;
الصفحة السابقة

النصر المهدور: الاحتلال الأمريكي والجهود الخاطئة لدمقرطة العراق

انشأ بتاريخ: الثلاثاء، 01 آذار/مارس 2005

في حقل علوم أصول التدريس أو ما يعرف عادة بالبيداغوجيا، تتوفر طريقتان رئيسيتان يمكن الاعتماد عليهما لتلقين أي مجال من مجالات المعرفة. ولعل الطريقة المفضلة، بطبيعة الحال، هي الطريقة المباشرة التي تشرح كل جانب من جوانب العملية التعليمية. ولنأخذ مثالاً واحداً لتبيان فحوى هذه الطريقة، حيث إن مضمون الدرس يتم إيصاله من قبل الأستاذ إلى الطالب بشكل سلس وسهل الاستيعاب. غير أن الطريقة الثانية، وعلى الرغم من أنها طريقة غير تقليدية مقارنة بنظيرتها الأولى، فلربما تنطوي هي الأخرى على قيمة تعليمية مماثلة. فالطريقتان معا تعترفان بقيمة الاستناد إلى الأمثلة كجزء لا يتجزأ من العملية التعليمية، مع ضرورة التأكيد على أن الطريقة الثانية تحبذ استخدام الأمثلة لإيضاح الطريقة التي يمكن بواسطتها النأي عن الانخراط في أي عملية بعينها. وبعبارة أفصح، ومن خلال تبيان كيف يمكن عدم القيام بشيء محدد، فإن الـمُدرس يضفي عاملا إضافيا على التجربة التعليمية، بمعنى أن المدرس يقدم دليلا يساعد المتلقي على تحاشي الأفخاخ والمخاطر التي تتخلل أيا من المهام الصعبة أو المزعجة.

في كتابه الذي يحمل عنوان "النصر المهدور: الاحتلال الأمريكي والجهود الخاطئة لدمقرطة العراق"، اختار المؤلف لاري دايموند تبني طريقة التلقين الأقل استخداما. علينا أن نستذكر أن لاري دايموند يشغل منصب زميل أول بمؤسسة (هوفر) الشهيرة وأستاذ شرف بقسم العلوم السياسية والاجتماع بجامعة ستانفورد - وهي مؤسسة تتمتع بصيت واسع عبر العالم لما تتميز به من خبرة في مجال الأبحاث القيمة- وبالتالي فإن دايموند ليس غريباً عن المسألة الديمقراطية. والواقع أن دايموند مشهود له في الأوساط الأكاديمية بحنكته الأكاديمية في مجال مبادئ ومؤسسات الديمقراطية، كما أنه يحظى باحترام واسع بصفته خبيراً في مجال إدارة الحكم الديمقراطي، ويمكن ملامسة خبرته ومعرفته بهذين المجالين من خلال الاطلاع على إصداراته المتعددة حول نظريات الديمقراطية ومقارنة النظم الديمقراطية.

وعلى الرغم من صدور العديد من الكتب والتقارير حول التجربة الأمريكية في العراق وما يشوبها من نواقص، فإن القلة القليلة من تلك الإصدارات تعرض رؤية معمقة تخوض في خفايا وملابسات التجربة، بل إن عددا محدودا للغاية من تلك الإصدارات يقدم رؤية من منظور المحلل التكنوقراطي. وفي ما يتعلق بقراءة دايموند للتجربة الأمريكية، فهو يعمد منذ الصفحات الأولى للكتاب إلى التأكيد على موقفه الشخصي المعارض للحرب على العراق ومعارضته لاستراتيجية إدارة بوش الأحادية تجاه منطقة الشرق الأوسط. لكن وبعد احتلال العراق، شعر دايموند – الذي تلقى دعوة شخصية من صديقته وزميلته في العمل بجامعة ستانفورد سابقا كوندوليزا رايس – بضرورة السفر إلى العراق وتقديم خبرته للمساعدة في مشروع بناء حكومة ديمقراطية، وإن لم يكن دايموند بالفعل قد قرر الذهاب إلى العراق حباً في المساعدة في الحفاظ على الأمن والاستقرار في ذلك البلد. واستغرقت تجربة دايموند في العراق مدة عام كامل وتمثل المادة التي تثري مضمون هذا الكتاب، بما في ذلك تفاصيل المناقشات والعلاقات والظواهر التي عادة لا يتمكن الصحفيون من الحصول عليها.

ومن أهم المحاور التي يتطرق إليها الكتاب غياب استعداد الإدارة الأمريكية على الصعيدين الاستراتيجي والفني للتعاطي مع الوضع في العراق في فترة ما بعد انتهاء الحرب. وعلى الرغم من أن طيفا من الصحفيين والمحللين والمراقبين قد أشاروا إلى هذا الجانب في عدد واسع من الإصدارات، إلا أن قراءة دايموند تبث روح الحياة مجددا في هذا الملف الحساس، فهو يعرض العديد من التفاصيل المرتبطة بعدد من الأحداث والمناسبات، فمثلا لم يتمكن دايموند من إعطاء محاضرات حول الديمقراطية في مناطق خارج المنطقة الخضراء في العاصمة بغداد بسبب غياب المركبات المدرعة وفرق الحراسة الشخصية، في حين كانت السيارات المدرعة وأفراد الحرس الشخصي في العديد من سفارات الولايات المتحدة في دول المنطقة يحملون الأمتعة من المطارات. ويشير دايموند إلى أن الإدارة الأمريكية تفتقر بشكل مريب إلى الخبرة في كل ما يرتبط بتاريخ وتركيبة المجتمع العراقي في وقت يعكف فيه فريق الاستراتيجيين عديمي المعرفة على تهميش كل من يمتلك الخبرة والخلفية الضروريتين.

وفي حادث لافت يعكس العقلية التي كانت مهيمنة على سلطة الائتلاف المؤقتة خلال بدايات فترة الحرب، تساءل أحد الموظفين التابعين للسلطة بصوت عالٍ حول أهمية الدخول في مفاوضات مع آية الله العظمى السيد علي السيستاني الذي يعتبر أكثر رجال الدين الشيعة تأثيرا في جميع أرجاء العراق وهو الذي نجح في مناسبات عديدة في دفع عشرات الآلاف من مؤيديه الأولياء إلى الخروج إلى شوارع العراق وتنظيم مظاهرات احتجاجية.

بل الأدهى من ذلك، وبحسب الإحالات التي يعرضها دايموند، تجاهلت سلطة الائتلاف المؤقتة التطورات الخطيرة التي تشهدها الساحة العراقية. وفي أكثر من مناسبة يصف دايموند المنطقة الخضراء بـ "الفقاعة" المحمية بواسطة شبكة من الأسلاك الشائكة وفرق من أفراد الحراسة وكلاب الحراسة ضد أي محاولات لاختراق المنطقة، بينما يتم احتواء المنطقة ضد موجة الجرائم ومظاهر الفقر وغليان مشاعر الإحباط في شوارع بغداد. ولعل سلوك جاي غارنر يجسد بشكل ملموس هذا الوضع. وكان غارنر أول من تولى مهمة الإشراف على عمل سلطة الائتلاف المؤقتة وهو الذي صرح بنبرة تُشتم منها رائحة الفخر والاعتزاز بعد مرور سبعة أشهر من تبلور معضلة ما بعد الحرب بأن العراق يخطو في اتجاه الدمقرطة، وأن الولايات المتحدة سوف تغادر البلد عند انتهاء فترة عقده في شهر أغسطس 2003. ومن اللافت أن الفجوة التي تفصل بين العمليات والخطط التي يتم إعدادها داخل المنطقة "الفقاعة" وواقع الحال خارجها أفضت في الكثير من الأحيان إلى إخفاق عدد من المخططات، وساهمت في تعزيز حالة الفوضى وأجواء العبثية التي طغت على العمليات الأمريكية في العراق. وعلى الرغم من انتهاء المراحل الأولى من العملية العسكرية – التي شملت العمليات القتالية الرئيسية التي أعرب الرئيس بوش عن سعادته بانتهائها بعد مرور بضعة أشهر بعد الإعلان عن احتلال العراق- وتم التخطيط لها وتنفيذها بشكل جيد، كما يشير دايموند في متن الكتاب، إلا أن عملية جهود عملية إعادة بناء العراق في مرحلة ما بعد الحرب اتسمت في أحسن أحوالها بطابع الترقيع والارتجالية، حيث إن الإدارة الأمريكية فضلت التعاطي مع المعوقات، كلما برزت، بدلاً من التخطيط مسبقا للتعامل مع جملة التحديات المحتملة.

وضمن سياق مؤلفه، يعرض دايموند صورة مقلقة تعكس عمق الشقاقات العرقية والطائفية في العراق، وذلك باستحضار مجموعة من الأمثلة التي تبين مدى قوة قادة العشائر. وفي محاولة للقوات الأمريكية للسيطرة على مدينتي كوت وبعقوبة وتخليصهما من قبضة المتمردين، على سبيل المثال، يستذكر دايموند كيف تحرك شيوخ القبائل لحشد الآلاف من أتباعهم والدخول في مواجهات مسلحة مع جيش المهدي، بعد أن كان يظنهم العديدون في العراق بأنهم خارج اللعبة. ويقدم دايموند أيضا وصفا تفصيليا لدينامية التفاعل بين عدد من رموز الدين في العراق، موضحا كيف يمكن لبعض رجال الدين البارزين وضع العراقيل في وجه محاولات إرساء ركائز ثقافة سياسية ديمقراطية، في حين كان البعض الآخر مصر على تأكيد تناغم التعاليم الإسلامية ومبادئ الديمقراطية. ويستطرد دايموند في تفصيل الفارق الشاسع على مستوى حجم الموارد المالية المتاحة للأحزاب الدينية المعتدلة والأحزاب العلمانية التي تعاني من غياب الموارد المالية الضرورية من جهة والأحزاب الإسلامية المتطرفة التي عادة ما تحصل على مواردها المالية من مجموعة من القوى الخارجية.

ويقدم كتاب "النصر المهدور" للقارئ قراءة معمقة حول كيفية عمل مجلس الحكم الانتقالي، المؤسسة التي اعتبرها معظم العراقيين غير شرعية، وما مارسه المجلس من ضغوط من أجل السيطرة على عملية صياغة مستقبل العراق، وهي ظاهرة نادرا ما تم تمحيصها أو تفصيلها من قبل وسائل الإعلام. وعلى جانب آخر يقدم الكتاب نظرة ثاقبة حول عدد من المشكلات التي تواجه العراق، خصوصا قرار القيادات السنية بمقاطعة انتخاب أعضاء الجمعية الوطنية، وكيف أن هذا القرار تبلور خلال فترة من الزمن.

من الواضح أن كتاب دايموند لا يقف عند حدود قراءة حول فشل جهود الإدارة الأمريكية، بل يعرض جملة من العبر والدروس القيمة في معنى الديمقراطية وبناء الأمم. ومن خلال تبني طريقة التلقين المشار إليها آنفا، يشرح لنا دايموند في كتابه كيف يمكن بناء نظام ديمقراطي في العراق عن طريق تبيان ما لا ينبغي القيام به لبناء حكومة ديمقراطية في العراق. وفي هذا الصدد، تعد خبرة دايموند من الطراز المميز. وبوصف الكاتب خبيرا محنكا في مجال إدارة الحكم الديمقراطي، يقدم لنا رؤى معمقة نابعة عن خبرته الطويلة في تطور أوضاع معينة إلى معضلات عويصة ومدى الحاجة إلى الاستفادة من وجود مجموعة من المؤسسات العراقية لتجاوز الصعوبات والعراقيل القائمة حاليا. وفي أكثر من مناسبة، يتوقف دايموند عند مراحل محددة من عملية دمقرطة العراق – لعل أبرز ما يتبادر إلى ذهن القارئ في هذا السياق هو صياغة قانون إدارة العراق في المرحلة الانتقالية وتشكيل الحكومة الانتقالية – ويعكف على تفصيل مجموعة من الخيارات المتاحة يمكن تبنيها وتفعيلها في مثل تلك المراحل من خلال عملية فرز وإقصاء الخيارات المتاحة الواحد تلو الآخر إلى حين يتوصل إلى الخيار الذي يعتبره دايموند قادرا على الدفع في اتجاه إحداث النتائج المنشودة. لكن وللأسف، كان كبار المسؤولين في سلطة الائتلاف المؤقتة لا يوافقون دايموند الرأي في الكثير من الأحيان.

ويمكن القول إن قراءة دايموند لا هي مثالية ولا هي كاملة. فعلى الرغم من أن الكتاب يستند في الكثير من جوانبه إلى نظريات ومبادئ الديمقراطية، إلا أن رؤية دايموند حول عملية بناء أسس نظام ديمقراطي في العراق تفتقر إلى العمق التاريخي والمعرفة الدقيقة بالمجتمع العراقي وتاريخه السياسي بالقدر الذي يمكن معه تسليط أضواء بألوان مختلفة على عملية الدمقرطة برمتها. وهذا أمر يعترف به دايموند نفسه، خصوصا عندما يلعن نفسه لعدم قدرته على فهم محتوى أحد أحاديث صلاة الجمعة الذي كان يصغي إليه عن بعد. علاوة على ذلك، يشير دايموند إلى فترة الاحتلال البريطاني للعراق في مطلع عشرينات القرن العشرين. وبينما يرى في التجربة البريطانية أهمية خاصة لفهم الوضع القائم حاليا في العراق، فإنه لا يقدم سوى القليل من الشرح في هذا الجانب. وبالفعل، لو كان دايموند يتمتع بمعرفة أوسع بسياسات وتاريخ المنطقة، لكان تقييمه لبعض الظواهر التي يشهدها المجتمع العراقي، بما في ذلك دور شيوخ القبائل وإصرار الميليشيات المسلحة على مواجهة القوات الأمريكية، أعمق مما هو عليه الحال في كتابه هذا.

ولكن على الرغم من النواقص التي تشوب "النصر المهدور" لابد من الإشادة بأسلوب كتابة الكتاب وقراءته المميزة لتجربة الولايات المتحدة في العراق. كما أنه يقدم دروساً في الديمقراطية تبرز بشكل لافت من خلال التطرق إلى فشل الإدارة الأمريكية في إقامة ثقافة حكم القانون وإدارة الحكم الديمقراطي في العراق. ولم يقتصر دايموند على تقديم نقد للفشل الأمريكي. بل قد يشعر القارئ بأن ذلك يمثل الهدف الأساسي الذي تبناه دايموند منذ الصفحات الأولى للكتاب، إذ يمكن للقارئ أن يلاحظ أن الكتاب يُستهل بكلمات "هذا الكتاب موجه إلى طلبتي، لعلهم يتعلمون من أخطائنا". وعلى الرغم من أن الكتاب يخاطب الجمهور العريض، فإنه من المرجح أن يجد المسؤولون عن صياغة وإدارة سياسات منطقة الشرق الأوسط والمهتمون بالشأن الديمقراطي متعة خاصة عند قراءتهم للكتاب. أما في ما يخص المهتمين بشؤون منطقة الخليج، فلا بد من القول إن الكتاب لا يقدم الكثير من حيث الدعوة إلى الانخراط في شؤون المنطقة، لكنه يطرح مجموعة من التساؤلات والقضايا تدعو القارئ إلى التمعن والتفكير في طبيعة عملية التحول الديمقراطي في منطقة الخليج والتحديات المستقبلية التي من المتوقع أن تواجه دول المنطقة، خصوصا في ما يتعلق بضرورة بناء أسس ثقافة تقوم على مبادئ الديمقراطية.

كلمات دليلية