انت هنا: الرئيسية العدد 89مقالاتالاستراتيجية الأمريكية بعد الانسحاب من العراق

الاستراتيجية الأمريكية بعد الانسحاب من العراق

انشأ بتاريخ: الأربعاء، 01 شباط/فبراير 2012

بصرف النظر عما إذا كانت الولايات المتحدة الأمريكية قد سحبت قواتها كلياً من العراق كما تقول أو كما تقوله الحكومة العراقية عنها، أو أنها لم تنسحب كلياً ولا تزال تحتفظ بوجود عسكري مؤثر في العراق كما تقول تقارير وجهات أخرى، فإن الولايات المتحدة الأمريكية لم تجيش الجيوش وتخوض حرب احتلال العراق وتسيطر على منابع النفط وتدمر أكبر قوة عربية لتسحب قواتها بعد ثماني سنوات هكذا وإن تكبدت خسائر كبيرة، من دون أن يكون لها وجود طويل الأمد في العراق وفي محيطه الإقليمي.

لابد أن نشير إلى أن الاستراتيجية الأمريكية تقوم على أن الولايات المتحدة الأمريكية لن تقبل: أن تتسامح حيال عدد من القضايا الأساسية أبرزها:

أولاً: سيطرتها على منابع النفط وإمداداته والسعي إلى الهيمنة على مصادر الطاقة الأخرى.

ثانياً: أمن (إسرائيل) وبقاؤها.

ثالثاً: امتلاك بعض الدول لا سيما الإسلامية لأسلحة الدمار الشامل أو نظم صاروخية متقدمة.وعلى وفق الاستراتيجية الأمريكية فإن أخطر عدو تواجهه الولايات المتحدة وأمنها القومي هو التحالف بين الأصولية والتكنولوجيا، مما يمكّن من احتمال التهديد ووقوعه في أي لحظة، الأمر الذي يجعل من الضروري الانتقال من سياسة الردع والاحتواء إلى سياسة الضربة الوقائية، التي تمنع حصول التدمير.

رابعاً: قيام أنظمة راديكالية (يسارية أو قومية أو أصولية) على أنقاض نظم موالية لها.

خامساً: اضطلاع أية دولة عربية بمشروع تنموي طموح مستقل عن سياق العولمة المؤمركة.

سادساً: قيام تكتل عربي يكون قوة إقليمية مؤثرة تنتهج سياسة تتقاطع مع السياسة الأمريكية في المنطقة والعالم.

أما القضايا الدولية والسياسية الأخرى مثل قضايا الديمقراطية والانقلاب عليها وحقوق الإنسان ومعاداة السامية والأرمن ومسلمي الشيشان وسواهم والمخدرات وغيرها، فهي وإن اتخذت ذرائع للتدخل في شؤون الدول الأخرى، فإنها تقع في وارد الأخذ والرد ولا تعد قضايا حاسمة للولايات المتحدة الأمريكية، فضلاً عن المعايير المزدوجة التي تستخدمها الولايات المتحدة إزاء القضايا المتماثلة.

هذه ثوابت في الاستراتيجية الأمريكية الشاملة ولاسيما استراتيجيتها تجاه المناطق الجيواستراتيجية الحيوية وفي مقدمتها الوطن العربي والعالم الإسلامي، حيث تتركز مصادر الطاقة الرئيسية النفط والغاز، وتوجد قضية ما يسمى (أمن إسرائيل) والحركات السياسية والدينية المتهمة بالإرهاب أمريكياً.

هذا التركز الاستراتيجي والجيواستراتيجي في المنطقة وقلبها العراق الذي يمتلك ثاني أكبر احتياطي نفطي في العالم، يجعل أي حديث عن انسحاب أمريكي تام من العراق، أمراً لا يتسق والمطامح والمصالح الاستراتيجية الأمريكية.

ولهذا، فالولايات المتحدة الأمريكية وعلى وفق استراتيجيتها، لابد أن تحتفظ بوجود قوي في العراق، فضلاً عن الوجود العسكري الكثيف والمتعدد الأشكال في منطقة الخليج العربي، قد تختلف أشكاله، موظفون مدنيون، شركات أمنية، مدربون، وجود قوات قرب الحدود، طيران، تحالفات سياسية مع قوى محلية، شركات نفط، استثمارات، وجود استخباري، قد تختلف أشكال هذا الوجود، لكن وظائفه تبقى واحدة لا تخرج عن إطار خدمة الوجود الأمريكي طويل الأمد في المنطقة. بيد أن هذا الوجود الأمريكي يواجه تحديات مختلفة تتعلق بالداخل العراقي والإقليمي وبالوضع الداخلي الأمريكي.

الحديث عن انسحاب أمريكي تام من العراق أمر لا يتسق والمصالح الاستراتيجية الأمريكية
الولايات المتحدة وفق استراتيجيتها لابد أن تحتفظ بوجود قوي في العراق
الولايات المتحدة الأمريكية لم تجيش الجيوش وتخوض حرب احتلال العراق لتنسحب دون فائدة

وقدر تعلق الأمر بالعراق فإن الاحتلال الأمريكي عام 2003 الذي دمر البنية التحتية وحل الجيش والأجهزة الأمنية، لم يعمد إلى إعادة بناء الجيش والقوات المسلحة على أسس مهنية ووطنية وإنما أمر بريمر الحاكم المدني الأمريكي في حينه بتكوين قوات عمادها الميليشيات المسلحة للأحزاب التي تولت السلطة بعد الاحتلال. ولما كان ذلك قد استمر في ظل دستور تم وضعه ليكرس المحاصصة الطائفية والعرقية، فالخلل ظل قائماً منذ الاحتلال حتى عشية الحديث عن الانسحاب الأمريكي من العراق نهاية عام 2011.

إن بقاء العراق من دون قوات مسلحة وطنية مبنية على أسس مهنية يهدد أمن البلاد ووحدتها واستقرارها، ومن ثم فإن العراق والحالة هذه يبقى منطقة فراغات استراتيجية تسعى القوى المجاورة إلى ملئها. وفي هذا الصدد، يجري الحديث عن نفوذ هذه الدولة أو تلك لاسيما إيران وتركيا. وهنا يبرز سؤال يتعلق بالاستراتيجية الأمريكية مفاده: هل الولايات المتحدة معنية ببناء عراق قوي؟ أم أنها تريده أن يبقى واهناً توجهه كما تشاء وتؤثر في وضعه الداخلي؟ وكيف يمكن أن يكون شكل الشراكة التي يتحدث عنها الطرفان الأمريكي والعراقي إذا كان أحدهما قوة عظمى والآخر بلد ضعيف ويجلس على محيط من النفط؟

إن الولايات المتحدة الأمريكية لم تظهر عزماً من أي نوع على بناء عراق قوي على أنقاض ما دمرته هي أثناء الغزو والاحتلال على مدى السنوات الماضية، في الوقت الذي كان فيه الدستور مبنياً على المحاصصة الطائفية والعرقية والحكومات المتعاقبة التي تشكلت على هذا الأساس غير قادرة على إنجاز مهمات البناء الوطني المطلوب، فضاعت أموال البلاد في ظل اتهامات واسعة بالفساد المالي والإداري لموظفين بدرجات وظيفية عالية، الأمر الذي يدفع إلى المزيد من التساؤل حول طبيعة الاستراتيجية الأمريكية تجاه العراق ولماذا تريده أن يبقى واهناً؟ ومن هنا تتكشف حقيقة أن ذلك يخدم رغبتها في البقاء طويل الأمد في العراق والمنطقة ويقع في إطار سياسة التخادم بينها وبين القوى الإقليمية الساعية إلى مد نفوذها إلى العراق، فضلاً عن أن إبقاء البلد ضعيفاً من شأنه أن يخدم مشاريع الفيدرالية التي طرحها نائب الرئيس الأمريكي بايدن، والتي بدأت طلائعها تترى نتيجة الشعور المعلن عنه بالإقصاء والتهميش وغياب التوزيع العادل للثروات الوطنية الذي تعاني منه أغلب المحافظات. وهناك تحديات تتعلق بالانقسامات السياسية وغياب المصالحة الوطنية الحقيقية التي تحتاج إليها البلاد لإيجاد بناء داخلي متماسك ولمواجهة المخاطر الخارجية.

أما الاستراتيجية الأمريكية تجاه محيط العراق الإقليمي فلا تخرج عن الثوابت الستة التي أشرنا إليها آنفاً والمتصلة بالدرجة الأساسية بالبقاء الأمريكي طويل الأمد والسيطرة على مصادر الطاقة وقوس النفط الممتد من الخليج العربي حتى بحر قزوين، وما يعنيه ذلك من التحكم في مصادر الطاقة وحاجات الدول الكبرى من النفط والغاز وما يتبع ذلك من تأثير في استراتيجياتها الدولية، والمحافظة على أمن (إسرائيل) ومنع أي قوة عربية أو إسلامية من امتلاك أسلحة الدمار الشامل.

لذلك فإن الولايات المتحدة تتعامل مع القوى الإقليمية والدول الكبرى المتصلة بها وفق سياسات تحد من تهديدها للاستراتيجية الأمريكية ومصالح الولايات المتحدة في المنطقة، بل إنها تسعى إلى وضع سياسات القوى الإقليمية والدولية في خدمة استراتيجيتها الشاملة. أما كيف يحدث ذلك، فإنه يتم عبر سياسة الترغيب والترهيب. ففي الوقت الذي تسمح فيه الولايات المتحدة للقوى الإقليمية بمد نفوذها في العراق والمنطقة، وتسمح أيضاً لها بالحصول على مصادر القوة بحدود تكفي لإخافة دول الخليج العربية لابتزاز هذه الدول كما فعلت دائماً، فإن الولايات المتحدة تثير قضايا أخرى للضغط على القوى الإقليمية مثل ملف المفاعل النووي الإيراني وفرض أشكال متعددة من الحصار على إيران والتهديد بتشديد الحصار على إيران وتحريك الداخل ضد حكومته، وتملك الولايات المتحدة ملفات عديدة للضغط على تركيا مثل إعطائها دوراً إقليمياً في المنطقة، ووجود تركيا في حلف شمال الأطلسي ودورها المحتمل في امتداده ليصل عبر العراق إلى منطقة الخليج العربي. كما أن هناك ملفات أخرى تتعلق بطلب تركيا الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي والدور الأمريكي الممكن في هذا الشأن لاسيما أن الولايات المتحدة الأمريكية يمكنها التأثير في مواقف العديد من الدول الأوروبية لمساندة الطلب التركي من عدمها. وهناك ملفات اقتصادية تتعلق بمرور أنابيب النفط والغاز من آسيا الوسطى وبحر قزوين وغير ذلك.

أما تحديات الداخل الأمريكي فإنها تمثلت في تصاعد المطالبة بالانسحاب من العراق خلال ولاية الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن حيث تراجعت شعبيته تراجعاً كبيراً نتيجة الخسائر البشرية التي تكبدتها قوات الاحتلال الأمريكي في العراق نتيجة مقاومة الشعب العراقي لقوات الاحتلال إذ بلغت خسائر الولايات المتحدة حسب إحصاءات وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون)(4487) قتيلاً منذ غزو العراق واحتلاله في التاسع عشر من شهر مارس عام 2003، وكان عدد القتلى حسب الإحصاءات الرسمية الأمريكية، قد بلغ حتى 31 أغسطس من عام 2010، أي مع انسحاب آخر دفعة من القوات الأمريكية القتالية من العراق حسب البيانات الرسمية، 4421 عسكرياً، قضى 3492 منهم خلال مشاركتهم في الأعمال القتالية، بينما بلغ عدد الذين أُصيبوا جرَّاء العمليات (32000) جريح.

أما الخسائر المادية، فقد قدَّرت وحدة البحوث في الكونغرس الأمريكي، وهي هيئة بحثية مرموقة وتتجاوز الأحزاب، أن تكون الولايات المتحدة قد أنفقت مع نهاية العام المالي 2011 مبلغاً قدره 802 مليار دولار على تمويل الحرب، وقد جرى بالفعل تخصيص 747.6 مليار دولار منها. وهناك تقديرات أمريكية وغير أمريكية لخسائر الولايات المتحدة تبلغ أضعاف هذه الأرقام.

ونريد أن نقول إن الاستراتيجية الأمريكية الشاملة والتي اندفع المحافظون الجدد لاستثمار توجهاتها واحتلال العراق بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 واحتلال افغانستان (إذ احتل العراق عام 2003 لإحكام سيطرة الولايات المتحدة على مصادر الطاقة)، واجهت مقاومة شديدة في العراق وتكبدت الولايات المتحدة خسائر مؤثرة، الأمر الذي استثمره الديمقراطيون ومرشحهم الرئيس أوباما للفوز بالانتخابات بعد أن تصاعدت النقمة الشعبية على استمرار الحرب في العراق حيث وعد أوباما ناخبيه بسحب القوات الأمريكية من العراق.

بيد أن الأزمة الاقتصادية العالمية والمشكلات الاقتصادية داخل الولايات المتحدة استثمرت من قبل الجمهوريين الذين سيطروا على مجلس النواب في انتخابات ديسمبر 2010 في الوقت الذي احتفظ فيه الديمقراطيون بأغلبية في مجلس الشيوخ.

وفي مواجهة الحملات المستمرة للجمهوريين ضد الرئيس أوباما، لابد له أن يقدم ما يعده إنجازاً وهو سحب القوات الأمريكية من العراق حسبما وعد به الأمريكيين وناخبيه إبان حملته الانتخابية.

إذاً، كان لابد لأوباما أن يعلن الانسحاب الكامل لقواته لصرف الأنظار عن ثلاث قضايا أساسية وهي:

أولاً: إيفاءً بوعده لناخبيه واستعداداً للانتخابات المقبلة.

ثانياً: لتجنب أي حديث عن بقاء القوات الأمريكية بعد توقيع الاتفاقية الأمنية مع العراق والتي تسمى اتفاقية الانسحاب.

ثالثاً: لتجنب طلب الحصانة للقوات المتبقية في حال وجودها والذي يواجه رفضاً عراقياً.

رابعاً: إن فكرة الإعلان عن الانسحاب مع الإبقاء على وجود طويل الأمد، تستجيب لقوى الضغط داخل الولايات المتحدة لأنها تنسجم مع الاستراتيجية الشاملة للولايات المتحدة.

كلمات دليلية

الشركات المعلنة