انت هنا: الرئيسية العدد 89مقالاتالانسحاب الأمريكي من العراق وأثره في بيئة الأمن الإقليمي الخليجي

الانسحاب الأمريكي من العراق وأثره في بيئة الأمن الإقليمي الخليجي

انشأ بتاريخ: الأربعاء، 01 شباط/فبراير 2012

شكل الاحتلال الأمريكي للعراق منعطفاً مهماً في تاريخ العلاقات السياسية الإقليمية والدولية من حيث المدلول الاستراتيجي السياسي والاقتصادي، لذا فليس من قبيل المنطق القول إن الولايات المتحدة الأمريكية أتت إلى العراق لتغيير نظام سياسي فيه ثم تنسحب بعد ذلك من دون ترسيخ أهدافها الاستراتيجية (طويلة المدى)، أو على أقل تقدير من دون أن تخلف من يؤمن لها ما ترنو إليه، أو من دون وضع إطار استراتيجي يمنحها ما تريد، لذا فهناك أهداف على درجة كبيرة من الأهمية جاءت الولايات المتحدة من أجلها.

إن أي حديث عن انسحاب شامل يبقى محكوماً بالمرتكزات الاستراتيجية التي قدِمت الولايات المتحدة من أجل تحقيقها، ليس على صعيد العراق فحسب بل تمتد لتشمل ما وراء العراق وفق التخطيط الاستراتيجي لدوائر الفكر الأمريكي ونظرتهم للتغيير في المنطقة برمتها.

أولاً: العراق ما بعد الانسحاب (رؤية من الداخل):

لا غضاضة في القول إن العراق دولة محورية في المنطقة، والكثير من الدول سواء المجاورة منها أو غير المجاورة لها مصالح حيوية في هذا البلد وبالتالي تتدخل من أجل ضمان مصالحها فيه، بالمقابل فإن الولايات المتحدة الأمريكية لها مصالح حيوية في العراق مثلما هو الحال مع الدول الأخرى وربما أكثر من الدول الأخرى لأن مشروع احتلال العراق لا يقتصر على العراق فقط، وإنما يمتد ليشمل المنطقة المتمثلة في النفط والممتدة من الخليج إلى المحيط. وإذا ما أمعنا النظر وفق رؤية تحليلية للداخل العراقي سنجد أن الولايات المتحدة ذاتها عملت ومنذ الأيام الأولى للاحتلال على إرجاع الهوية العراقية إلى مكوناتها الضيقة بشكل ما أو آخر سواء القومية منها أو حتى المذهبية، الأمر الذي ترك أثره الواضح على هشاشة مركزية الحكم في الدولة العراقية وركاكة بناء الثقة المتبادلة بين مختلف القوى السياسية، الأمر الذي انعكس بدوره على مجمل العملية السياسية ومكنوناتها، وهو ما أثار تساؤلات مشروعة عن ماهية الضمانات الواجب توفرها لاستقامة العملية السياسية في العراق في ظل غياب قوى الاحتلال عسكرياً وفي ظل الانعدام النسبي للثقة المتبادلة بين الكتل السياسية، لاسيما أن المشهد السياسي العراقي تعرض إلى أزمات سياسية تزامن ظهورها مع توقيت إعلان الانسحاب العسكري الأمريكي من العراق، الأمر الذي يدفعنا وبإلحاح إلى القول إن المشهد العراقي ربما يتجه نحو الانحدار السياسي في ظل تعثره الحقيقي بين مد وجزر لمدة ثماني سنوات منذ الاحتلال ومن ثم فإن هناك احتمالية كبيرة لتدخلات أطراف إقليمية كلٌ حسب اتجاهه في التأثير على الوضع السياسي الداخلي والقرار السياسي للعراق، لذا ليس هناك اطمئنان استخباراتي للولايات المتحدة لانسحابها العسكري من العراق.

العراق الجديد ربما سيلعب دور الداعم للمخططات الأمريكية في الخليج العربي وليس الكابح لها

وبالمقابل فإن ذلك المشهد لا يغيّب الولايات المتحدة الأمريكية عن الساحة السياسية العراقية، لاسيما أنها كانت قد استبدلت وجودها العسكري بوجود سياسي غير مسبوق في العراق، إذ تشير بعض التقارير إلى أن السفارة الأمريكية في العاصمة بغداد تضم ما يقارب (15) ألف عنصر بين خبير ومتخصص في شتى المجالات السياسية والاقتصادية والاستخباراتية، الأمر الذي يدفعنا إلى القول باحتمالية جعلها مركز القيادة للعمليات والتخطيط في المنطقة انطلاقاً من بغداد، أما بالنسبة للاقتصاد العراقي فإنه يتجه نحو الارتباط بالاقتصاد الأمريكي عبر أطر وآليات معينة سواء اتفاقات وجولات تراخيص واستثمارات وشركات نفطية عاملة، الأمر الذي يتيح للولايات المتحدة الأمريكية استخدام الأداة الاقتصادية سبيلاً للتأثير في صناعة القرار السياسي الداخلي والخارجي للعراق، ناهيك عن الأدوات الأخرى المسماة أكاديمياً بـ (الأدوات الخفية) أي الأساليب الاستخباراتية والمخابراتية. كل ذلك يدفع بنا إلى التشكيك المشروع باستقلالية القرار والدور الإقليمي المتوقع أو الموظف للعراق لاسيما أن هناك اتفاقية الإطار الاستراتيجي ما بين العراق والولايات المتحدة التي تنتظر دورها في مرحلة ما بعد الانسحاب لتأخذ طريقها في التطبيق العملي لما سطر في ثناياها من بنود تحكم العلاقة المستقبلية بين الطرفين. لكن كل ذلك لا يمنعنا من القول إن هناك ثوابت ينبغي أخذها في الاعتبار في زمن ما بعد الانسحاب:

1- إن قمة الثوابت الوطنية العليا هي وحدة العراق شعباً وأرضاً.

2- إن أمن العراق (الأمن الوطني) من أمن وسلامة واستقرار العراقيين ورفاهيتهم.

3- العمل المكثف لبناء العراق بوصفه دولة مؤسسات، أي دولة من أجل الدولة العراقية.

4- إدراك القوى السياسية أن مرحلة الصراع يجب أن تنتهي لصالح التعاون بينهم من أجل الصالح العام للدولة العراقية.

5- انطلاقاً من أهمية العراق وخاصةً على المستوى الإقليمي ينبغي أن تكون العلاقة مبنية على حسن الجوار، ليؤسس له دور جديد إيجابي.

6- العمل على خروج العراق من الفصل السابع لانتفاء الأسباب الموجبة لذلك.

المشهد العراقي ربما يتجه نحو الانحدار السياسي في ظل تعثره الحقيقي بين مد وجزر لمدة ثماني سنوات

ثانياً: الانسحاب الأمريكي وبيئة الأمن الخليجي

يثير موضوع الانسحاب الأمريكي من العراق تساؤلات عن الأبعاد الاستراتيجية للانسحاب في نهاية 2011 ودوافعه، وهل هو انسحاب بالمعنى المعروف، أم هو إعادة انتشار وانفتاح استعداداً لعمل عسكري مقبل محتمل.

فالقوات الأمريكية خرجت من العراق وتمركزت في الكويت ودول الخليج العربية، وباستطاعة هذه القوات العودة إلى العراق وبسرعة كبيرة بسبب القرب الجغرافي وقابلية الحركة العالية التي تمكنها من ذلك وخلال فترة قصيرة. ويلاحظ المراقب للأحداث أن هذه العملية جاءت في مرحلة تصاعدت فيها الضغوط على إيران بشكل متدرج بدءاً بالإعلام، ثم العقوبات الاقتصادية، واتهام إيران باغتيال رفيق الحريري، وإدارة تجارة المخدرات التي تهرب من أمريكا اللاتينية إلى الولايات المتحدة الأمريكية لصالح إيران، ثم الإعلان عن اكتشاف مؤامرة تدبرها إيران لاغتيال السفير السعودي في واشنطن، إذ وصفت الولايات المتحدة هذه الأعمال بأنها تهديد للأمن القومي الأمريكي وعلى الأرض الأمريكية، يضاف إلى ذلك اتهام إيران بدعم وتمويل وتدريب الجماعات المسلحة التي تستهدف القوات الأمريكية، ويشير ربط هذه الأحداث بالبرنامج النووي الإيراني والتقرير الأخير للوكالة الدولية للطاقة الذرية المثير للشكوك حول هذا البرنامج واحتمالات استخدامه في المجالات العسكرية وحالة الغليان الشعبي في العديد من دول الإقليم إلى احتمال إقدام الولايات المتحدة على القيام بعمل عسكري يستهدف ضرب أهداف داخل إيران يفضي تدميرها إلى إحداث تغييرات جذرية في الموقفين السياسي والعسكري لوضع حد لطموحات وتطلعات إيران النووية والإقليمية والتي تتعارض مع سياسات وأهداف الولايات المتحدة في منطقة الخليج العربي والشرق الأوسط، لاسيما بعد التهديد الإيراني الأخير في ما يتعلق بإمدادات النفط والذي جاء على لسان قائد البحرية الإيرانية حبيب الله سياري في 30/12/2011 بالقول (إن قضية إغلاق مضيق هرمز أمام ناقلات النفط سيكون أسهل من شرب كأس ماء إذا ما استدعت الضرورة ذلك) وهو تهديد واضح وصريح دفع الولايات المتحدة إلى القول إن ردها هذه المرة سيتجاوز العقوبات الاقتصادية في حالة إقدام إيران على مثل هكذا إجراء لما ينطوي عليه من خطورة تهدد ناقلات النفط العالمية. لذا نلاحظ أن هناك بوادر أزمة تلوح في الأفق وتتصاعد حدتها، وفي الوقت ذاته يضيق الطوق على إيران المحاصرة بالعقوبات الاقتصادية والضغوط السياسية والوجود العسكري الأمريكي، ويتزامن هذا الفعل مع تشديد الضغوط على سوريا وعزلها، وتكثيف الخطاب السياسي الأمريكي الداعي للحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان لإحداث تصدع وانفصال في العلاقة بين الشعب الإيراني وقيادته السياسية، لذا تضعنا هذه الأحداث المتفاعلة في البيئتين الإقليمية والدولية أمام احتمالين:

1- الضغط على إيران لإجبارها على الدخول في مفاوضات حول برنامجها النووي مقابل وعود وحوافز للتخلي عن طموحاتها النووية.

2- اللجوء إلى استخدام القوة في حال فشل المسعى الأول، فالولايات المتحدة لا تسمح لأي طرف بتهديد مصالحها، أو الإخلال بالتوازن في الشرق الأوسط.

وفي كلتا الحالتين فإن العراق ودول مجلس التعاون الخليجي ستتعرض إلى مخاطر أمنية، لاسيما إذا ما أخذنا في الاعتبار طبيعة الأهداف التي قد تتعرض للهجوم داخل إيران، وهل هي منشآت نووية، كيماوية، أم بيولوجية، وموقعها أو مدى قربها أو بعدها عن الحدود العراقية وحدود دول مجلس التعاون الخليجي؟ كذلك من الأمور التي يجب أخذها في الاعتبار هو طبيعة الرد الإيراني والأهداف المحتمل استهدافها داخل العراق أو دول مجلس التعاون الخليجي والمتمثلة في الأهداف والمصالح الأمريكية.

ليس هناك اطمئنان استخباراتي للولايات المتحدة لانسحابها العسكري من العراق

ثالثاً: مستقبل الدور المتوقع للعراق إقليمياً

لا جدال في أن المستهدف من عملية احتلال العراق في عام 2003 هو ليس العراق بحد ذاته بل هي خطوة أولى لاستهداف إقليم الشرق الأوسط عموماً وإحكام القبضة على إقليم الخليج العربي بصورة خاصة، لذا فما إن احتل العراق من قبل الولايات المتحدة الأمريكية حتى بدأت رياح التغيير في الخريطة الجيواستراتيجية تلوح في الأفق. وهذا ليس بالأمر الغريب لطالما أن كل شيء كان مخططاً له مسبقاً في دوائر الفكر الاستراتيجي والمؤسسات الاستخباراتية الأمريكية. إذ إن احتلال العراق مثّلَ نهاية وبداية في الوقت ذاته، فهو نهاية لنظام سياسي لم يحسن التصرف مع الولايات المتحدة الأمريكية مظهراً العداء لها ومهدد لمصالحها في الخليج العربي (لطالما اعتبرته الولايات المتحدة منطقة نفوذ وجزءاً من أمن قومي أمريكي) بأفعال لم تنطو على التهديد فقط، بل وضعت موضع التنفيذ الميداني كما هو الحال مع حرب الخليج الثانية وأسبابها، فضلاً عن نهاية لفلسفة حكم ودولة دامت ثلاثة عقود. وفي الوقت ذاته هو بداية لدولة جديدة تحمل عقيدة جديدة وفلسفة حكم جديدة لتكون حليفاً للولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة والتي قد تكلف بدور مستقبلي (من المؤمل أن يكون على المدى المتوسط القريب)، أي أن العراق الجديد ربما سيلعب دور الداعم للمخططات الأمريكية في الخليج العربي وليس الكابح لها في ظل مؤهلاته الداعمة لذلك من مقومات المكانة والموارد لتأدية هذا الدور المنوط به إقليمياً، وبذا من المحتمل أن يغدو العراق أداة للمواجهة والتغيير السياسي والاقتصادي الإقليميين وبدوافع جلها من قبل الطرف المتحكم في نمط التغيير المطلوب. لذا تهدف الولايات المتحدة إلى جعل العراق نموذجاً لدولة ديمقراطية – ليبرالية للتأثير في منطقة الخليج العربي خاصة، ومن ثم محيط الشرق الأوسط عامة، لتغيير العقلية والثقافة وبما يلائم الأنموذج الأمريكي وعلى جميع الصعد.

السفارة الأمريكية في العاصمة بغداد تضم ما يقارب (15) ألف عنصر

إذ إن الولايات المتحدة تريد من العراق بعد استقراره بشكل كامل أن يكون حليفاً وليس عبئاً، والحليف يجب أن يكون له دور مؤثر على صعيد الإقليم بالدرجة الأولى ومن ثم التوسع لخدمة مصالح الحليف على الصعيد الدولي بالدرجة الثانية. من هنا بدأت عملية ترويج السياسة الأمريكية عبر إقامة النموذج الديمقراطي الممثل في العراق الجديد، فالولايات المتحدة تريد تقديم العراق على أنه النموذج الديمقراطي الأمثل الذي يمكن أن يساهم بنشر الديمقراطية في المنطقة.

كل ما تقدم يقودنا إلى إبراز احتمالية عودة فكرة الدعائم أو إقامة المرتكزات لدعم وتحقيق الأهداف الأمريكية في إقليم الشرق الأوسط عبر محور ثلاثي (العراق – تركيا – إسرائيل)، فمن غير المستبعد أن يوظف العراق للقيام بدور إقليمي على المدى المنظور وفق توجيه أمريكي باعتباره النموذج الجديد المطروح على وفق النمط الأمريكي في الشرق الأوسط. إذ أرادت الولايات المتحدة من العراق أن يكون نقطة انطلاق نحو تحقيق أهداف أخرى وفق نظرية (الدومينو) ومن ثم إمكانية إيجاد قيم جديدة معززة للوجود الأمريكي بدل القيم التي أسقطت مع سقوط حجر الدومينو، لاسيما أن الإدارة الأمريكية السابقة كانت قد أفصحت علناً عن ذلك بالقول (إن القيم الأمريكية السياسية قد باتت قيماً كونية ولهذا يجب أن تنقل إلى المجتمعات والأنظمة السياسية في العالم)، من هنا أريد للعراق مكانة جديدة تختلف عن مكانته السابقة لتؤمن نقل هذه القيم الأمريكية الممثلة في النظم الديمقراطية والليبرالية لدول منطقة الخليج والشرق الأوسط بشكل عام، ومن ثم جعل العراق النموذج الرائد والمروج والداعم للمخططات والسياسات الأمريكية في الخليج العربي. أما تركيا فقد رمت بنفسها في العمق الأمريكي للقيام بأدوار كفيلة بوضع مصلحة الولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة نصب أعينها، فهي الدولة التي دخلت وبقوة في مجمل قضايا الشرق الأوسط بما ينسجم والرؤى الغربية الأمريكية - الأوروبية، كما أنها الدولة التي تدعم حركات التغيير ضد النظم السياسية في دول المنطقة سياسياً على أقل تقدير، ولعل خير دليل ذلك الانقلاب المفاجئ في التعامل مع النظام السوري على أثر الأزمة التي تشهدها سوريا، متجاهلة بذلك العديد من الاتفاقيات الاقتصادية والسياسية المعقودة بين الطرفين واحترام سيادة الدولتين وحسن الجوار، لا بل أحياناً تلوح بتحريك قطعات من الجيش التركي على الحدود السورية كورقة ضغط على النظام السوري، فضلاً عن احتضان التيارات المعارضة للنظام السوري وتوفير ملاذ آمن لها، كل ذلك لا يثير الحساسية في التعاطي مع الموقف لطالما كانت المسألة تهم الجانب الأمريكي ولطالما ليس هناك أدنى وجه مقارنة بين المصالح التي تربط تركيا بالولايات المتحدة على الصعيد الاستراتيجي عن تلك المصالح التي تربطها بسوريا، وكذلك هي الدولة التي تغازل من خلالها الولايات المتحدة الأمريكية إيران في بعض المسائل الحساسة والتي قد تدفعها للجلوس مرغمة أحياناً على طاولة المفاوضات. أما إسرائيل فكل تغيير تشهده المنطقة يصب في مصلحتها لطالما أنه يخدم الجهة القائمة به والتي تربطها بها علاقة تحالف استراتيجي طويل المدى.

المراجع:

* أ.م.د سرمد زكي الجادر، علي حسين العكيدي، ندوة علمية بعنوان: (الأبعاد الاستراتيجية للانسحاب الأمريكي من العراق) أقامها قسم الاستراتيجية بكلية العلوم السياسية - جامعة النهرين_ بغداد بتاريخ 28/12/2011.

* محمد وائل القيسي، القوى الإقليمية والتغيير في الشرق الأوسط، بحث قيد النشر.

كلمات دليلية

الشركات المعلنة