;
الصفحة السابقة

الاقتصاد الخليجي: التحديات والحلول

انشأ بتاريخ: الأحد، 01 تشرين2/نوفمبر 2015

إذ تخصص مجلة آراء حول الخليج الملف الرئيس لهذا العدد حول واقع ومستقبل الاقتصاد الخليجي، وتقدم رؤية استشرافية لتأثير المتغيرات الإقليمية والدولية وانخفاض أسعار النفط على اقتصادات دول مجلس التعاون وعلى الموازنات العامة لحكومات هذه الدول، وأيضا على مدى تأثر المشروعات الكبرى سواء الخدمية والاستثمارية، والتنموية في المنطقة. فإننا ندرك أهمية الاقتصاد كمحور رئيسي لنهضة دول مجلس التعاون التي قطعت شوطاً كبيراً في التنمية ما جعلها السوق الاقتصادية الأكبر في الشرق الأوسط، وكذلك ندرك خطورة التأثيرات الاقتصادية الحالية والمرتقبة على منطقة الخليج في المدى البعيد لا سيما فيما يتعلق بتأثير انخفاض أسعار النفط، وإن كانت هذه المعضلة لا تمثل مشكلة آنية على المدى القصير بسبب الاحتياطيات المالية الضخمة التي حققتها دول مجلس التعاون جراء ارتفاع أسعار النفط خلال السنوات القليلة الماضية، إلا أننا نرى من الأهمية بمكان طرح رؤى متكاملة ومتخصصة تناقش واقع ومستقبل الاقتصاد الخليجي، وتحدد التحديات والمخاطر بدقة، وتتطرق إلى كيفية تعظيم الفوائد من الفرص المتاحة والمواتية، والاستفادة من المزايا النسبية التي تتميز بها اقتصادات كل دولة من هذه الدول، والبناء على الإنجازات وتلافي السلبيات، ووضع الحلول المثلى والتصورات الواقعية التي تمكن اقتصاد دول مجلس التعاون من الاستمرار في ريادته وتقدمه ونسب نموه المرتفعة، وتجاوز أي تحديات قد تواجه أو تعرقل استكمال خطط التنمية وإقامة المشروعات الكبرى التي تصب جميعها في خدمة المواطن الخليجي وترفع مستوى رفاهيته الذي تحقق خلال السنوات الماضية.

ورغم ضخامة اقتصادات دول مجلس التعاون، وارتفاع معدلات النمو، والاستثمارات المتاحة وتنوعها وتعدد فرصها، إلا أنها تتأثر بالاقتصادات العالمية لأن الأولى ليست جزرا معزولة، حيث تتأثر الاقتصادات بعضها ببعض، بل تربط ارتباطا وثيقا، وهذا يتجلى بصورة واضحة في أسعار النفط بالأسواق العالمية، هذه السلعة الخليجية المهمة تحدد أسعارها عدة عوامل لها علاقة بالأسواق العالمية، ونسب النمو، وقدرة الدول المستهلكة على استيراد النفط الخام ومشتقاته، وعليه فإن متخذ القرار الاقتصادي الخليجي لا يتخذ قراراته بمعزل عن التطورات الإقليمية والعالمية، ويضع أمامه خريطة دقيقة للداخل والخارج توضح الفرص، كما ترسم التحديات وتتوقعها وتستشرفها لكي يكون قراره معبراً عن الواقع، واضعاً الاحتمالات المناسبة لتقلبات المستقبل، خاصة أن العالم شهد منذ العام 2008م، وحتى الآن الكثير من الأزمات المالية والاقتصادية التي عصفت باقتصادات العديد من دول العالم ومن بينها الكثير من الدول الغنية، وإن كانت دول مجلس التعاون الخليجي قد نجحت في التصدي للأزمة المالية العالمية التي عصفت بالعالم عامي 2008/ 2009م، بفضل السياسات المالية ذات الضوابط المتميزة لدول مجلس التعاون. لكن يظل التحدي الأكبرلاقتصادات دول الخليج هو انخفاض أسعار النفط، خاصة أن النفط يمثل في كثير من الأحيان حوالي 90% من مدخلات الموازنات العامة لدول مجلس التعاون الأمر الذي سيجعل هذه الموازنات تتأثر على المدى البعيد بانخفاض الأسعار، بل إن التحديات التي تواجه صناعة النفط ليس انخفاض الأسعار فقط، بل هي كثيرة ومتعددة منها وجود بدائل الطاقة كالنفط الصخري، والطاقة الجديدة والمتجددة (الطاقة النووية ـ الشمسية ـ طاقة الرياح)، إضافة إلى تباطؤ النمو في اقتصادات دول العالم خاصة المستهلكة للنفط. كل ذلك يضع دول مجلس التعاون أمام جملة من التحديات التي تجعلها تفكر ملياً في مناقشة الاعتماد على النفط كسلعة رئيسية تعتمد عليها الموازنات الخليجية.

بل من الضروري أيضاً أن تنخرط دول مجلس التعاون في توسيع استخدام أنواع الطاقة، وأن تسرع الخطى نحو الطاقة الجديدة والمتجددة لتوفير الدعم الكبير الذي تقدمه هذه الدول لقطاع الطاقة، كما أنه من الأفضل استخدام الطاقة الجديدة والمتجددة في مجالات تحلية المياه والصناعة، حيث أن هذه الدول هي الأكثر استخداما للطاقة في مجال تحلية المياه على مستوى العالم.

ولعل من أهم المقومات التي يجب أن يرتكز عليها الاقتصاد الخليجي في المرحلة المقبلة هو تفعيل قرارات التكامل الاقتصادي الخليجي، والمضي قدماً في تنفيذ قرارات المجلس الأعلى لقادة دول الخليج التي صدرت في القمم الخليجية السابقة ومنها السوق الخليجية المشتركة، العملة الخليجية الموحدة، الاتحاد الجمركي، تبسيط إجراءات نقل البضائع والسلع، واستكمال المشروعات الخدمية المشتركة كمشروع السكة الحديد الخليجية وغيرها.

وتطوير وتفعيل التكامل الاقتصادي الخليجي، إذا كان يتطلب تفعيل ما صدر من قرارات خليجية سابقة على مستوى القمم الخليجية، فهو أحوج ما يكون إلى الإسراع نحو التحول من صيغة "التعاون" إلى صيغة "الاتحاد الخليجي العربي" لتحقيق وحدة خليجية حقيقة تعتمد على التكامل لا التنافس، وترتكز على تعظيم المزايا النسبية لكل دولة مع احتفاظ كل دولة خليجية بمقومات سياستها الاقتصادية وكذلك سياستها الداخلية والخارجية وهيكلها السياسي والقانوني وغير ذلك. فكما هو معلن أن الاتحاد الخليجي المقترح سوف يحافظ على خصوصية كل دولة باستثناء الوحدة في السياسة الخارجية وفي الدفاع والأمن والاقتصاد الكلي لهذه الدول.

كل المشروعات الوحدوية في العالم سبقتها إرهاصات واحتياجات وفي الوقت نفسه أحاطت بها تحديات وعقبات، لكن في النهاية انتصرت الإرادة الجماعية لتحقيق مصلحة الشعوب، وأعطت الأولوية للمصلحة الجماعية فوق المصلحة الخاصة لكل دولة، لا سيما أن التحديات التي تواجه دول مجلس التعاون الخليجي شديدة ومعقدة ووجودية، فالمنطقة تشهد تقلبات وتحولات غير مسبوقة تستوجب الاتحاد من أجل المصلحة الخليجية العليا، وليس لمجرد هبة عاطفية أو حالة انفعالية غير محسوبة، أو لتحقيق مصلحة تخص دولة بعينها أو يكون المستفيد طرف بذاته دون بقية الأطراف الخليجية الأخرى.

تظل معالجة تجاوز معضلة هبوط أسعار النفط، والتكامل الاقتصادي الخليجي، والتحول نحو الاتحاد الخليجي قضايا مهمة وترسم مستقبل الاقتصاد الخليجي، بل العمل الخليجي المشترك برمته.

كلمات دليلية