;
الصفحة السابقة

ظاهرة تفجير أنابيب النفط العراقية الملابسات والدوافع والآثار المستقبلية

انشأ بتاريخ: الإثنين، 01 آب/أغسطس 2005

ينبه هذا الكتاب إلى نقطة ضعف خطيرة في الاقتصاد العالمي هي أنابيب نقل النفط والغاز التي يمكن أن تكون هدفاً مثالياً لتنظيم القاعدة والتنظيمات القريبة منه فكراً وعملاً من الجماعات الإسلامية الراديكالية.

ويطرح الكتاب، الذي ألفه الدكتور عمار علي حسن ونشره مركز الخليج للأبحاث، سؤالا رئيسيا هو هل تمثل الجماعات الإسلامية الراديكالية مصدراً محتملاً لتهديد أمن النفط والغاز؟ يبرهن الباحث على سلامة أطروحته من خلال مسارين يسيران متوازيين طوال البحث: المسار الأول هو رصد الجماعات الإسلامية الراديكالية بفروعها ومناطق انتشارها المختلفة ودوافعها وأهدافها وأساليب عملها، كذلك جماعات أخرى ذات توجهات سياسية مختلفة يوردها الباحث على سبيل المقارنة. المسار الثاني هو أماكن تمركز الاحتياطيات النفطية والغازية ومنشآتها لاسيما تلك الاحتياطيات التي يحتاج نقلها إلى أنابيب تمتد إلى مسافات طويلة وهو ما يجعلها أكثر عرضة للهجمات.

ويخصص الباحث الفصل الأول لرصد تأثير العنف والصراعات السياسية في معابر الطاقة، وينقسم بدوره لأجزاء على أساس نوع الصراع السياسي في كل منطقة.

الجزء الأول هو الحالات التي يكون هدف العنف الموجه ضد أنابيب النفط هو الحصول على عوائد مادية والضغط على الحكومات لأسباب اقتصادية واجتماعية وتمثل الحالتان اليمنية والنيجيرية نموذجا لهذا النوع من العنف. أما الجزء الثاني فيتناول الحالات التي يكون استهداف أنابيب النفط صدى لحالات عنف مسلح وصراع داخلي على أرضية سياسية مثل الحالتين الجزائرية والكولومبية.

ويضع الباحث الصراع في جنوب السودان ضمن هذه الفئة، رغم أنه أكثر تشابها بالجزء الثالث الذي يضم حالات استهداف النفط تحت طائلة الحركات الانفصالية مثل حالة أكراد تركيا وإقليمي أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا في جورجيا والشيشان في روسيا. ويبرر الباحث عدم ضمه للحالة السودانية لهذا الفصل بأن الحركة الشعبية لتحرير السودان لا تطرح خطابا انفصاليا صريحا، ولكن هذا يمكن أن ينطبق نسبيا على أكراد تركيا، إذ بات خطابهم يشير في الفترة الأخيرة إلى الرغبة في التخلي عن الطموح إلى الاستقلال والاكتفاء بالحصول على حكم ذاتي واسع النطاق.

وفي هذا الجزء يستعرض الباحث الإمكانات النفطية الكامنة في منطقة بحر قزوين، ويشير إلى أنه من المتوقع أن تصدر هذه المنطقة نحو 10 ملايين برميل يوميا عام 2010 وهو ما سيجعلها منطقة مهمة للغاية بالنسبة للدول المستوردة للنفط سواء الغربية أو الآسيوية، وفي نفس الوقت فإنها إحدى المناطق المرشحة للتعرض لهجمات إرهابية تستهدف أنابيب الطاقة كما سيشرح في فصول تالية.

وفي الجزء الرابع يشرح الباحث احتمالات تأثير الصراعات الإقليمية في أنابيب النفط والغاز، ويمثل الصراع الأذربيجاني - الأرميني نموذجاً صارخاً لهذه الحالة. وفي الفصل الثاني، يستعرض الباحث مواقف الحركات الإسلامية بصفة عامة من الاقتصاد ولاسيما مسألة النفط، ويلفت الانتباه إلى أن وثائق الحركات الإسلامية الراديكالية مثل الجماعة الإسلامية وتنظيم الجهاد في مصر تشير إلى إدراكهم أهمية الاقتصاد في الضغط على الحكومات.

ويشير إلى أن الحركات الإسلامية بصفة عامة ترفض مشروعات الهيمنة الغربية على العالمين العربي و الإسلامي، والتي يمثل النفط أحد دوافعها، ويربط الباحث ذلك بظهور نداءات شعبية تطالب باستخدام النفط للضغط على الولايات المتحدة لتغيير سياساتها تجاه القضايا العربية وخاصة فلسطين.

ويرى أن الجماعات الإسلامية الراديكالية قد تجد نفسها مضطرة إلى تنفيذ هذه المطالب بشكل مختلف يتمثل بالتأثير في إمدادات الطاقة للغرب من خلال تفجير أنابيب النفط والغاز أو ضرب منشآت نفطية، ويطرح ثلاثة أسباب يفترض أنها يمكن أن تكون دافعا للإرهابيين لاستهداف منشآت أو أنابيب النفط، هي حرمان الأنظمة من عائدات النفط، والانتقام من الدول الكبرى سواء بحرمانها من مصادر الطاقة أو بضرب شركاتها النفطية، وسرقة النفط واستخدام عائداته في أغراضهم المختلفة.

الفصل الثالث، وفيه يختبر الباحث صحة افتراضه بأن الراديكاليين الإسلاميين يمثلون تهديدا لخطوط نقل الطاقة، فيقول إنه رغم تأثر (القاعدة) بالحرب على الإرهاب، فإن هناك شواهد متعددة تدل على أنها لا تزال تمثل تهديدا، وأنها دخلت في حرب مفتوحة مع الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها، وأن ساحة هذه الحرب ممتدة بامتداد خلايا التنظيم النائمة في أنحاء العالم.

وينبه الباحث إلى أن وسائط نقل الطاقة في آسيا يمكن أن تمثل هدفا سهلا نسبيا للقاعدة، ويرى أن هذا يظهر بشكل خاص في منطقة آسيا الوسطى والقوقاز، إذ إن خطوط نقل الطاقة تتقاطع مع مسارات توزيع الجماعات الإسلامية الراديكالية في المنطقة.

وفي هذا الإطار، يشير إلى أن خطوط أنابيب نقل النفط والغاز من بحر قزوين إلى العالم الخارجي تتميز بارتفاع تكلفتها المبدئية، إذ تتراوح بين 21 و 23 مليار دولار بالنسبة للنفط، كما أنها ستنقل كميات كبيرة من النفط والغاز في المستقبل القريب لمسافات هائلة يبلغ مجموع أطوالها 8500 ميل بالنسبة للنفط و 7 آلاف ميل بالنسبة للغاز.

ويستعرض الكتاب الجماعات الراديكالية التي تنتشر في المنطقة ومناهجها الفكرية، فيوضح الباحث أن أغلب هذه الحركات تنشط في الجمهوريات التي لا تشاطئ بحر قزوين (بؤرة الثورة النفطية والغازية) باستثناء كازاخستان، إلا أنه يرى أن الطابع الإقليمي لهذه الحركات ووجود تنسيق مشترك بينها يجعلان خطورتها غير مقتصرة على الدول التي تأسست فيها، كما أن تركمانستان التي تشاطىء بحر قزوين مهيأة لتنامي نفوذ هذه الحركات نتيجة الاستبداد السياسي الذي تعانيه تحت حكم رئيسها صابر مراد نيازوف ولأن التركمان يعرف عنهم تمسكهم بمذهبهم السني. وتنشط أيضا بعض التنظيمات الإسلامية في إقليم سنيكيانج الصيني، ومن المفترض أن يمر بهذا الإقليم أنبوب ينقل النفط من كازاخستان إلى الصين، وآخر لنقل الغاز الطبيعي من تركمانستان إلى الصين أيضا.

ويستعرض الباحث خريطة الحركات الإسلامية في باقي مناطق آسيا مثل إندونيسيا والفلبين وباكستان وأفغانستان وماليزيا، ومعها خريطة الأنابيب النفطية. وتنتقل بوصلة الباحث للقارة الأوروبية، فيشير إلى أن منطقة البلقان وهي إحدى المناطق المرشحة لتكون معبرا للطاقة مرشحة أيضا لتكون ساحة عمليات في هذا المجال للجماعات الإسلامية الراديكالية خاصة أن بها أقليات مسلمة مهمة عانت من الاضطهاد تاريخيا.

و بالنسبة للمنطقة العربية، يرى الباحث أن خطوط نقل الطاقة فيها قد لا تسلم من تهديد هذه الجماعات التي قد تقرر الدخول في جولة صراع جديدة مع حكومات المنطقة في إطار العودة إلى ما عرف بمحاربة العدو القريب (الحكومات) خاصة أن الجسم الرئيسي للقاعدة يعود إلى العالم العربي.

ويحذر من أنه مع تراجع قوة التنظيمات الكبيرة مثل (الجهاد) أو رجوعها عن أفكارها القديمة مثل الجماعة الإسلامية فإنه قد تظهر حركات هامشية صغيرة يصعب رصدها. ويستعرض الباحث عددا من مشروعات الأنابيب في المنطقة العربية التي قد تكون هدفا لهجمات إرهابية.

ويحلل الباحث أطوال أنابيب النفط والغاز والمشتقات النفطية في كل أنحاء العالم، ويخلص إلى أن النسبة الأكبر منها توجد في الدول الكبرى المستهلكة للطاقة، ويرى أن هذا لا يقلل من خطر الهجوم عليها، خاصة أن الإرهاب أثبت قدرته على توجيه ضرباته في مناطق مختلفة من العالم.

أما الفصل الرابع والأخير في هذا الكتاب - وهو من أهم فصوله - فيدور حول مدى تأثر نفط الخليج باحتمالات تهديد وسائط نقل الطاقة، ويشير إلى أن الأمريكيين انتبهوا إلى التهديدات التي يمثلها الإسلاميون الراديكاليون على الموارد النفطية بالمنطقة.

ويرى الباحث أن تهديد نفط الخليج يقف عند حدود المنشآت النفطية نظرا لأن أغلب نفط هذه المنطقة قريب من مياه الخليج فهو لا يحتاج إلى خطوط أنابيب طويلة لنقله إلى موانئ التصدير كما هو الحال في منطقة بحر قزوين. ويؤكد أن دول الخليج تبدو أكثر أمنا في ما يتعلق بشبكات نقل الطاقة من دول بحر قزوين، ويرى أن أحد مصادر هذا الأمن يرجع للطابع السلمي للحركات الإسلامية في دول مجلس التعاون الخليجي.

ويشير إلى أنه رغم لجوء بعض الحركات في المنطقة إلى العنف أحيانا إلا أنه في المجمل العام فإن الحركات الإسلامية في الخليج تعتبر جماعات أصولية غير نضالية نسبيا، وذلك لظروف اجتماعية وسياسية واقتصادية أبرزها استمرار السمة القبلية لنظم الحكم، إضافة إلى تأثير الفوائض المالية النفطية، فضلا عن ضعف تأثير الوافدين نظراً لصرامة القوانين المنظمة لأوضاعهم.

ويرجح الباحث أن موجة الانتعاش النسبي التي دبت في صفوف المعارضة الإسلامية عقب حرب الخليج الثانية في المنطقة سوف تخمد، ويحث الباحث دول الخليج على تحقيق أمنها من خلال الأمن التعاوني بدلا من الأمن العسكري مع اتخاذ إجراءات داخلية لترسيخ أمنها أبرزها تقويض جذور التطرف وعدالة توزيع الثروات والاستثمار في بناء رأسمالها البشري وتوسيع المشاركة السياسية.

وفى نهاية هذا الفصل، يتناول الباحث المميزات التي يتمتع بها نفط غرب إفريقيا من الناحية الأمنية، فيشير إلى أن الموقع الجغرافي لدول هذه المنطقة المطلة على المحيط الأطلنطي يعطي لها ميزة نسبية في تصدير النفط مباشرة إلى الدول المستهلكة دون المرور عبر مضائق بحرية مثل نفط الخليج وهو ما قد يعرض الناقلات لهجمات إرهابية مثلما حدث في حالة السفينة الفرنسية قبالة السواحل اليمنية خلال أكتوبر 2002.

إلا أنه يرى أن التصور الزاعم أن النفط الإفريقي يتمتع بأمان نسبي يبدو من قبيل التفاؤل المفرط، فدول غرب إفريقيا تعاني من انقسامات عرقية وقبلية وخلافات دينية و صراعات حدودية يمكن على الأقل أن تمثل خطراً على المنشآت النفطية.

ولا يتطرق الباحث في هذه المنطقة إلى النشاط المحتمل للجماعات الراديكالية، ويرجع ذلك إلى أن هذه المنطقة لا تعرف نشاطا مكثفا لهذه الجماعات. ويخلص الباحث إلى أن الحديث الذي يدور في الغرب عن تهميش النفط العربي لا يستند إلى حقيقة أو واقع، إلا إذا كان هناك مخطط مبيت لإدخال المنطقة في سلسلة حروب وصراعات مستمرة.

وقد قدم الباحث في كتابه هذا تحليلا عميقا لتوزيع خطوط الطاقة وتقاطعاتها مع الجماعات الإسلامية الراديكالية، وذلك ليبرهن على مصداقية أطروحته، إلا أن الكتاب تنقصه خرائط جغرافية توضح هذه التقاطعات خاصة أن الموضوع يحمل نكهة جغرافية قوية.

ونقول في الختام إنه تم نشر هذا الكتاب عقب الغزو الأمريكي للعراق مباشرة، ويبدو أنه تم الانتهاء من إعداده قبيل الحرب وأضيفت إليه لاحقا أجزاء بسيطة عن الحرب، لذلك فإن تأثير الحرب لا يظهر واضحا فيه. وعلى أية حال فقد تم نشره قبل أن تتجه المقاومة العراقية لضرب الأنابيب والمنشآت النفطية، وبذلك كان العراق هو أول مختبر تتحقق فيه مصداقية أطروحة الباحث رغم أنه لم يركز كثيرا على استشراف ما سيحدث في العراق.

كلمات دليلية