لديهم أي حس عقلاني ولا أي تقدير للنفس البشرية".

وقد أثارت تصريحاته سخطًا كبيرا ليس فقط بين المسلمين في أمريكا وحول العالم ولكن أيضا لدى المسؤولين الأمريكان ومؤسسة الحزب الجمهوري التي كانت قلقة من أن ترامب قد يكون تجاوز حدوده في الإساءة لمكانة الحزب وسمعته مما قد يكلف الحزب خسارة هذه الانتخابات.

وقد تواترت ردود الفعل عن هذه التصريحات من كل حدب وصوب. وأدان رئيس البرلمان بول رايان بيان ترامب وقال إن ما صرح به "لا يمثل الحزب في شيء" و"الأهم أنه لا علاقة له بقيم هذا البلد ومبادئه".   وانتقد المرشحون الآخرون ترامب وتبرأوا من هجومه على المسلمين. وقد وصف حاكم فلوريدا السابق جيب بوش ترامب بـ"المختل عقليا" في تغريدة له مضيفا بأن "سياساته المقترحة خالية من الجدّية". وقد وصفت ليندسي غراهام هذه التصريحات بأنها "خطر داهم" ودعت المرشحين الآخرين لإدانة مثل هذه التصريحات. بينما يدعي بن كارسن بأنه يشجع الزوار "للتسجيل" عند دخول الولايات المتحدة، يتضح من خلال حملته أنه "لا يدعم التمييز بين الأشخاص على أساس الانتماء الديني".

أما عضو مجلس الشيوخ السيناتور ماركو روبيو فهو لا يتفق مع ترامب في تصريحه حيث قال " ما اعتاد عليه ترامب من تصاريح عدوانية وغريبة لن يساعد في التقريب بين المواطنين الأمريكيين".

وقد لاقت دعوة ترامب لفرض حظر على المسلمين معارضة شعبية واسعة النطاق، غير أنها قسمت الحزب الجمهوري إلى قسمين حسب نتائج استطلاعات الرأي. حيث اعترض أغلبية الشعب الأمريكي بنسبة 57% على مقترح ترامب بمنع المسلمين من القدوم إلى البلاد، في حين ساندته نسبة 25% في ذلك.

لكن مما فاجأ الجميع، وخاصة داخل حزبه، هو أن ترامب لم يعاني من تبعات تصريحاته. وأشارت الاستطلاعات إلى أن شعبيته ظلت ثابتة، حيث عارض 39% من الناخبين الجمهوريين فكرته وأيّدها 38% منهم. الخبر السار هو أن الاستطلاعات أظهرت أن 60% من الأمريكيين لديهم موقف إيجابي تجاه المسلمين ولكن ليس ذلك حال الجمهوريين. حسب صحيفة وال ستريت جورنل، تشير الاستطلاعات إلى أن "نصف القاعدة الانتخابية للجمهوريين في هذه الانتخابات التمهيدية لهم وجهة نظر سلبية عن المسلمين".

في الأثناء يستولي سباق الترشح للحزب الجمهوري على كافة الأضواء وينال القدر الأكبر من الاهتمام على حساب سباق الحزب الديمقراطي.  حيث أن الغضب والذعر والمنطق السيء والتصريحات المثيرة للانقسام كلها تأتي على ألسنة أبرز المرشحين الجمهوريين، وكلما ارتفعت أصواتهم، كسبوا مزيدا من الدعم من الناخبين المنتمين لذلك الحزب. خلال التجمعات المناصرة لترامب زاد تعصب الجمهوريين إلى حد أنهم بدأوا بالاعتداء بالعنف الجسدي على المحتجين المعارضين له، وقد بلورت حملته استراتيجية "للتعرف على المحتجين والتخلص منهم".  وفي إحدى المناسبات، دعا ترامب شخصيا لإقصاء أحد المحتجين بالقوة ولم يقم بإدانة ما لحق هذا المحتج من اعتداء من قبل أنصاره.

لا يعتبر هذا مجرد قلة تسامح. ويعرب قادة الأحزاب وعامة الشعب عن قلقهم من حساسية ترامب المفرطة وكرهه للنقد والمساءلة حول سياسته أو مواقفه. وقد بدأوا يتساءلون عن مدى التزامه بالتعديل الأول للدستور الذي يكفل الحريات وخاصة حرية التعبير. وقد وصل به الأمر للدعوة إلى "غلق جزء من شبكة الانترنت" للحد من إمكانية داعش لاستقطاب مزيد من المنتسبين مما أثار غضب المرشحين الآخرين وخاصة راند بول، واستهجن الجمهور هذا المقترح.

أما السيناتو تيد كروز الذي يتنافس مع ترامب في أيوا على أصوات الإنجيليين والقواعد المحافظة للحزب، فهو يحاول أن يكون مضاهيا لترامب من حيث التصريحات المثيرة للجدل. ويتمحور خطابه أساسا حول هزيمة ما يسميه "الإرهاب الإسلامي" والتهجم على الرئيس باراك أوباما بسبب رفض هذا الأخير تسمية الهجمات الإرهابية بنتيجة "الإرهاب الإسلامي".

وقد تغلب كروز على ترامب قبل أيام قليلة من آخر مناظرة لهذا العام، حيث حصل على 31% من الدعم متقدما على منافسه الحاصل على 21% بـ 10 نقاط وفق استطلاع أجرته جريدة دي موان ريجستر. ولم يتوان ترامب على مهاجمة جريدة ريجستر مدعيا أنها صحيفة منحازة ضدّه وداعيا الشعب بعدم الوثوق باستطلاعاتها. واستند إلى استطلاع أجرته CNN يظهره متقدما على كروز محققا نسبة 33%. ولكن في اليوم التالي، كشف استطلاع جديد أن شعبية ترامب ارتفعت إلى سقف جديد غير مسبوق في الحملة حيث بلغت 41% لأول مرة على المستوى الوطني بين الناخبين الجمهوريين.

أراد بن كارسن أن ينافس ترامب وأن يحصل على رضا ناخبيه أيضا حيث قال لمستجوبيه أن شخصا مسلما لا يمكن أن يكون رئيسا للولايات المتحدة لأن ذلك سوف يكون مخالفا لمبادئ الدستور.

السؤال الذي يتبادر لذهن أي شخص هو: من هم هؤلاء الأشخاص؟ من هم مؤيدي ترامب وكارسن والخطاب الخطير الصادر عن الجمهوريين؟ ولماذا يلقى خطابهم صدى بين الناخبين الأمريكيين الجمهوريين؟ لماذا يساندون مثل هؤلاء المترشحين الذين يزرعون الفتنة والانقسام في البلاد ويشوهون صورتها كمثل يحتذى به في العالم؟ وقد يتساءل المرء من يقود من؟ هل هم المترشحون المحافظون الذين ينشرون خطاب الكراهية أم الناخبون الذين يعربون عن نزعة يمينية متطرفة أكثر فأكثر، مناوئة للهجرة وللمسلمين؟

إن أفضل تفسير لما يجري في الحملة الانتخابية الأمريكية لعام 2016 هو ما أسفر عنه استطلاعان للرأي أجرتهما مؤسسة بيو للأبحاث Pew المرموقة ونشرت نتائجهما مؤخرا.

الاستطلاع الأول بعنوان "استطلاع مركز بيو للأبحاث عن التركيبة الدينية في أمريكا، والصادر في نوفمبر الماضي يكشف بأنه للمرة الأولى في تاريخ أمريكا يفقد العرق الأبيض المسيحي مكانة الأغلبية في المجمتع الأمريكي. فهم أصبحوا يمثلون أقل من نصف السكان، أي نسبة 46%، بعد أن كانوا يمثلون 55% في 2007.  وقد خلص الاستطلاع إلى حقيقة أن هؤلاء المسيحيين البيض "يتميزون عن أغلبية معظم المجموعات السكانية مع استثناء جدير بالذكر: الحزب الجمهوري."

وقد توصل الاستطلاع إلى أن ما يقارب 7 من 10 مسيحيين بيض، أو 69% يتعاطفون مع الحزب الجمهوري أو يميلون إليه، مع 31% فقط منهم يميلون إلى الحزب الديمقراطي. ويتبنى 13% فقط من غير البيض المسيحيين فكر الحزب الجمهوري فيما يتبنى 32% فكر الديمقراطيين أو يميلون نحو هذا الحزب.

ما نستنتجه من هذه الأرقام هو أن الحزب الديمقراطي يمثل أمريكا أكثر من الحزب الجمهوري الذي أصبح حزب البيض المسيحيين في أمريكا. وعلاوة على ذلك، نلاحظ تحول الأمريكان البيض نحو اليمين سياسيا وأنهم يصبحون محافظين أكثر فأكثر مع تراجع أعدادهم وانزوائهم عن بقية السكان.  تشير البيانات إلى أن نزعة التدين في تراجع في الولايات المتحدة.  ففي عام 2007، وفقا لنفس الاستطلاع، عرف 88% من الجمهوريين و70% من الديمقراطيين أنفسهم على أنهم مسيحيون.  وتراجع هذا الرقم في 2014 لكلا الحزبين، وخاصة بالنسبة للديمقراطيين، حيث عرف 84% من البيض الجمهوريين أنفسهم على أنهم مسيحيون مقارنة بـ 57% فقط من البيض الديمقراطيين، أي بفارق 13 نقطة هبوطا. حيث كان الفارق بين الجمهوريين والديمقراطيين 27 نقطة.  ويميل معظم الأمريكيون الذين لا ينتمون لأية ديانة بشكل أكبر نحو الفكر الديمقراطي.

وقد علقت الصحيفة الوطنية The National Journal التي نشرت الدراسة بأن "نهاية صفة الأغلبية للمسيحيين البيض تمثل منعطفا آخر في تحول المجتمع الأمريكي إلى مجتمع متعدد الأعراق والأجناس دون هيمنة لأي مجموعة كانت".  وأضافت الصحيفة بأن "هذا المزيج الديني الذي يزداد تباينا" يفسر "تباعد المسافة بين وجهات نظر مختلف الأطراف حول المسائل الثقافية".

تشكل هذه التحولات الدينية والمجتمعية تأثيرا كبيرا على التوجهات السياسية الأمريكية. إن التحالف بين الحزب الجمهوري واليمين المسيحي، وخاصة الانجيليين بما فيهم خمسي الحزب الجمهوري يؤثر بشكل كبير على الحزب وعلى مواقفه إزاء عدة قضايا مثل الهجرة والصحة والسياسات الخارجية والأمنية. وهذا بدوره يؤثر على توجهات ومواقف وأجندات المترشحين.

وقد كتب إي جاي. ديون، الأصغر، الصحفي بنيويورك تايمز أن "التركيبة السكانية الأمريكية المتغيرة تثير ضغينة الكثير وخوفهم على منزلتهم (المسيحيين البيض)".

فكلما ازداد خوفهم "ازداد ولاؤهم للمترشح الذي يعبر عن مخاوفهم ويضخمها ويجعلهم محور التركيز في خطابه".

لكن الجدير بالاهتمام هو انجذاب شخص مثل ترامب المليونير للطبقة العاملة من البيض في أمريكا، وخاصة هؤلاء الذين لا يملكون شهادة جامعية. وقد أبرز استطلاع لـ CNN أن 46% من الجمهوريين غير الحائزين على شهادات جامعية يساندون ترامب، فيما يساند 12% منهم فقط كروز و11% كارسن و8% يدعمون روبيو. ولسوء حظ جيب بوش الذي اختفى عن رادار الاستطلاعات ولم يعد بين المرشحين الأوفر حظا رغم كونه يمثل بديلا معتدلا معقولا للحزب الجمهوري عن فوضى هذه الحملة.

ولكن في أوساط الجمهوريين من ذوي الشهادات الجامعية، يحتل كروز مركز الصدارة بنسبة 22% من الدعم، وكارسن وروبيو 22% ويليهم ترامب في آخر الترتيب بنسبة 18%. يفسر الملاحظون المتابعون للحملة شعبية ترامب بين الفئة الأقل مستوى من ناحية التعليم ببساطة لغته وخطابه الفظفاظ وخطابه الذي يفتقر للمعنى مقابل أنه يلعب على مخاوفهم. فهو بكل بساطة يستغل الغضب والتبعية التي تتصف بها مجموعة عصفت بها الأزمة الاقتصادية وتبعاتها السلبية. يمكن تفسير جاذبيته بكونه دخيلا ومستقلا ويجسد ما يعتبرونه قصة نجاح تجاري. وقد أدى ذلك بعض الملاحظين إلى اعتبار أن الحملة الانتخابية في صفوف الجمهوريين أصبحت عبارة عن "صراع طبقي".

 

أما الاستطلاع الثاني لمركز بيو للأبحاث فقد شكل موضوع مقالة في صحيفة واشنطن بوست بعنوان "تخطيط صعود ترامب من خلال أفول الطبقة الوسطى". اعتمد المقال على بحث المركز الذي "يرسم التراجع المطرد للطبقة الوسطى على مدى العقود الأربعة الماضية". ويتناول العلاقة بين هذا التراجع وصعود ظاهرة ترامب. وقد كتب دان بالز من واشنطن بوست: "ليس هناك شك بأن ما حدث للطبقة الوسطى الأمريكية قد ساعد على خلق المناخ المناسب الذي ساعد على صعود ترامب".

وتشير النتائج إلى أنه يوجد "تفريغ للطبقة الوسطى من محتواها"، وإلى "نقطة فاصلة" حيث "لم تعد الشريحة الاجتماعية الوسطى تمثل أغلبية السكان". حيث كانت الطبقة الوسطى في 1971 تشكل نسبة 61% من السكان، بينما أصبح اليوم عدد السكان من الطبقة العليا مع الطبقة السفلى مجتمعتين يفوق عدد سكان الطبقة الوسطى"، حسب نتائج الدراسة.

ويضيف التقرير بأن "الطبقة الوسطى لعام 1970 كانت تحصل على 62% من الدخل القومي. وبحلول 2014 تراجع ذلك الرقم إلى 43%." كما أن نصيب الأسر من الطبقة الأعلى ارتفع من 29% إلى 49% من الدخل القومي. و"خلال الأعوام الأربعة الأخيرة، ازداد دخل الطبقة الميسورة بنسبة 3% وبنسبة 1% بالنسبة للطبقة الوسطى ولم يسجل أي ارتفاع بالنسبة لأصحاب الدخل المتدني".

وقد خلص البحث إلى أن الحصول على شهادة علمية يحدث فارقا. فقد اكتشفت أبحاث مركز بيو أن "الأشخاص الذين ليس لديهم شهادة بكالوريوس تقهقروا إلى أسفل سلم الدخل"، و"ضمن المجموعات السكانية المتنوعة التي تمت دراستها، فإن البالغين الذين ليس لديهم شهادات فوق الثانوية هم أكثر الخاسرين اقتصاديا".

وتقع قاعدة ترامب الانتخابية ضمن هذه المجموعة الأخيرة. هذه البيانات مرتبطة بشكل مباشر بالمناخ السياسي في البلاد وبحملة للانتخابات الرئاسية 2016.

وقد وجد دراسة أجريت عن طريق واشنطن بوست ووكالة أي بي سي للأنباء أن ترامب كان متقدما على غيره من المترشحين بنسبة 32% بين الجمهوريين وبنسبة 23% منهم ممن لديهم شهادة جامعية. وفي صفوف الذين ليس لديهم مؤهل جامعي ارتفع هذا الدعم إلى 41%، متقدما كثيرا على كارسن وكروز وروبيو.

وقد ساء الوضع الاقتصادي لهؤلاء الذين لا يحملون شهادات جامعية خلال العقود الأربعة الماضية "(فقد زادت نسبتهم في الطبقة السفلى للدخل من 17% في 1971 إلى 36% في 2015)" حسب ما ورد في المقال.

وترى هذه المجموعة في الهجرة تهديدا وجوديا لها ولبقاءها الاقتصادي. فقد أصابهم الهلع في المرة الأولى من جراء تدفق العمال المكسيكيون وهم يقفون اليوم صفا واحد للتصدي لدخول المهاجرين السوريين. وهم يرون أيضا أن أمريكا في تراجع وينتابهم "الحنين" إلى الماضي المجيد عندما كان لديهم أمل بتغيير حياتهم عن طريق تحسين وضعهم الاقتصادي، حسب ما ورد في واشنطن بوست. أما الآن فيبدو أنهم فقدوا الأمل بأن تتغير الأمور من حولهم ولأجلهم وهم يلقون اللوم على الحكومة، على واشنطن وعلى الأجانب. ويستغل شعار حملة ترامب يأس هذه الفئات من الناس ومخاوفهم. فيجيئ بطائرته الخاصة الضخمة التي تحمل اسمه اللماع وشعاره الانتخابي "لنسترجع مجد أمريكا". وهو لا يشرح أبدا كيف سيفعل ذلك، ويكتفي بالقول: "سوف نحظى بازدهار عظيم سوف نكسب، سوف يصيبكم الذهول". فيصيبهم الدوار من كثرة الوعود.

 

وهذا يفسر أيضا جاذبية ساندرز في الجانب الديمقراطي عندما يقول للناس بأنه يريد استرجاع أمريكا من أيدي الأغنياء.  كتب بالز أن "كلنتون وساندرز ركزوا على قضايا عدم المساواة وركود الأجور لبناء صورة جذابة لدى الناخبين. وقد دأب فريق كلينتون على الاعتقاد بأن نتائج الانتخابات سوف تتأثر بشكل قطعي بقضايا الطبقة الوسطى الاقتصادية."

ولكن هذا لم يتم حتى ذكره في النقاش الجمهوري الأخير هذا العام إذ ركز المترشحون على الأمن القومي والإرهاب وداعش وسوريا وكيفية إحلال الأمن مجددًا بالبلاد. فقد اشتد النقاش بين هؤلاء الذين يريدون "إمطار سوريا والعراق بالقنابل" لتدمير داعش (كروز) وأولئك الذين يريدون قتل عائلات مقاتلي التنظيم (ترامب) والآخرين ممن يعتقدون بأن تغيير الأنظمة هو الذي جلب الخراب للشرق الأوسط وأن بشار الأسد يجب أن يبقى لمحاربة داعش (راند بول) وغيرهم ممن يظنون أن أمريكا تحتاج لقيادة حقيقية وأن ترامب سوف يقودها للفوضى وأنه "لا يمكنك الفوز بمنصب الرئاسة من خلال كثرة الشتائم" (جيب بوش). دون أن نسى الذين يعتقدون أن نفوذ أمريكا في تراجع وأنه يجب استرجاع ذلك النفوذ (روبيو).

قدم المترشحون مواقف متشددة للغاية خلال المناظرات وأقروا بأن أمريكا "في حالة حرب"، على حد تعبير كروز، كما دعوا لفرض قيود على شبكة الانترنت على لسان ترامب الذي رد عليه الجمهور باستهجان وراند بول بأن الولايات المتحدة لا ينبغي أن تضحي بقيم الحرية من أجل ذلك. وقد شكل موقف راند بول المشار إليه في الواقع نقطة فصل بين المترشحين الذين يرغبون في خلق التوازن بين الاستجابة للتهديدات ضد أمن أمريكا ولكنهم يريدون حماية الحريات المدنية وبين الذين يرون في تحقيق الأمن أولوية قصوى حتى ولو اقتضى الأمر التضحية بقيم الولايات المتحدة الأساسية.

وقد تم انتقاد الخطاب الفظّ لمرشحي الحزب الجمهوري للرئاسة بشدة واعتبر "خطابا للكراهية". وقد هاجمت هيلاري كلينتون المرشحة الديمقراطية هذا الخطاب التي يبدو خطابها أفضل بكثير مقارنة بما يصدر عن مرشحي الحزب الجمهوري. حيث قالت بأن "الشعارات الفارغة لا ترتقي لمرتبة الاستراتيجية. والوعد برمي القنابل حتى تضاء الصحراء لا يجعلك تبدو قويا، بل تجعلك تبدو وكأنك تتخبط في حيرة من أمرك. ولا يمكن الاعتداد بالتبجح والتعصب للفوز بمنصب القائد الأعلى للقوات المسلحة."

 

وكان النقاش النهائي قد رسم خارطة الوجهة السياسية لموسم المؤتمرات الوطنية والانتخابات التمهيدية. سوف تكون المنافسة في أيوا بين ترامب وكروز على جوهر القاعدة الانتخابية للإنجيليين المحافظين.  من فاز بأيوا لن يكون بالضرورة هو مرشح الحزب، لكن ذلك قد يعطي إشارة عن مدى قوة المرشح الأول. وقد سبق أن كسب العديد من المرشحين الجمهوريين أيوا ولكنهم خسروا في الفوز بترشيح الحزب لهم.

سوف تكون الانتخابات التمهيدية لنيو هامبشاير أكثر أهمية لأنها سوف تكشف على المرشح الجمهوري الأكثر اعتدالا. سوف تكون المنافسة بين كريس كريستي وبوش بالنسبة للمعتدلين وبين روبيو وكروز. سوف يكون كل من ترامب وكروز على أرض غير موطنهم الأصلي لأن الناخبين في نيو هامبشاير ليسوا بمحافظين يمينيين ويبحثون عن مرشح جمهوري معتدل يمثلهم. وعلى غرار أيوا، فالفائز بنيو هامبشاير لن يكون بالضرورة هو المرشح ولكن الفوز يؤدي إلى تلك الغاية.

إن أفضل ميزة من ميزات المؤتمرات الوطنية والانتخابات التمهيدية هو أنها سوف تٌضيّق مضمار السباق. سوف يتخلى العديد من المترشحين على السباق بعد أن يدركوا بأن حظوظهم معدومة في الترشح. كما أنها سوف تٌلطّف من اللغة وتحد من شحنة الكراهية لأن المترشحين سوف يبدأون في التوجه إلى عموم الناخبين المختلطين والذين لا يتفقون بالضرورة مع الإنجيليين المحافظين في القناعات ولا في الأجندة السياسية.

تبرز التركيبة السكانية الأمريكية الجديدة بلدا مختلفا عن الصورة التي رسمها المترشحون الجمهوريون عنه وذلك يعطي الديمقراطيين فرصة أفضل للفوز بالانتخابات العامة إذا ما لم يغير المرشح الجمهوري اللهجة التي عرفناها خلال الحملة. هذه حملة تستطيع أن تكسبها هيلاري كلينتون وأن يخسرها الجمهوريون. لربما تنقذ نيو هامبشاير الجمهوريين بمنحهم مرشحا يتجاوب مع كافة الأمريكيين وليس مع حفنة من الناخبين الناقمين والمحرومين.

كلمات دليلية

الشركات المعلنة