انت هنا: الرئيسية العدد 90مقالاتالصراع على الغاز بين روسيا وأمريكا (2-2)

الصراع على الغاز بين روسيا وأمريكا (2-2)

انشأ بتاريخ: الخميس، 01 آذار/مارس 2012

في دراسة قيمة لراشد أبانمي اكتشف بالعمق أن ما حدث في منتصف الشهر السابع من عام 2009، حيث أُبرمت اتفاقية في العاصمة التركية أنقرة تمهد الطريق أمام إقامة مشروع خط أنابيب غاز ضخم لنقل الغاز من آسيا عبر الأراضي التركية في اتجاه دول الاتحاد الأوروبي ويصب في مستودعات كبيرة للتخزين تقع في بلدة حدودية داخل النمسا تسمى (Baumgarten an derMarch).

لوحظ أن المشاركين في التوقيع على هذه الاتفاقية إضافة إلى تركيا وأذربيجان، كان ثمة أربع دول أعضاء في الاتحاد الأوروبي: بلغاريا، رومانيا، المجر والنمسا، التي من المنتظر أن يمر بها الأنبوب، بحضور ألمانيا التي تشارك في تنفيذ المشروع، إلا أنها لم توقع على اتفاقية العبور كونها ليست بلد العبور، ولكن حضور المبعوث الخاص من قبل رئيس الولايات المتحدة باراك أوباما لشؤون الطاقة في أوراسيا ريتشارد مورنينجستار، عكس فعلياً أن هنالك رغبة في إنشاء خط له دلالة استراتيجية أكثر منه عملاً اقتصادياً طاقياً. فقد كان هنالك تبن واضح لحلف الأطلسي لهذا المشروع الذي دُعي (نابوكو) ما عكس أنه مشروع أقرب إلى أن يكون عسكرياً منه للطاقة فقط. ولعل في اختيار مفردة نابوكو الدلالة الأثر خطورة في استدعائه صورتين رمزيتين الأولى أنه أنغلوساكسوني فالتسمية (نابوكو)، شكلت تيمناً بمقطوعة أوبرا للموسيقا الكلاسيكية وتدور حول التحرر من العبودية في كناية عن التحرر من عبودية أوروبا لروسيا؛ وهي من تأليف المؤلف الرومانسي الإيطالي جيوسيبي فيردي في القرن التاسع عشر، والثانية أن الأوبرا (نابوكو) ترمز إلى قصة وردت في التوراة وتناولت المآسي التي مر بها اليهود عبر التاريخ، خصوصاً ما مر به اليهود من اضطهاد ونفي على يد الملك نبوخذ نصر. وكان في هذا إشارة ما إلى ضرورة أن يتحرر الغرب من أسر الشرق، فضلاً عن القول إن الخلاص لأوروبا يهودي الترميز.

إنه محاولة لاستثمار الطاقة ممثلة بالغاز لكل من القوقاز ووسط آسيا ودفعها غرباً من دون أن يكون لروسيا أي دور فيها، على خلفية الخوف الشديد من أن ترتهن أوروبا إلى روسيا، من خلال خط أنابيب يعبر بحر قزوين إلى أذربيجان ثم إلى النمسا من دون المرور بروسيا، وعلى استراتيجية حلف الناتو للاستمرار في تحرير جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابقة من الهيمنة الروسية.

جاءت أحداث 11 سبتمبر 2001 لتسارع الخطى نحو مشروع نابوكو، بملاحظة أبانمي فقد اتخذت أول خطوة عملية في بداية عام 2002 حينما وقع بروتوكول للاشتراك في المشروع بين تجمع قوة اقتصادية (كونسورتيوم) من شركة (OMV Gas) النمساوية و(MOL) المجرية و(ترانس غاز) الرومانية وشركة (RWE) الألمانية وشركة بوتكس التركية وشركة بلغاريا القابضة للطاقة البلغارية وشركة ترانزغاز الرومانية.

 ويعتمد المشروع على تصدير الغاز الطبيعي من المزود تركمانستان، التي تملك رابع أكبر احتياطي غاز في العالم من خلال تمرير خط أنابيب عبر حوض قزوين يحمل غاز تركمانستان إلى أذربيجان من دون المرور على الأراضي الروسية، ومنها إلى أرضروم في تركيا ثم سيمر ثلثا خط الأنابيب عبر أراضي تركيا ومن ثم يعبر بلغاريا ورومانيا ثم المجر إلى منتهاه في محطة تجميع ضخمة في مدينة Baumgarten an der March، في النمسا.

وصُممت نابوكو لنقل الغاز من تركيا إلى النمسا عبر 3900 كم ولتمرير 31 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي سنوياً من منطقة (الشرق الأوسط) وقزوين إلى الأسواق في أوروبا، وهو ما يعادل 5 - 10 في المائة من استهلاك الغاز الإجمالي في الاتحاد الأوروبي بحلول عام 2020، كون الاتحاد الأوروبي أحد أكبر الأسواق استهلاكاً للغاز في العالم، ويبلغ استهلاك الاتحاد الأوروبي السنوي الحالي 600 مليار متر مكعب، ويتوقع أن يرتفع استهلاكه بنحو 200 مليار متر مكعب إضافي بحلول عام 2030م.

ويرى ابانمي أنه لمجابهة مشروع نابوكو اتبعت موسكو عدداً من الوسائل لمواجهته منها ما هو قانوني واقتصادي وسياسي:

المحور الأول: قامت بإثارة قضية نزاع الملكية القانونية حول بحر قزوين وخاصة بخصوص مسار الأنبوب، وإمداداته وركّز على موقع تركمانستان الجغرافي المُغلق إلا من خلال المنفذ الوحيد روسيا وإطلالتها على بحر قزوين المغلق ووجود أكبر حقول الغاز التركمانستاني بالقرب من ساحل بحر قزوين، وقامت باللجوء إلى القانون الدولي وأثارت خلافاً قانونياً حقيقياً يستعصي على الحل بين الدول المطلة على بحر قزوين. ويتلخص هذا الخلاف من منظور روسي بالسؤال عن ماهية الصفة القانونية للمسطح المائي لبحر قزوين في ظل القانون الدولي.

ولإيضاح ذلك المبدأ، يفيد أبانمي بأن القانون الدولي بشكل عام يفرق بين الصفة القانونية للمسطح المائي فيما لو كان بحراً فإن القانون الدولي في هذه الحالة يحدد حقوق معيته للدول المطلة عليه، وتختلف هذه الحقوق إذا كانت صفة المسطح المائي حوضا أي (بحيرة)، فإنه تترتب عليه حقوق تختلف للدول المطلة عليه: فالبحر تحت القانون الدولي يتم تقاسم مياهه وثرواته حسب طول شواطئ الدول المحيطة به، وجرفها القاري.. إلخ، فيما إذا كان المسطح المائي حوضاً أو بحيرة فإن الوضع القانوني للملكية يختلف حيث يتم تقاسم مياهه وثرواته بالتساوي بين الدول المحيطة به.

يبلغ استهلاك الاتحاد الأوروبي السنوي الحالي من الغاز 600 مليار متر مكعب
روسيا تمتلك أكبر احتياطي للغاز في العالم يبلغ 47 في المائة
دخلت روسيا في عقود شراء غاز طويلة المدى مع كل حكومات الدول المزودة لخط أنابيب نابوكو
أصبح السباق ضارياً على حجز مقعد في النظام الدولي الجديد عبر الغاز

وتأسيساً على ذلك المبدأ، أثارت روسيا موضوع الصفة القانونية لبحر قزوين وتبنت تعريف حوض قزوين على أنه بحيرة متجددة بمياه أنهار الفولغا. وبناء على ذلك فالقانون الدولي يعطيها الحق بتقاسم مياهه وثرواته بالتساوي بين الدول المحيطة به كما ينص القانون الدولي على ذلك، هذا المحور من الاستراتيجية الروسية جعل من المستحيل، ليس فقط إنشاء خط أنابيب الغاز عبر حوض قزوين، بل حتى تطوير تركمانستان أو أذربيجان لأي حقول غاز على سواحل حوض قزوين في ظل هذا التعريف، إلى أن يتم الاعتراف به كبحر، وبالتالي فلا حق لأية دولة أخرى مطلة على البحر في حقول النفط والغاز على شواطئ الدول الأخرى المطلة على المسطح المائي.

المحور الثاني: قامت ببناء قوة شراء وبيع احتكارية في قطاع الغاز محلياً والتنسيق دوليا تزامناً مع تنفيذ المحور الأول من استراتيجيتها، ولذلك فقد سعت روسيا إلى تنفيذ المحور الثاني بشقيه الإقليمي والدولي وذلك في خطوات استباقية لمشروع نابوكو، وكان الشق الأول من المحور الثاني هو بناء قوة روسيا الاحتكارية في شراء كامل الغاز المنتج في أواسط آسيا وبالتالي احتكار بيعه عن طريقها وعبر أنابيبها العابرة للقارات، فإضافة إلى كونها تمتلك أكبر احتياطي للغاز في العالم، حيث تمتلك 47 في المائة وتعتبر المنتج الأكبر لهذه السلعة الاستراتيجية (29 في المائة)، فقد دخلت روسيا في عقود شراء غاز طويلة المدى من كل حكومات الدول المفترض منها ضخ الغاز في خط أنابيب نابوكو، كتركمانستان التي تنتج حالياً نحو 80 مليار متر مكعب سنوياً، وقامت روسيا بشراء أكثر من 50 مليار متر مكعب في عقود طويلة الأجل.

كما دخلت بعقود شراء طويلة الأجل مع أوزبكستان التي لديها احتياطي قدره 1.8 مليار متر مكعب من الغاز، حيث قامت روسيا بشراء كامل إنتاجها من الغاز في عقد طويل الأجل ينتهي عام 2018، وفي ضوء ذلك انسحبت تلك الدول من أي تعهد لإمداد (نابوكو)، وأعلنت تركمانستان من جانبها أخيراً أنه حتى لو بعد تطوير حقولها الغازية ووجود فائض في الغاز المنتج عن تلبية تعهداتها لروسيا والصين فلن تبيع الغاز لخط أنابيب نابوكو, كما أن أذربيجان التي يعول عليها كثيراً بعد انسحاب تركمانستان من إمداد النسبة الأكبر من الغاز المنقول إلى أوروبا، دخلت هي الأخرى في تعهدات مع روسيا بعقود بيع طويلة المدى، حيث وقعت روسيا معها في يونيو 2011، اتفاقاً لشراء حصة كبيرة من غازها، ولكنها أعلنت في الوقت نفسه أنها ستبيع الغاز لـ (نابوكو) إذا وجدت فائضاً لديها.

أما الشق الثاني من هذا المحور الاستراتيجي فهو قيام روسيا بتوطيد علاقاتها مع الدول المالكة لثاني وثالث أكبر احتياطي في العالم، وتمخض عن تلك الجهود الروسية المدروسة بإنشاء منظمة للدول المصدرة للغاز بينها وإيران التي تملك ثاني أكبر احتياطي وقطر التي تملك أكبر حقل غاز في العالم، وتضم أراضيها كميات من الغاز تضعها في المركز الثالث من حيث الاحتياطيات العالمية بعد روسيا وإيران. إن خطوة إنشاء هذه المنظمة التي تضم أول وثاني وثالث أكبر احتياطي في العالم هي خطوة زادت من تقوية موقع روسيا على ساحة الطاقة الدولية ووسيلة جديدة في بسط نفوذها الدولي في مجال الغاز، نظراً لامتلاك الروس الاحتياطي الأكبر لهذه السلعة الاستراتيجية في العالم (47 في المائة) وكذلك المنتج الأكبر لها، ولقد وافقت روسيا على أن تكون دوحة قطر مركزاً لهذه المنظمة في خطوة روسية تطمينية لأوروبا والولايات المتحدة.

المحور الثالث: تسريع العمل على إقامة السيلين الشمالي والجنوبي

التكاليف الأولية لهذا المشروع المنافس لغازبروم، والتي قدّرت قبل خمس سنوات بـ 11.2 مليار دولار، وستحقق أسعار غاز أقل من المشروع الروسي، سترتفع بسبب التأخير حتى عام 2017 إلى 21.4 مليار دولار مما يطرح تساؤلات حول مدى نجاح هذا المشروع الاقتصادي، خصوصاً مع استنفاد شركة غازبروم عقد الصفقات في أكثر من مكان لتطويق نابوكو التي ستقتات على القدرة الفائضة للغاز من تركمانستان، خصوصاً أن اللهاث الرئيسي الضائع الأثر وراء غاز (إيران) يُبعد حلم نابوكو عن أن يكون ذا قيمة واقعية. وهذا أحد أسرار الصراع على إيران التي زادت في التحدي عبر اختيار العراق وسورية مساراً لغازها أو لجزء أساسي منه على الأقل.

وهكذا، لا يعود لنابوكو من خيار إلا إمدادات حقل شاه دنيز الأذربيجاني لن تكون إلا المصدر شبه اليتيم لمشروع يبدو أنه متعثر منذ البداية من خلال تسارع صفقات ونجاحات موسكو في شراء مصادر نابوكو من ناحية، والصعوبة في إحراز تغيرات جيوسياسية في كل من إيران وشرق المتوسط: (سورية ولبنان)، في وقت تسارع فيه تركيا لحجز حصتها في مشروع نابوكو سواء لجهة توقيعها عقداً مع أذربيجان لشراء ستة مليارات متر مكعب من الغاز عام 2017 أو لجهة السعي لوضع اليد على سورية ولبنان إما لعرقلة مرور النفط الإيراني أو لنيل حصة في الثروة الغازية اللبنانية أو السورية أو لكليهما معاً. فيما يبدو السباق ضارياً على حجز مقعد في النظام الدولي الجديد عبر الغاز، وأشياء أخرى تمتد من الخدمات العسكرية الصغيرة إلى القبب الاستراتيجية للدرع الصاروخية.

وكأن الهدف الأخير من مشروع نابوكو هو إغراء دول منطقة آسيا الوسطى والقوقاز بالتمرد على روسيا: إن إنعاش الاتفاقية والتوقيع عليها في حد ذاته وسيلة لاستقطاب عدد أكبر من بلدان منطقة آسيا الوسطى والقوقاز وإغرائها بربطها عبر هذا الخط بمصالح اقتصادية مشتركة مع الغرب، وهذا واضح في تصريح رئيس الوزراء التركي،رجب طيب أردوغان خلال احتفال توقيع الاتفاقية حينما قال: (كلما اتخذنا خطوات أكثر (باتجاه تنفيذ المشروع)، ازداد اهتمام الدول المزودة (للاتحاد الأوروبي) بالغاز). والأخيرة أي تركيا، ترى أن هذا الأنبوب الذي سيكون أكثر من ثلثي طوله في تركيا، سيعزز من دورها الأوروبي وقبولها لدى الاتحاد كما هي رغبة الولايات المتحدة كذلك، وأن تركيا في حالة نجاح المشروع ستجني مبلغاً كبيراً من خلال مرور ذلك الأنبوب (نابوكو)، أي نحو 630 مليون دولار كرسوم عبور سنوية، كما أنه سيمكنها من شراء حاجاتها من ذلك الغاز بسعر مخفَّض، كما أن مشروع نابوكو يصب في جهد تركيا الحثيث لاجتيازها العقبات الـ 35 بفصولها المتعددة التي وضعت أمام تركيا للانضمام إلى عضوية الاتحاد الأوروبي، وهو وهم إضافي أمام السلطنة النائمة في قعر التاريخ. وهذا ما يؤكده وهم تصريحات رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان يوم التوقيع على الاتفاقية حينما قال: (حتى إن قمتم بتقييم من ناحية الطاقة فحسب، يتضح أنه ينبغي أن تكون تركيا عضواً في الاتحاد الأوروبي). لكنه أمل إبليس في الجنة وسط ممانعات كل من فرنسا حتى لا تصبح حدود أوروبا مع آسيا هي سورية حسب تعبيره عام 2007 وقوله في مقابلة له مع صحيفة ألمانية (Bildam Sonntag): ومتوجهاً لألمانيا والنمسا بعد التوقيع على نابوكو: (دعونا نكفّ عن قطع الوعود الفارغة إلى تركيا، ورفض ألمانيا والنمسا لاعتبارات تتصل بتركيا ذات العمق الإسلامي والخشية من وزنها المتنامي في الجاليات التركية المهاجرة في أوروبا).

ولعل أكثر ما يشكل خطراً على نابوكو هو أن تقوم روسيا بقتل ودفن الأخير من خلال التفاوض على عقود أكثر أفضلية وتنافسية لإمدادات الغاز لتصب في غازبروم بسيليها الشمالي والجنوبي، وقطع الطرق عن أي نفوذ (طاقي) وسياسي لأمريكا أو أوروبا في كل من إيران وشرق المتوسط، فضلاً عن أن تكون غازبروم من أهم مستثمري أو مشغّلي حقول الغاز حديثة العهد في كل من سورية ولبنان، إذ لم يكن اختيار التوقيت في 16/8/2011 عابراً كي تعلن وزارة النفط السورية عن اكتشاف بئر غاز في منطقة قارة وسط سورية وقرب حمص بما يحقق إنتاجية بقدرة 400 ألف متر مكعب يومياً أي ما يعادل 146 مليون متر مكعب سنوياً من دون أي حديث عن غاز البحر الأبيض المتوسط.

 ولا يبدو أن الولايات المتحدة الأمريكية مستعدة للتراجع، إذ إنها أعلنت في أواخر أكتوبر 2011 عن التحول المتمثل في سياسات الطاقة بسبب اكتشاف مناجم الغاز الحجري في أوروبا لتقليل الاعتماد على روسيا والشرق الأوسط. لكن يبدو أن هذا أمل بعيد المنال أو المدى، إذ ثمة العديد من الإجراءات قبل الوصول إلى الإنتاج التجاري من مصادر غير تقليدية كمناجم الغاز الحجري الموجود في الصخور على عمق آلاف الأقدام تحت الأرض ويمكن الحصول عليه بكسر الصخور واستخدام مياه عالية الضغط بالتكسير الهيدروليكي بضخ عالي الضغط للسوائل والرمال في بئر لإطلاق الغاز. لكن السؤال يطرح نفسه بالمخاوف البيئية من تأثير تقنيات التكسير على المخزون الجوفي ذاته.

* الصين على الخط:

يُشكل التعاون الروسي – الصيني في مجال الطاقة القوة الموجهة للشراكة الاستراتيجية الصينية – الروسية، وهو ما يراه الخبراء رائزاً يقف وراء الفيتو المشترك لصالح سورية في مجلس الأمن.

إن التعاون في مجال الطاقة هو (شحم) تسريع الشراكة بين العملاقين، والأمر يتعدى إمداد الغاز بأفضليات للصين إلى المشاركة في توزيعه عبر (بيع الأصول والمنشآت الجديدة) ومحاولات السيطرة المشتركة على الإدارات التنفيذية لشبكات توزيع الغاز، حيث تقدم موسكو حالياً عرضاً بالمرونة في أسعار إمدادات الغاز شريطة أن يسمح لها بالدخول إلى الأسواق الصينية المحلية لأن الأرباح تكمن في الداخل الصيني. ولهذا تم الاتفاق على أن الخبراء الروس والصينيين يستطيعون العمل سوية في الاتجاهات التالية: (تنسيق استراتيجيات الطاقة في البلدين، والتنبؤ، ورسم السيناريوهات المستقبلية، وتنمية البنية التحتية للسوق، وفاعلية الطاقة، ومصادر الطاقة البديلة).

وهنالك فضلاً عن التعاون في الطاقة مصالح استراتيجية أخرى تتمثل في التصور المشترك الروسي – الصيني في مخاطر المشروع الأمريكي المسمى (الدرع الصاروخية)، ذلك أن واشنطن تشرك اليابان وكوريا الجنوبية في ذلك المشروع. ولا تكتفي بذلك، بل إنها وجهت دعوة إلى الهند في أوائل شهر سبتمبر 2011 من أجل أن تصبح الهند شريكاً في البرنامج نفسه. كما تتقاطع مخاوف موسكو وبكين من تحرك واشنطن لإعادة إحياء استراتيجية آسيا الوسطى المدعو (طريق الحرير) وهو نفس توجه مشروع آسيا الوسطى الكبير الذي طرحه جورج بوش الأب لدحر النفوذ الروسي-الصيني في آسيا الوسطى بالتعاون مع تركيا لحسم الموقف في أفغانستان عام 2014 وترتيب النفوذ (الناتوي) هناك والإشارات المتزايدة لرغبة أوزبكستان في القيام بدور المضيف للناتو في هذا المشروع. وهنا يقدِّر بوتين بأن ما يمكن أن يحبط غزو الغرب بشكل أساسي للرواق الخلفي الروسي لآسيا الوسطى هو اتساع الفضاء الاقتصادي الروسي المشترك مع كازاخستان وبيلاروسيا بالتعاون مع بكين بالنسبة لكازاخستان، وهو مشروعه الرئيسي في رئاسته المتوقعة ربيع عام 2012.

هذه الصورة لآليات الصراع الدولي تفسح في المجال أمام رؤية جانب من عملية تشكيل النظام العالمي الجديد على أرضية الصراع على النفوذ العسكري وعلى أرضية (القبض) على روح العصر: الطاقة وعلى رأسها الغاز.

 

كلمات دليلية

الشركات المعلنة