;
الصفحة السابقة

قوات حفظ السلام العربية.. ضرورة جاء وقتها

انشأ بتاريخ: الأحد، 01 نيسان/أبريل 2012

المنطقة العربية المتوترة والمأزومة دوماً هي أشد مناطق العالم احتياجاً لقوة حفظ السلام بشكل دائم، بل هي المنطقة التي نشأت من أجلها أول قوات لحفظ السلام في العصر الحديث وكان ذلك في عام 1948م، حيث تولت هذه القوات مهمة مراقبة اتفاق الهدنة (العربية ــ الإسرائيلية) وكانت تحمل اسم (منظمة مراقبة الهدنة) التابعة للأمم المتحدة، ثم عادت المنظمة الدولية وأرسلت قوات مماثلة ولمهمة مشابهة إلى المنطقة العربية بعد انتهاء حرب السويس عام 1956م، وكان ذلك في العام التالي مباشرة لانتهاء الحرب أي عام 1957م، ومنذ ذلك الحين أصبح وجود قوات السلام الدولية في المنطقة ظاهرة مألوفة. ونستطيع القول إن منطقة الشرق الأوسط في حاجة ملحة لهذه القوة، فهموم ومشاكل المنطقة استحوذت على أكثر من 80 في المائة من الموارد البشرية والمالية المخصصة لقوات حفظ السلام الدولية منذ تأسيسها.

على الصعيد الدولي والإقليمي، سبق استخدام هذه القوات لحفظ السلام في المنطقة والعالم، وانتقلت فكرتها إلى أوروبا حيث تم إقرار المبدأ من قبل منظمة الاتحاد الأوروبي في قمته المصغرة عام 2003م، كما تبنت الدول الإفريقية بناء قوات للطوارئ والاستنفار تحت إشراف منظمة الوحدة الإفريقية عام 2001م، وأقرها وزراء الدفاع الأفارقة في أديس أبابا عام 2004م.

تلا ذلك تجارب محدودة لإنشاء قوات سلام تابعة لجامعة الدول العربية لكن لغايات محدودة كتلك التي فصلت بين القوات العراقية - الكويتية عام 1961م، وقوات الردع العربية في لبنان عام 1976م، لكنها كانت قوات لها مهام محددة وتلبية لظروف عابرة، لم يتم تطوير هذه المحاولات المتواضعة إلى مبدأ يتم تبنيه على المستوى الإقليمي.

وخلال العقود الزمنية الماضية طرأت تعقيدات متعددة على الظروف الإقليمية مما عمق الحاجة إلى إعادة النظر بالموقف غير الجدي السائد تجاه فكرة تأسيس قوات لحفظ السلام على المستوى العربي، فما تشهده الساحة العربية من تداعيات أمنية، واتساع رقعة الخلافات والاختلافات في المنطقة وأكثرها يأخذ الطابع المسلح، يقابله فتور دولي، بل عدم اكتراث في كثير من الأحيان من جانب الأمم المتحدة والمجتمع الدولي لما يدور على الساحة العربية من قتل وتشريد وتدمير وكأن ما يحدث في منطقتنا ليس على الأرض بل في كوكب آخر بالنسبة لمجلس الأمن الدولي والجمعية العامة للأمم المتحدة، ما لم تكن هناك مصلحة مباشرة للقوى العظمى وأصحاب الفيتو.

وعلى ضوء احتياجات المنطقة، والمخاطر والتهديدات القائمة والمتوقعة، لابد من تشكيل قوات سلام عربية، على أن تكون ضمن شروط، ومعايير، قيادة محترفة، ومركز للقيادة والسيطرة، وتوافر متطلبات محددة تضمن نجاحها، واستمرارها، وحياديتها، ومشروعيتها، وتكون أداة جماعية عربية لا يحكمها هوى أو نزق، على أن يتم تحديد مهام وتوجهات هذه القوات بدقة وطبقاً لنظامها الأساسي الذي من المفترض أن تتم صياغته قبل تشكيل هذه القوات، مع اختيار مواقع وجودها وفقاً لمعايير عسكرية دقيقة لتكون قادرة على التحرك بسهولة ويسر وضمان وصولها إلى المواقع التي تستلزم التحرك إليها في أسرع وقت ممكن.

الدروس المستفادة من التجارب السابقة تؤكد أن القوات العربية - تحت أي مسمى - لم تحقق نجاحات حاسمة أو مرضية وإن كانت حققت نتائج محدودة في المهام التي أوكلت إليها، وعليه لابد من بناء قوات حفظ سلام عربية ضمن إطار سياسي وتنظيمي جديد وملائم، على أن تكون وحدات دائمة، مستقلة، وغير مسيسة أو ذات علاقة بالتوجهات السياسية، على أن تتمتع بمزايا الشرعية على غرار قوات حفظ السلام الدولية مع الاحتفاظ بإقليميتها في إطار عملياتي مناسب كونها قوات حفظ سلام خاصة بالمنطقة. ولا بد من مراعاة عدة معايير محددة عند تشكيلها من حيث التنظيم والإعداد والتسليح، فهي ليست قوات قتالية وغير مهيأة للقتال أو الدخول في معارك ومواجهات مسلحة، بل لحفظ الأمن والاستقرار، وتكون مدربة على إعادة البناء وتقديم الخدمات الهندسية واللوجستية والإنسانية، أي متخصصة في مساعدة السكان المدنيين وحمايتهم وتقديم خدمتها.

وعند تشكيل هذه القوات يمكن الاستعانة بتجربة الأمم المتحدة للاستفادة من كيفية تكوين التشكيلات، ووضع برامج التدريب، وكذلك الاستعانة بإمكانيات المنظمة الدولية لتشابه المهام والأهداف الإنسانية.

عند وضع هيكل وتشكيلات ومهام هذه القوات، لابد أن يكون ذلك عبر مشروع يشارك في وضعه نخبة من العسكريين والخبراء في المجالات ذات العلاقة تحت مظلة الأمانة العامة لجامعة الدول العربية، وأن تكون مشاركة الدول العربية في هذه القوات اختيارية، وكذلك الانضمام إليها ويتبع ذلك تمويلها، من أجل أن تكون لهذه القوات ميزانية محددة، يتم تحديد أوجه النفقات مع تخصيص جزء من التمويل للعمليات الطارئة والتدخلات العاجلة والمفاجئة.

من الأهمية بمكان، تحديد مقر دائم للقيادة والسيطرة في دولة عربية تحظى بموافقة الأعضاء والدول المساهمة في تشكيل هذه القوات، مع الأخذ في الاعتبار عند اختيار الدولة المستضيفة عدة معايير ومنها: الموقع الجغرافي المناسب والقريب من المشرق والمغرب العربي، ومراعاة جوانب الاستقرار السياسي والأمني لهذه الدولة، ومدى التزامها بالتقاليد العسكرية العريقة، كما يجب مراعاة مواصفات فنية ومعايير يجب الالتزام بها لضمان جهوزية وحرفية هذه التشكيلات غير القتالية، ومنها تشكيل قيادة ورئاسة أركان على غرار قوات النخبة من جميع المستويات التخطيطية والقيادية والتنفيذية، بما في ذلك قدرتها على التواصل والتعاون مع القوات الدولية ذات المهام المشابهة، ومن ثم يكون أفراد قوات حفظ السلام العربية ذوي مهارات متعددة، فبالإضافة إلى اللياقة الجسمانية، يجب الاهتمام أيضاً بالمرحلة العمرية الشبابية وضرورة إجادة لغات أجنبية إضافة إلى العربية، وتحديد سنوات الخدمة للمنتسبين إليها، وكذلك توفير قوات احتياطية استراتيجية، وفي هذا المضمار يمكن التعاون مع الجيوش العربية لانتقاء العناصر المناسبة أو ممن سبق لها التجنيد واكتساب المهارات العسكرية الميدانية، مع إقرار مبدأ التدريب المستمر لضمان الكفاءة واستمرار اللياقة وتقديم أفضل الخدمات في إطار عصري وفي قالب عسكري منضبط، وفقاً للتقاليد العسكرية المحترفة بما يضمن سرعة الانتشار وأخذ زمام المبادرة والتكيف مع الظروف العسكرية والميدانية في المناطق المأهولة وغير المأهولة، ومع ظروف الطقس المختلفة وتحت الأجواء المشحونة والقلقة.

إن نجاح الدول العربية في تشكيل هذه القوات سيمثل ركيزة للسلم والأمن الإقليميين في المنطقة العربية المتوترة، وسيكون ذلك درءاً ومسانداً للأمم المتحدة في تثبيت قواعد الأمن الإقليمي بأيدي أبناء المنطقة وتحت قيادة عربية وبغطاء الجامعة العربية، وسيكون لها دور مهم في خدمة الجانب الإنساني المغيب في الشأن العربي وفي النزاعات العربية.

كلمات دليلية
91 عبدالعزيز بن عثمان بن صقر