;
الصفحة السابقة

التغيرات المناخية وآثارها على البلاد العربية وكيفية الحد منها

انشأ بتاريخ: الخميس، 01 آذار/مارس 2012

إن الواقع البيئي في الكرة الأرضية في خطر شديد جراء سلوك الإنسان الجائر تجاه الموارد الطبيعية والبيئية التي سخرها الله لعباده، حيث أصبحت هذه الموارد مهددة بالاستنزاف خلال وقت قريب في حال استمرار التعدي عليها بهذه الطريقة الجائرة، حيث قال الدكتور نصر فريد واصل - مفتى الديار المصرية السابق: أمر الإسلام بكل خير ونهى عن كل شر وأمر بسائر الآداب ومحاسن الأخلاق ومن الأشياء التي أمر بها الدين القويم المحافظة على البيئة وهذه المحافظة تصب في مصلحة الفرد والمجتمع.

لقد جاءت الأديان السماوية كلها تدعو الإنسان إلى المحافظة على البيئة وتحرم عليه تلويثها وإفسادها لأن الله سبحانه خلقها من أجله وسخرها لخدمته ومنفعته وبدراسة الواقع المحيط بنا نجد أن الإنسان لم يعبأ بالبيئة المحيطة ولم يحافظ عليها، حيث أخذت عجلة التنمية والطفرة الصناعية التي تشهدها دول العالم في الدوران من دون الاهتمام بالأضرار التي سوف تحل بالبيئة، مما أدى إلى ظهور الكثير من المشكلات البيئية التي يعاني منها عالمنا المعاصر وعلى رأسها ظاهرة تغير المناخ وغيرها من المشكلات البيئية التي باتت تهدد البشرية وهي معظمها ناجمة عن الإجهاد البيئي والتلوث.

وهنا يجب الإشارة إلى أن المشكلات البيئية لها خاصية العالمية وذلك لأن الظواهر البيئية مثل ظاهرة الاحتباس الحراري وتغير المناخ والملوثات لا تعرف حدوداً سياسية أو إقليمية، فقد يظهر التلوث في دولة لا تمارس نشاطاً صناعياً أو تعدينياً وذلك نتيجة لانتقال الملوثات من دولة ذات مستويات تلوث عالية إليها فتسهم الرياح والسحب والتيارات المائية في نقل الملوثات من بلد إلى آخر ومن منطقة إلى أخرى، حيث تعتبر التغيرات المناخية واحدة من أخطر وأكبر التحديات البيئية التي يواجهها العالم بصفة عامة ومنطقتنا العربية بصفة خاصة، وتكمن خطورة تلك المشكلة في الآثار المدمرة التي تنتجها والتي بدأ العالم يعاني منها واقعياً، ولا جدال في أن كافة البلاد العربية لن تكون بمنأى عن آثار تغير المناخ، بل سوف تكون من أكثر المناطق عرضة للتدهور البيئي والتأثيرات المحتملة لهذه الظاهرة، الأمر الذي تترتب عليه انعكاسات سلبية كبيرة على التنمية الاقتصادية والاجتماعية والبيئية وعرقلة لمسيرة التنمية المستدامة التي تشهدها معظم البلدان العربية في الآونة الأخيرة، حيث أشار التقرير الرابع الصادر عن الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ لهذا العام إلى أن العديد من البلدان العربية سوف تتأثر بهذه التغيرات التي سوف تؤدي إلى زيادة في التصحر وتدهور الأراضي ونقص في موارد المياه وانخفاض في المحاصيل الزراعية التي تعتمد على مياه الإمطار، كما سوف تتأثر الثروة السمكية سلباً بارتفاع درجة حرارة المياه، الأمر الذي يهدد الأمن الغذائي في البلدان المتأثرة.

وجدير بالذكر الإشارة إلى النتائج التي توصلت إليها الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC) ومئات المراجع والأبحاث التي ورد ذكرها في تقرير المنتدى العربي للبيئة والتنمية لعام 2009، والتي بينت أن البلدان العربية هي من أكثر بلدان العالم تعرضاً للتأثيرات المحتملة لتغير المناخ. وأهم هذه التأثيرات تكمن في ارتفاع معدل درجات الحرارة، وانخفاض كمية الأمطار مع اضطراب في وتيرتها، وارتفاع مستويات البحار، وتضاؤل الموارد المائية. وبصرف النظر عن تغير المناخ، فإن الوضع الحرج أصلاً لشح المياه في العالم العربي سوف يصل إلى مستويات خطيرة بحلول سنة 2025م. وقد حذر تقرير نشر حديثاً في اليابان من أن ما يُعرف بـ (الهلال الخصيب)، الممتد من العراق وسوريا إلى لبنان والأردن وفلسطين، سوف يفقد كافة سمات الخصوبة، وقد يتلاشى قبل نهاية هذا القرن بسبب تدهور الإمدادات المائية من الأنهار الرئيسية. كما أن المشكلات التي هي من صنع الإنسان، خصوصاً إنشاء السدود على نطاق واسع، وممارسات الري غير المستدامة التي تهدر نحو نصف الموارد المائية، ومعدلات الاستهلاك البشري للمياه التي تفوق كثيراً المقاييس الدولية في بعض البلدان العربية، كلها تزيد الوضع سوءاً. ويحتمل أن تفاقم التأثيرات المتوقعة لتغير المناخ هذا التدهور. ومع استمرار الارتفاعات في درجات الحرارة قد ينخفض تدفق المياه في نهر الفرات بنسبة 30 في المائة وفي نهر الأردن بنسبة 80 في المائة قبل نهاية القرن. وإذا كانت الحال هكذا في الهلال الخصيب، فكيف سيكون الوضع في البلدان العربية القاحلة؟ لذلك فإن إدارة المياه هي مسألة عاجلة. ولا بدّ من أن نحسن الكفاءة، خصوصاً في عمليات الري، وأن نطور موارد مائية جديدة، بما في ذلك تكنولوجيات مبتكرة لتحليه المياه المالحة.

كما أن ارتفاع مستويات البحار يشكل أيضاً خطراً كبيراً، لأن غالبية النشاط الاقتصادي والزراعي والمراكز السكنية في المنطقة العربية تقع في المناطق الساحلية، المعرضة بشكل كبير لارتفاع مستويات البحار. وهذا قد يكون في شكل إغراق المناطق الساحلية وزيادة ملوحة التربة والمياه العذبة المتوافرة مثل الخزانات الجوفية. وقد أظهرت دراسة أجراها مركز الاستشعار عن بعد في جامعة بوسطن الأمريكية أن ارتفاعاً في مستويات البحار مقداره متر واحد فقط سوف يؤثر بشكل مباشر في 41,500 كيلومتر مربع من الأراضي الساحلية العربية. والتأثيرات الأكثر خطراً لارتفاع مستويات البحار ستكون في مصر وتونس والمغرب والجزائر والكويت وقطر والبحرين والإمارات. وسوف تشهد مصر أكبر التأثيرات على القطاع الزراعي في المنطقة، حيث إن ارتفاعاً بمقدار متر واحد سوف يعرض 12 في المائة من الأراضي الزراعية في البلاد للخطر، كما أن هذا الارتفاع سوف يؤثر بشكل مباشر في 3,2 في المائة من سكان البلدان العربية، بالمقارنة بنسبة عالمية تبلغ نحو 1,28 في المائة.

هذا بجانب التدهور الكبير الذي سوف يعانيه الإنسان من الجوانب الصحية والتي سوف تتأثر سلباً بارتفاع درجات الحرارة، خصوصاً نتيجة لتغيرات في المجالات الجغرافية لناقلات الأمراض مثل البعوض، ومسببات الأمراض التي تنقلها المياه، ونوعية المياه، ونوعية الهواء، وتوافر الغذاء ونوعيته. وسوف يزداد تفشي الأمراض المعدية مثل الملاريا والبلهارسيا، خصوصاً في مصر والمغرب والسودان. والملاريا، التي تصيب أصلاً 3 ملايين شخص سنوياً في المنطقة العربية، سوف تصبح أكثر انتشاراً وتدخل أراضي جديدة، حيث ارتفاع درجات الحرارة يقصر فترة الحضانة ويوسع مجال البعوض الناقل للملاريا ويزيد أعداده. كما أن ارتفاع تراكيز بعض الغازات التي تعرف بغازات الاحتباس الحراري مثل غاز ثاني أكسيد الكربون وازدياد شدة العواصف الرملية وتكرارها في المناطق الصحراوية سوف يزيدان ردود الفعل المثيرة للحساسية والأمراض الرئوية في أنحاء المنطقة.

كما أن إنتاج الغذاء سوف يواجه تهديداً متزايداً، يؤثر في الاحتياجات البشرية الرئيسية، فازدياد قسوة الجفاف وتوسعه والتغيرات في امتدادات الفصول قد تخفض المحاصيل الزراعية إلى أكثر من النصف إذا لم يتم البحث عن بدائل عاجلة، تتمثل في تغييرات في أنواع المحاصيل والأسمدة وممارسات الري. كما أن ارتفاع درجات الحرارة وانخفاض هطول الأمطار والتبدل في امتداد الفصول سوف يقتضي تطوير أصناف جديدة من المحاصيل يمكنها التكيف مع الأوضاع الناشئة، ويجب تطوير محاصيل تحتاج إلى مياه أقل وتستطيع تحمل ارتفاع مستويات الملوحة، واعتمادها على نطاق واسع.

البلدان العربية تعد من أكثر بلدان العالم تعرضاً للتأثيرات المحتملة لتغير المناخ
الوضع الحرج لشح المياه في العالم العربي سوف يصل إلى مستويات خطيرة بحلول 2025م

ولا نستطيع أن نغفل القطاع السياحي، فالسياحة قطاع مهم من الاقتصاد في عدد من البلدان العربية، وهي معرضة بشكل كبير لتأثيرات تغير المناخ. فارتفاع في معدل الحرارة يتراوح بين درجة وأربع درجات مئوية سوف يسبب تراجعاً شديد الأثر في مؤشر راحة السياحة في أنحاء المنطقة. كما أن المناطق المصنفة بين جيدة وممتازة سياحياً يحتمل أن تصبح بين هامشية وغير مؤاتية بحلول سنة 2080م، خصوصاً بسبب ارتفاع درجة حرارة فصول الصيف والأحداث المناخية المتطرفة وشح المياه وتدهور النظم الإيكولوجية. وسوف يؤثر اضمحلال الشعاب المرجانية على السياحة في بلدان حوض البحر الأحمر، وبالدرجة الأولى مصر والأردن. كما سيؤثر تآكل الشواطئ وارتفاع مستويات البحار على المراكز السياحية الساحلية، وبالدرجة الأولى في مصر وتونس والمغرب وسوريا والأردن ولبنان، خصوصاً في الأماكن حيث الشواطئ الرملية ضيقة والمباني القريبة من الخط الساحلي. لذا يجب البدء فوراً في استكشاف خيارات لسياحة بديلة تكون أقل تعرضاً للتغير المناخي، مثل السياحة الثقافية. وعلى البلدان التي لديها مناطق ساحلية معرضة بشكل كبير لارتفاع مستويات البحار أن تطور مراكز سياحية داخلية بديلة.

كما أن التنوع البيولوجي في البلدان العربية، المتدهور أصلاً، سوف يشهد مزيداً من الأضرار بسبب ازدياد شدّة تغير المناخ. فارتفاع درجات الحرارة بمقدار 2-3 درجات مئوية سوف يؤدي إلى انقراض ما يصل إلى 40 في المائة من كافة الأنواع. ومما هو معروف أن البلدان العربية تحوي الكثير من التكوينات الفريدة المعرضة على الخصوص لخطر تغير المناخ، مثل غابات الأرز في لبنان وسوريا، وأشجار المنجروف في قطر، وأهوار القصب في العراق، وسلاسل الجبال العالية في اليمن وعُمان، وسلاسل الجبال الساحلية للبحر الأحمر. كما أن أنظمة استخدام الأراضي والتخطيط المدني في المنطقة العربية تتجاهل المتطلبات الأساسية للتكيف مع تغير المناخ. ويقدر أن 75 في المائة من المباني والبنية التحتية في المنطقة معرضة بشكل مباشر لخطر تأثيرات تغير المناخ، وبالدرجة الأولى نتيجة لارتفاع مستويات البحار وازدياد حدة وتكرار الأيام الحارة واشتداد العواصف.

كما أشار التقرير الصادر عن المنتدى العربي للبيئة والتنمية لعام 2009 إلى أنه حتى الآن لا يجري تنفيذ برامج شاملة ومتكاملة لجعل البلدان العربية مهيأة لمواجهة تحديات تغير المناخ. وتحديداً، لا يمكن استشفاف أي جهود متواصلة لجمع البيانات وإجراء البحوث في ما يتعلق بتأثيرات تغير المناخ على الصحة والبنية التحتية والتنوع البيولوجي والسياحة والمياه وإنتاج الغذاء.. إلخ.  كما يبدو أن التأثير الاقتصادي الناتج عن التغيرات المناخية يتم تجاهله تماماً. ونادراً ما توجد سجلات موثقة للأنماط المناخية في المنطقة، حيث أظهر نمط صنع السياسات في المنطقة، في كثير من الجوانب، نواقص يجب العمل على إصلاحها بشكل عاجل وسريع إذا كانت البلدان العربية تريد الاستعداد للتأثيرات السلبية المحتملة لتغير المناخ، وتتراوح بين الإدارة المستدامة للموارد الطبيعية والتخطيط للمخاطر. وكمثال عن الحالات المتطرفة، يُذكر أن لدى جزر المالديف خططاً لادخار أموال كبوليصة تأمين لإجلاء جميع سكانها إلى مناطق أخرى في حال ارتفاع مستويات البحار. ولابد من الاحتياط قبل فوات الأوان. فلقد ظهرت الحاجة الملحة لوضع سياسات قومية لمواجهة هذه المشكلة، فمن المعروف أن الدول النامية تتعرض إلى ضغوط التغيرات المناخية بصورة أشد مما تتعرض إليه الدول المتقدمة، كما أن قدرة الدول النامية على التأقلم مع مردودات تغير المناخ تعوقها الموارد المالية المحدودة من ناحية ومتطلبات التنمية الاقتصادية من ناحية أخرى. وتتضح من ذلك أهمية الحصول على إسهامات ومساعدات دولية محددة المعالم في كافة المجالات سواء نقل التكنولوجيات النظيفة مع التدريب اللازم والتعليم، أو رفع الوعي وإعداد الكوادر الوطنية القادرة على التعامل مع مختلف جوانب هذه الظاهرة، أو البرامج المطلوبة للتعامل مع هذه القضية وللتأقلم مع مردوداتها نظراً لضخامة التكاليف، بالإضافة إلى توجيه الجهود إلى تصميم نماذج رياضية إقليمية لتغير المناخ مع حصر وتقييم طرق التأقلم ومتابعة تنفيذها.

والجدير بالذكر الإشارة إلى أنه نظراً لأهمية موضوع التغيرات المناخية وآثاره المحتملة التي سوف تنعكس على شتى نواحي الحياة خاصة على البلاد العربية قرر مجلس وزراء البيئة العرب في دورته رقم 22 لعام 2010 تخصيص جائزة المجلس لعام 2012 لموضوع تغير المناخ وآثاره على المنطقة العربية وكيفية الحد من مخاطر تغير المناخ والاستعدادات التي يجب اتخاذها لمجابهة التأثيرات المحتملة. وأخيراً فإن مشكلة تغير المناخ والاحتباس الحراري من كبرى المشكلات الرئيسية التي سوف تعانى منها بلادنا العربية، لذا يجب اتخاذ كافة الطرق والسبل للعمل على الحد منها، كما يجب أن تتكاتف كل الجهود بين كافة المؤسسات الأهلية والحكومية المعنية بالبيئة وقضاياها لمواجهة تلك الظاهرة. 

كلمات دليلية
أشرف صالح إبراهيم 90